زعمهم فَأمر بقلع ذَلِك الْمِثَال أَيْضا، وَالْحَمْد لله، وَأما الْعود الَّذِي فِي الاسطوانة الَّتِي عَن يَمِين مصلى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الْجذع الْمُتَقَدّم ذكره. فَقَالَ الْحَافِظ محب الدّين: روى عَن مُصعب بن ثَابت قَالَ: طلبنا علم الْعود الَّذِي فِي مقَام النَّبِي ﷺ فَلم نقدر على أحد يذكر لنا فِيهِ شَيْئا حَتَّى أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مُسلم بن السَّائِب صَاحب الْمَقْصُورَة أَنه جلس إِلَى جنبه أنس بن مَالك فَقَالَ: تَدْرِي لم صنع هَذَا الْعود؟ وَلم اسأله فَقلت: مَا أَدْرِي. قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يضع عَلَيْهِ يَمِينه ثمَّ يلْتَفت إِلَيْنَا، فَيَقُول: " اسْتَووا وَعدلُوا صفوفكم ". فَلَمَّا توفّي رَسُول الله ﷺ سرق الْعود فَطَلَبه أَبُو بكر فَلم يجده، ثمَّ وجده عمر عِنْد رجل من الْأَنْصَار بقباء قد دَفنه فِي الأَرْض فأكلته الأَرْض، فَأخذ لَهُ عودًا فشقه وَأدْخلهُ فِيهِ ثمَّ شعبه ورده إِلَى الْجِدَار، وَهُوَ الْعود الَّذِي وَضعه عمر بن عبد الْعَزِيز فِي الْقبْلَة، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمِحْرَاب الْيَوْم بَاقٍ. قَالَ مُسلم بن حَيَّان: كَانَ ذَلِك الْعود من طرفاء الغابة. وَقيل: بل كَانَ من الْجذع الْمَذْكُور. قَالَ الْمرْجَانِي: قلت وَالله أعلم: إِن هَذَا الْجذع الَّذِي ذكره ابْن النجار إِنَّه فِي الْقبْلَة بَاقٍ إِلَى الْيَوْم، لَعَلَّه الَّذِي قَاس بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وقلعه ابْن حنا. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَكَانَ ذَلِك قبل حريق الْمَسْجِد الشريف.
ذكر مِنْبَر النَّبِي ﷺ وروضته الشَّرِيفَة
عَن أبي حَازِم أَن نَفرا جَاءُوا إِلَى سهل بن سعد وَقد تماروا فِي الْمِنْبَر من أَي عود هُوَ؟ فَقَالَ: أما وَالله إِنِّي لأعرف من أَي عود هُوَ، وَمن عمله، وَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ أول يَوْم جلس عَلَيْهِ. فَقلت لَهُ: فحدثنا فَقَالَ: أرسل رَسُول الله ﷺ إِلَى امْرَأَة " انظري غلامك النجار يعْمل لي أعوادًا أحكم للنَّاس عَلَيْهَا " فَعمل هَذِه الثَّلَاث دَرَجَات، ثمَّ أَمر بهَا رَسُول الله ﷺ فَوضعت هَذَا الْموضع، وَهِي من طرفاء الغابة والطرفاء شجر يشبه الأثل إِلَّا أَن الأثل أعظم مِنْهُ. وَعَن جَابر بن عبد الله أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار قَالَت لرَسُول الله ﷺ: يَا رَسُول الله أَلا أجعَل لَك شَيْئا تقعد عَلَيْهِ فَإِن لي غُلَاما نجارًا. فَقَالَ: إِن شِئْت. فَعمل لَهُ الْمِنْبَر.
