قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَلما انْصَرف رَسُول الله ﷺ من الخَنْدَق رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة والمسلمون وَوَضَعُوا السِّلَاح، فَأتى جِبْرِيل ﵇ رَسُول الله ﷺ معتجرًا بعمامة من إستبرق على بغلة عَلَيْهَا قطيفة من ديباج فَقَالَ: لقد وضعت السِّلَاح يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: نعم. قَالَ: مَا وضعت الْمَلَائِكَة بعد السِّلَاح، وَمَا رجعت الْآن إِلَّا من طلب الْقَوْم، إِن الله يَأْمُرك بالسير إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِنِّي عَامِد إِلَيْهِم فَمُزَلْزِل بهم. فأذّن رَسُول الله ﷺ فِي النَّاس: " من كَانَ سَامِعًا مُطيعًا فَلَا يصلين الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة ". فَنزل رَسُول الله ﷺ فَحَاصَرَهُمْ خمْسا وَعشْرين لَيْلَة، وَقذف الله تَعَالَى فِي قُلُوبهم الرعب حَتَّى نزلُوا على حكم رَسُول الله ﷺ، فتواثبت الْأَوْس وَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّهُم موالينا دون الْخَزْرَج فهم لنا، فَقَالَ: " أَلا ترْضونَ يَا معشر الْأَوْس أَن نحكم فيهم رجلا مِنْكُم ". قَالُوا: بلَى، قَالَ: " فَذَلِك إِلَى سعد بن معَاذ ". وَكَانَ سعد فِي خيمته يداوي جرحه، وَكَانَ حَارِثَة بن كلدة هُوَ الَّذِي يداويه وَكَانَ طَبِيب الْعَرَب وَهُوَ مولى أبي بكرَة مسروح، فَأَتَت الْأَوْس سعد بن معَاذ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ: " احكم فِي بني قُرَيْظَة " فَقَالَ: إِنِّي أحكم فيهم أَن تقتل الرجل وتقسم الْأَمْوَال وتسبى
[ ٢٦٢ ]
الذرارى. فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ: " لقد حكمت فيهم بِحكم الله من فَوق سَبْعَة أَرقعَة " أَي من فَوق سبع سماوات، وَكَانَ الَّذين نزلُوا على حكمه ﷺ أَرْبَعمِائَة، واستنزلوا بني قُرَيْظَة من حصونهم فحبسوا بِالْمَدِينَةِ فِي دَار امْرَأَة من بني النجار، ثمَّ خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى سوق الْمَدِينَة فَخَنْدَق فِيهَا خنادق ثمَّ بعث إِلَيْهِم فجيء بهم فَضرب أَعْنَاقهم فِي تِلْكَ الْخَنَادِق، وَكَانُوا سَبْعمِائة وَفِيهِمْ حييّ بن أَخطب الَّذين حرضهم على نقض الْعَهْد، فَقتل مِنْهُم ﷺ كل من أنبت، واستحيى من لم ينْبت، وَقتل مِنْهُم امْرَأَة كَانَت طرحت رحى على خَلاد بن سُوَيْد من الْحصن فَقتلته يَوْم قتال بني قُرَيْظَة فَقَتلهَا بِهِ النَّبِي ﷺ، وَأخْبر ﷺ أَن لخلاد أجر شهيدين، ثمَّ قسم رَسُول الله ﷺ أَمْوَالهم ونساءهم وأبناءهم على الْمُسلمين، وَأنزل الله تَعَالَى فِي بني قُرَيْظَة وَالْخَنْدَق من قَوْله تَعَالَى: " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم " إِلَى قَوْله: " وأورثكم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ وأرضًا لم تطؤها " قيل: هِيَ نِسَاؤُهُم. ثمَّ انفتق على سعد بن معَاذ جرحه فَمَاتَ مِنْهُ شَهِيدا، وَذَلِكَ بعد أَن أَصَابَهُ السهْم بِشَهْر فِي شَوَّال سنة خمس، وَكَانَ رجلا طوَالًا ضخمًا، وَلم تزل بقايا الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ إِلَى خلَافَة عمر ﵁، وَرُوِيَ عَن ابْن شهَاب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا يجْتَمع دينان فِي جَزِيرَة الْعَرَب " قَالَ ابْن شهَاب: ففحص عَن ذَلِك عمر بن الْخطاب ﵁ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا يجْتَمع دينان فِي جَزِيرَة الْعَرَب ". فَأجلى يهود خَيْبَر وَأجلى يهود نَجْرَان وفدك. انْتهى.
[ ٢٦٣ ]