ً تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل ذكر أَشْيَاء من آيَات الْكَعْبَة الشَّرِيفَة مجملة وَنَذْكُر جملَة الْآيَات هُنَا مفصلة. فَنَقُول: من آياتها: الْحجر الْأسود وَمَا روى فِيهِ " أَنه من الْجنَّة "، وَمَا أشربت قُلُوب الْعَالم من تَعْظِيمه قبل الْإِسْلَام. وَمِنْهَا: بَقَاء بنائها الْمَوْجُود الْآن وَلَا يبْقى هَذِه الْمدَّة غَيرهَا من الْبُنيان على مَا يذكرهُ المهندسون، وَإِنَّمَا بَقَاؤُهَا آيَة من آيَات الله تَعَالَى وَهَذَا مَعْلُوم ضَرُورَة؛ لِأَن الرِّيَاح والأمطار إِذا تَوَاتَرَتْ على مَكَان خرب، والكعبة المعظمة مَا زَالَت الرِّيَاح الْعَاصِفَة والأمطار الْعَظِيمَة تتوالى عَلَيْهَا مُنْذُ بنيت إِلَى تَارِيخه وَذَلِكَ سَبْعمِائة سنة وَتِسْعَة وَأَرْبَعُونَ سنة، وَلم يحدث فِيهَا بِحَمْد الله تَعَالَى تغير فِي بنائها وَلَا خلل، وَغَايَة مَا حدث فِيهَا انكسار فلقَة من الرُّكْن الْيَمَانِيّ وتحرك الْبَيْت مرَارًا وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة، كَمَا ذكره أَبُو شامة فِي " الذيل " وَذكر ابْن الْأَثِير والمؤيد صَاحب حماه فِي أَخْبَار سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة: أَن الرُّكْن الْيَمَانِيّ تضعضع فِيهَا. وَذكر صَاحب " الْمرْآة " أَن فِي سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة شعب الْبَيْت الْحَرَام. وَذكر أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: أَن فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة انْكَسَرت من الرُّكْن الْيَمَانِيّ فلقَة قدر إِصْبَع. وَلَا تزَال الْكَعْبَة الشَّرِيفَة بَاقِيَة إِلَى أَن يَأْتِي أَمر الله وقضاؤه بتخريب الحبشي لَهَا فِي آخر الزَّمَان. وَمِنْهَا: على مَا قَالَه الجاحظ: إِنَّه لَا يرى الْبَيْت الْحَرَام أحد مِمَّن لم يكن رَآهُ إِلَّا ضحك أَو بَكَى. وَمِنْهَا: وَقع هيبتها فِي الْقُلُوب. وَمِنْهَا: كف الْجَبَابِرَة عَنْهَا مدى الدَّهْر. وَمِنْهَا: إذعان نفوس الْعَرَب وَغَيرهم قاطبة لتوقير هَذِه الْبقْعَة دون ناه وَلَا زاجر ذكره ابْن عَطِيَّة. وَمِنْهَا: كَونهَا بواد غير ذِي زرع، والأرزاق من كل قطر تجئ إِلَيْهَا عَن قرب وَعَن بعد. وَمِنْهَا: الأمنة الثَّابِتَة فِيهَا على قديم الدَّهْر، وَأَن الْعَرَب كَانَت يُغير بَعْضهَا على بعض وَيُتَخَطَّف النَّاس بِالْقَتْلِ وَأخذ الْأَمْوَال وأنواع الظُّلم إِلَّا فِي الْحرم، وابتنى على هَذَا أَمن الْحَيَوَان فِيهِ وسلامة الشّجر، وَذَلِكَ كُله للبركة الَّتِي خصها الله بهَا وللدعوة من الْخَلِيل ﵇ فِي قَوْله: " اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا ". وَالْعرب تَقول: آمن من حمام مَكَّة. تضرب الْمثل بهَا فِي الْأَمْن؛ لِأَنَّهَا لَا تهاج
[ ١٦٥ ]