[ ٢٧٣ ]
وَعَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ لما بدن قَالَ لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ: أَلا أَتَّخِذ لَك منبرًا يَا رَسُول الله يجمع أَو يحمل عظامك. قَالَ: بلَى. قَالَ: فَاتخذ لَهُ منبرًا مرقاتين. وَعَن أبي الزِّنَاد أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخْطب فِي يَوْم الْجُمُعَة إِلَى جذع فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: إِن الْقيام قد يشق عَليّ وشكا ضعفا فِي رجلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ وَكَانَ من أهل فلسطين: يَا رَسُول الله أَنا أعمل لَك منبرًا كَمَا رَأَيْت يصنع بِالشَّام. قَالَ: فَلَمَّا اجْتمع رَسُول الله ﷺ وذوا الرَّأْي من أَصْحَابه على اتِّخَاذه، قَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب: إِن لي غُلَاما يُقَال لَهُ فلَان أعمل النَّاس، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: فمره يعْمل، فَأرْسل إِلَى اثلة بِالْغَابَةِ فقطعها ثمَّ عَملهَا دَرَجَتَيْنِ ومجلسًا، ثمَّ جَاءَ بالمنبر فَوَضعه فِي مَوْضِعه الْيَوْم ثمَّ رَاح رَسُول الله ﷺ يَوْم الْجُمُعَة، فَلَمَّا جَاوز الْجذع يُرِيد الْمِنْبَر حن الْجذع ثَلَاث مَرَّات كَأَنَّهُ خوار بقرة حَتَّى ارتاع النَّاس وَقَامَ بَعضهم على رجلَيْهِ، وَأَقْبل رَسُول الله حَتَّى مَسّه بِيَدِهِ فسكن، فَمَا سمع لَهُ صَوت بعد ذَلِك، ثمَّ رَجَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمِنْبَر فَقَامَ عَلَيْهِ. وَقد رُوِيَ أَن هَذَا الْغُلَام الَّذِي صنع الْمِنْبَر اسْمه مينا بياء سَاكِنة مثناة من أَسْفَل بعْدهَا نون. وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: عمله صباح غُلَام الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَذَلِكَ فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة اتَّخذهُ دَرَجَتَيْنِ ومقعدة. قَالَ ابْن أبي الزِّنَاد: كَانَ رَسُول الله ﷺ يجلس على الْمِنْبَر وَيَضَع رجلَيْهِ على الدرجَة الثَّانِيَة، فَلَمَّا ولي أَبُو بكر ﵁ قَامَ على الدرجَة الثَّانِيَة وَوضع رجلَيْهِ على الدرجَة الثَّالِثَة السُّفْلى، فَلَمَّا ولي عمر ﵁ قَامَ على الدرجَة السُّفْلى كَمَا فعل عمر ﵁ سِتّ سِنِين، ثمَّ علا فَجَلَسَ مَوضِع النَّبِي ﷺ وكسا الْمِنْبَر قبطية. ذكر الشَّيْخ محب الدّين عَن مُحَمَّد بن الْحسن بن زبالة قَالَ: كَانَ طول الْمِنْبَر مِنْبَر النَّبِي ﷺ الأول فِي السَّمَاء ذراعين وشبرًا وَثَلَاثَة أَصَابِع، وَعرضه ذِرَاع رَاجِح، وَطول صَدره وَهُوَ مُسْند إِلَى النَّبِي ﷺ ذِرَاع، وَطول رمانتي الْمِنْبَر اللَّتَيْنِ كَانَ يمسكهما ﷺ إِذا جلس يخْطب شبر وأصبعان، وَعرضه ذِرَاع فِي ذِرَاع وتربيعه سَوَاء، وَعدد دَرَجه ثَلَاث بالمقعد، وَفِيه خَمْسَة أَعْوَاد فِي جوانبه الثَّلَاث قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: هَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ وَفِي خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃، فَلَمَّا حج
[ ٢٧٤ ]
مُعَاوِيَة ﵁ فِي خِلَافَته كَسَاه قبطية ثمَّ كتب إِلَى مَرْوَان بن عبد الحكم وَهُوَ عَامله على الْمَدِينَة أَن ارْفَعْ الْمِنْبَر عَن الأَرْض، فَدَعَا لَهُ النجارين ورفعوه عَن الأَرْض وَزَادُوا من أَسْفَله سِتّ دَرَجَات، وَصَارَ الْمِنْبَر بِسبع دَرَجَات بِالْمَجْلِسِ. قَالَ ابْن زبالة: لم يزدْ فِيهِ أحد قبله وَلَا بعده. وَقَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: هَذَا فِي زمَان مُحَمَّد بن زبالة، وروى أَيْضا عَن ابْن زبالة أَن طول مِنْبَر النَّبِي ﷺ بِمَا زيد فِيهِ أَرْبَعَة أَذْرع وَمن أَسْفَله عتبَة، وَذكر ابْن زبالة أَيْضا أَن الْمهْدي بن الْمَنْصُور لما حج سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة قَالَ للْإِمَام مَالك بن أنس ﵀: أُرِيد أَن أُعِيد مِنْبَر النَّبِي ﷺ على حَاله الأول، فَقَالَ لَهُ مَالك: إِنَّمَا هُوَ من طرفاء وَقد شدّ إِلَى هَذِه العيدان وَسمر فَهِيَ ببركته حفت أَن