عَن أنس ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة إِلَى جنب خَشَبَة مُسْندًا ظَهره إِلَيْهَا فَلَمَّا كثر النَّاس قَالُوا: ابْنُوا لَهُ منبرًا، فبنوا لَهُ منبرًا لَهُ عتبتان فَلَمَّا قَامَ على الْمِنْبَر يخْطب حنت الْخَشَبَة إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ أنس: وَأَنا فِي الْمَسْجِد فَسمِعت الْخَشَبَة تحن حنين الواله، فَمَا زَالَت تحن حَتَّى نزل إِلَيْهَا فاحتضنها فسكنت وَكَانَ الْحسن إِذا حدث
[ ٢٧٠ ]
بِهَذَا الحَدِيث بَكَى، وَقَالَ: يَا عباد الله الْخَشَبَة تحن إِلَى رَسُول الله ﷺ شوقًا إِلَيْهِ لمكانه من الله ﷿، فَأنْتم أَحَق أَن تشتاقوا إِلَى لِقَائِه. وَعَن جَابر بن عبد الله كَانَ الْمَسْجِد مسقوفًا على جُذُوع نخل فَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا خطب يقوم إِلَى جذع مِنْهَا فَلَمَّا صنع الْمِنْبَر سمعنَا لذَلِك الْجذع صَوتا كصوت العشار. وَفِي رِوَايَة أنس حَتَّى ارتج الْمِنْبَر لخواره، روى بجواره بِالْجِيم، وَفِي رِوَايَة سهل: وَكثر بكاء النَّاس لما رَأَوْا بِهِ، وَفِي رِوَايَة الْمطلب: حَتَّى تصدع وَانْشَقَّ حَتَّى جَاءَ النَّبِي ﷺ فَوضع يَده عَلَيْهِ فَسكت، زَاد غَيره فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " إِن هَذَا بَكَى لما فقد من الذّكر "، وَزَاد غَيره: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو لم ألتزمه لم يزل هَكَذَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة تحزنًا على رَسُول الله ﷺ "، فَأمر بِهِ النَّبِي ﷺ فَدفن تَحت الْمِنْبَر. كَذَا فِي حَدِيث الْمطلب، وَسَهل بن سعد، وَإِسْحَاق عَن أنس، وَفِي بعض الرِّوَايَات جعل فِي السّقف. قيل: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى صلى إِلَيْهِ فَلَمَّا هدم الْمَسْجِد أَخذه أبيّ وَكَانَ عِنْده إِلَى أَن أَكلته الأَرْض. وَعَن الإسفرائيني: أَن النَّبِي ﷺ دَعَاهُ إِلَى نَفسه فَجَاءَهُ يهرق الأَرْض، فَالْتَزمهُ ثمَّ أمره فَعَاد إِلَى مَكَانَهُ. وَفِي حَدِيث أبي بُرَيْدَة قَالَ: يَعْنِي النَّبِي ﷺ: " إِن شِئْت أردك إِلَى الْحَائِط الَّذِي كنت فِيهِ تنْبت لَك عروقك، ويكمل لَك خلقك ويجدد لَك خوص وَثَمَرَة، وَإِن شِئْت أغرسك فِي الْجنَّة فيأكل أَوْلِيَاء الله من ثمرك ". ثمَّ أصغى لَهُ النَّبِي ﷺ يسمع مَا يَقُول فَقَالَ: بل تغرسني فِي الْجنَّة يَأْكُل مني أَوْلِيَاء الله، وأكون فِي مَكَان لَا ابلى فِيهِ فَسَمعهُ من يَلِيهِ. فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " قد فعلت ". ثمَّ قَالَ: " اخْتَار دَار الْبَقَاء على دَار الفناء ". قَالَت عَائِشَة ﵂:
[ ٢٧١ ]
لما قَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك غَار الْجذع فَذهب. وقصة الْجذع نَظِير إحْيَاء الْمَوْتَى لعيسى ﵇ وأكبر. وَقَالَ ابْن أبي الزِّنَاد: وَلم يزل الْجذع على حَاله زمَان رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر ﵃ فَلَمَّا هدم عُثْمَان ﵁ الْمَسْجِد اخْتلف فِي الْجذع، فَمنهمْ من قَالَ: أَخذه أبيّ بن كَعْب، وَمِنْهُم من قَالَ: دفن فِي مَوْضِعه. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَكَانَ الْجذع فِي مَوضِع الاسطوانة المحلقة عَن يَمِين الْمِحْرَاب محراب النَّبِي ﷺ عِنْد الصندوق. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: إِنَّه كَانَ لاصقًا بجدار الْمَسْجِد القبلي فِي مَوضِع كرْسِي الشمعة الْيُمْنَى الَّتِي عَن يَمِين الْمصلى فِي مقَام النَّبِي ﷺ، والاسطوانة الَّتِي قبل الْكُرْسِيّ مُتَقَدّمَة عَن مَوضِع الْجذع، فَلَا يعْتَمد على قَول من جعلهَا مَوضِع الْجذع، وَفِي الاسطوانة خَشَبَة ظَاهِرَة مثبتة بالرصاص بِموضع كَانَ فِي حجر من حِجَارَة الاسطوانة مَفْتُوح قد حوط عَلَيْهِ بالبياض والخشبة ظَاهِرَة تَقول الْعَامَّة هَذَا الْجذع، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من جملَة الْبدع الَّتِي يجب إِزَالَتهَا؛ لِئَلَّا يفتتن بهَا كَمَا أزيلت الْجَذعَة الَّتِي فِي الْمِحْرَاب القبلي، فَإِن الشَّيْخ أَبَا حَامِد ﵀ ذكر مصلى رَسُول الله ﷺ حَقَّقَهُ بقوله: إِذا وقف الْمُصَلِّي فِي مقَام النَّبِي ﷺ اكون رمانة الْمِنْبَر الشريف حَذْو مَنْكِبه الْأَيْمن، وَيجْعَل الْجَذعَة الَّتِي فِي الْقبْلَة بَين يَدي عَيْنَيْهِ، فَيكون وَاقِفًا فِي مصلى رَسُول الله ﷺ. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَذَلِكَ قبل احتراق الْمَسْجِد الشريف، وَقبل أَن يَجْعَل هَذَا اللَّوْح الْقَائِم فِي قبْلَة مصلى رَسُول الله ﷺ، وَإِنَّمَا جعل بعد حريق الْمَسْجِد وَكَانَ يحصل بِتِلْكَ الْجَذعَة تشويش كثير، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: هَذِه خرزة فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ، وَكَانَت عالية فَيتَعَلَّق النِّسَاء وَالرِّجَال إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَت سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة جاور الصاحب زين أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن حنا فَأمر بقلعها فَقلعت، وَهِي الْيَوْم فِي حَاصِل الْحرم الشريف ثمَّ توجه إِلَى مَكَّة فِي أثْنَاء السّنة فَرَأى أَيْضا مَا يَقع من الْفِتْنَة عِنْد دُخُول الْبَيْت الْحَرَام من الرِّجَال وَالنِّسَاء لاستمساك العروة الوثقى فِي
[ ٢٧٢ ]