اعْلَم أَن مُوسَى ﵊ لما أهلك فِرْعَوْن وطئ الشَّام وَأهْلك من بهَا، وَبعث بعثًا من الْيَهُود إِلَى الْحجاز وَأمرهمْ أَن لَا يستبقوا من العماليق أحدا بلغ الْحل، فقدموا فَقَتَلُوهُمْ وَقتلُوا ملكهم وَكَانَ يُقَال لَهُ: الأرقم بن أبي الأرقم، واستجبوا ابْنا لَهُ شَابًّا وَقدمُوا بِهِ فَقبض مُوسَى ﵇ قبل قدومهم، فتلقتهم بَنو إِسْرَائِيل فوجدوا الْغُلَام مَعَهم، فَقَالُوا لَهُم: إِن هَذِه لمعصية مِنْكُم لما خالفتكم من أَمر نَبِيكُم، وَالله لَا تدْخلُوا علينا بِلَادنَا وحالوا بَينهم وَبَين الشَّام فَرَجَعُوا فسكنوا الْحجاز، وَكَانَت الْحجاز إِذْ ذَاك أشجر بِلَاد الله وأطهرها، قَالُوا: وَكَانَ هَذَا أول سُكْنى الْيَهُود الْحجاز بعد العماليق، وَكَانَ جَمِيعهم بزهرة بَين الْحرَّة والسافلة مِمَّا يَلِي القف، وَكَانَت لَهُم الْأَمْوَال بالسافلة، وَنزل جُمْهُور بمَكَان يُقَال لَهُ يثرب بمجتمع السُّيُول سيل بطحان والعقيق وسيل قناة مِمَّا يَلِي زغابة، وَخرجت قُرَيْظَة وإخوتهم بَنو هذل وهم بَنو الْخَزْرَج وَالنضير بن النحام ابْن الْخَزْرَج وَقيل: قُرَيْظَة وَالنضير أَخَوان وهما بَنو أَبنَاء الْخَزْرَج بن الصَّرِيخ فَخَرجُوا بعد هَؤُلَاءِ فتتبعوا آثَارهم فنزلوا بِالْعَالِيَةِ على واديين يُقَال لَهما: مذينب ومهرور، فَنزلت بَنو النَّضِير على مذينب وَاتَّخذُوا عَلَيْهِ الْأَمْوَال، وَنزلت قُرَيْظَة وهذل على مهرور وَاتَّخذُوا عَلَيْهِ الْأَمْوَال، وَكَانُوا أول من احتفر بهَا البنار واغترس الْأَمْوَال وابتنى الْآطَام والنازل، فَكَانَ جَمِيع مَا ابتنى الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ من الْآطَام تسعا وَخمسين أطمًا، والآطام: الْحُصُون وَاحِدهَا
[ ٢١٦ ]
أَطَم. قَالَ الْخطابِيّ: هُوَ بِنَاء من الْحِجَارَة، وَمثله الآجام والعياص. ثمَّ نزل أَحيَاء من الْعَرَب على يهود وَذَلِكَ أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ قرى وأسواق من يهود بني إِسْرَائِيل وَكَانَ قد نزلها عَلَيْهِم أَحيَاء من الْعَرَب وابتنوا مَعَهم الأطام والمنازل قبل نزُول الْأَوْس والخزرج وهم بَنو أنيف حَيّ من بلَى، وَيُقَال: إِنَّهُم لمن بَقِيَّة العماليق وَبَنُو مرْثَد حَيّ من بلَى، وَبَنُو مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن بهية من بني قيس بن عيلان، وَبَنُو الجذمي حَيّ من الْيمن، وَكَانَ جَمِيع مَا ابتنى الْعَرَب من الْآطَام بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَة عشر أطمًا.