تتهافت فَلَا أرى تَغْيِيره، فَتَركه الْمهْدي على حَاله، قيل: إِن الْمهْدي فرق فِي هَذِه الْحجَّة ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَمِائَة ألف وَخمسين ألف ثوب، وَحمل إِلَيْهِ الثَّلج من بَغْدَاد إِلَى مَكَّة وكسا الْبَيْت ثَلَاث كساوي بَيْضَاء وحمراء وسوداء توفّي بِمَاء سندان بِموضع يُقَال لَهُ الرَّد، فِي الْمحرم سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَذكر لي يَعْقُوب بن أبي بكر بن أوحد من أَوْلَاد المجاورين بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة وَكَانَ أَبوهُ أَبُو بكر فراشا من قوام الْمَسْجِد الشريف، وَهُوَ الَّذِي كَانَ حريق الْمَسْجِد على يَدَيْهِ وَاحْتَرَقَ هُوَ أَيْضا فِي حَاصِل الْحرم، إِن هَذَا الْمِنْبَر الَّذِي زَاده مُعَاوِيَة وَرفع مِنْبَر النَّبِي ﷺ وجد قد تهافت على طول الزَّمَان وَإِن بعض خلفاء بني الْعَبَّاس جدده وَاتَّخذُوا من بقايا أَعْوَاد مِنْبَر النَّبِي ﷺ أمشاطًا للتبرك بهَا، والمنبر الَّذِي ذكره ابْن النجار هُوَ الْمَذْكُور أَولا فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَارِيخه: وَطول الْمِنْبَر الْيَوْم ثَلَاثَة أَذْرع وشبر وَثَلَاثَة أَصَابِع، والدكة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا من رُخَام طولهَا شبر وَعقد، وَمن رَأسه إِلَى عتبته خَمْسَة أَذْرع وشبر وَأَرْبع أَصَابِع، وَقد زيد فِيهِ الْيَوْم عتبتان وَجعل عَلَيْهِ بَاب يفتح يَوْم الْجُمُعَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: فَدلَّ ذَلِك على أَن الْمِنْبَر الَّذِي احْتَرَقَ غير الْمِنْبَر الأول الَّذِي عمله مُعَاوِيَة وَرفع مِنْبَر النَّبِي ﷺ فَوْقه. قَالَ الْفَقِيه يَعْقُوب بن أبي بكر: سَمِعت ذَلِك مِمَّن أدْركْت بِأَن بعض الْخُلَفَاء جدد الْمِنْبَر وَاتخذ من بقايا أعواده أمشاطًا، وَإِن الْمِنْبَر المحترق هُوَ الَّذِي جدده الْخَلِيفَة الْمَذْكُور، وَهُوَ الَّذِي أدْركهُ الشَّيْخ محب الدّين قبل احتراق الْمَسْجِد الشريف، فَإِن الْحَافِظ محب الدّين كتب التَّارِيخ فِي سنة ثَلَاث
[ ٢٧٥ ]
وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة، وَكَانَ احتراق الْمَسْجِد لَيْلَة الْجُمُعَة أول رَمَضَان سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: ثمَّ إِن الْملك المظفر عمل منبرًا وأرسله فِي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة، وَنصب فِي مَوضِع مِنْبَر النَّبِي ﷺ رمانتاه من الصندل، وَلم يزل إِلَى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة عشر سِنِين يخْطب عَلَيْهِ، ثمَّ إِن الْملك الظَّاهِر أرسل هَذَا الْمِنْبَر الْمَوْجُود الْيَوْم فَحمل مِنْبَر صَاحب الْيمن إِلَى حَاصِل الْحرم وَهُوَ بَاقٍ فِيهِ وَنصب هَذَا مَكَانَهُ، وَطوله أَرْبَعَة أَذْرع، وَمن رَأسه إِلَى عتبته سَبْعَة أَذْرع يزِيد قَلِيلا، وَعدد درجاته سبع بالمقعد، وَالْمَنْقُول أَن مَا بَين الْمِنْبَر ومصلى رَسُول الله ﷺ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ إِلَى أَن توفّي ﷺ أَرْبَعَة عشر ذِرَاعا. وَأما الرَّوْضَة الشَّرِيفَة فَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل قَوْله ﷺ: " مَا بَين قَبْرِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة ". وَتقدم معنى الحَدِيث. وَفِي حَدِيث آخر: " مَا بَين حُجْرَتي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة ". وَفِي رِوَايَة: " مَا بَين بَيْتِي ومنبري ". قَالَ القَاضِي عِيَاض: قَالَ الطَّبَرِيّ: فِيهِ مَعْنيانِ؛ أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِالْبَيْتِ بَيت سكناهُ على الظَّاهِر مَعَ أَنه روى مَا يُبينهُ " مَا بَين حُجْرَتي ومنبري ". وَالثَّانِي: أَن الْبَيْت هَاهُنَا الْقَبْر، وَهُوَ قَول زيد بن أسلم فِي هَذَا الحَدِيث، كَمَا روى " مَا بَين قَبْرِي ومنبري " قَالَ الطَّبَرِيّ: وَإِذا كَانَ قَبره فِي بَيته اتّفقت مَعَاني الرِّوَايَات وَلم يكن بَينهَا خلاف؛ لِأَن قَبره ﷺ فِي حجرته وَهُوَ بَيته.
[ ٢٧٦ ]