وَلَا تضَاد. وَحكى النقاش عَن بعض الْعباد قَالَ: كنت أَطُوف حول الْكَعْبَة لَيْلًا فَقلت: يَا رب إِنَّك قلت: " وَمن دخله كَانَ آمنا ". فمما ذَا هُوَ آمن يَا رب؟ فَسمِعت ملكا يكلمني وَهُوَ يَقُول: من النَّار. فَنَظَرت وتأملت فَمَا كَانَ فِي الْمَكَان أحد. وَمِنْهَا: حجر الْمقَام وَذَلِكَ أَنه قَامَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم ﵇ وَقت رَفعه الْقَوَاعِد من الْبَيْت لما طَال الْبناء، فَكلما علا الْجِدَار ارْتَفع الْحجر بِهِ فِي الْهوى، فَمَا زَالَ يَبْنِي وَهُوَ قَائِم عَلَيْهِ وَإِسْمَاعِيل يناوله الْحِجَارَة والطين حَتَّى أكمل الْجِدَار، ثمَّ إِن الله تَعَالَى لما أَرَادَ إبْقَاء ذَلِك آيَة للْعَالمين لين الْحجر فغرقت فِيهِ قدما إِبْرَاهِيم ﵇ كَأَنَّهَا فِي طين، فَذَلِك الْأَثر الْعَظِيم بَاقٍ فِي الْحجر إِلَى الْيَوْم، وَقد نقلت كَافَّة الْعَرَب ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة على مُرُور الْأَعْصَار كَذَا قَالَه ابْن عَطِيَّة. وَقَالَ أَبُو طَالب: وموطئ إِبْرَاهِيم فِي الصخر، " وَطئه " على قَدَمَيْهِ حافيًا غير ناعل. وَمَا حفظ أَن أحدا من النَّاس نَازع فِي هَذَا القَوْل. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: " فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم ": إِن فِي مقَام إِبْرَاهِيم آيَات كَثِيرَة وَهِي أثر قَدَمَيْهِ الشَّرِيفَة فِي الصَّخْرَة الصماء وإبداؤه دون سَائِر آيَات الْأَنْبِيَاء ﵈ وَحفظه مَعَ كَثْرَة أعدائه من الْمُشْركين أُلُوف سنة. انْتهى. وَمِنْهَا: أَن الْفرْقَة من الطير من الْحمام وَغَيره يقبل حَتَّى إِذا كَادَت أَن تبلغ الْكَعْبَة انفرقت فرْقَتَيْن، فَلم يعل ظهرهَا شَيْء مِنْهَا. ذكره الجاحظ وَأَبُو عبيد الْبكْرِيّ. وَذكر مكي أَن الطير لَا يعلوه وَإِن علاهُ طير فَإِنَّمَا ذَلِك لمَرض بِهِ فَهُوَ يستشفى بِالْبَيْتِ. انْتهى. وَأنْشد فِي ذَلِك: وَالطير لَا يَعْلُو على أَرْكَانهَا إِلَّا إِذا أضحى بهَا متألمًا وَقَالَ ابْن عَطِيَّة: وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيف، وَالطير يعاين أَنَّهَا تعلوه، وَقد علاهُ الْعقَاب
[ ١٦٦ ]
الَّذِي أَخذ الْحَيَّة المشرفة على جِدَاره وَتلك كَانَت من آيَاته. انْتهى. قَالَ التوربشتي فِي " شرح المصابيح ": وَلَقَد شاهدت من كَرَامَة الْبَيْت الْمُبَارك أَيَّام مجاورتي بِمَكَّة أَن الطير كَانَ لَا يمر فَوْقه، وَكنت كثيرا أتدبر تحليق الطير فِي ذَلِك الجو، فأجدها مجتنبة عَن محاذاة الْبَيْت، وَرُبمَا انْقَضتْ من الجو حَتَّى تدانت فطافت بِهِ مرَارًا ثمَّ ارْتَفَعت، ثمَّ قَالَ: وَمن آيَات الله الْبَيِّنَة فِي كَرَامَة الْبَيْت أَن حمامات الْحرم إِذا نهضت للطيران طافت حوله مرَارًا من غير أَن تعلوه، فَإِذا وقفت عَن الطيران وَقعت على شرفات الْمَسْجِد أَو على بعض الأسطحة الَّتِي حول الْمَسْجِد، وَلَا تقع على ظهر الْبَيْت مَعَ خلوها عَمَّا ينفرها، وَقد كُنَّا نرى الْحَمَامَة إِذا مَرضت وتساقط ريشها وتناثر ترْتَفع من الأَرْض حَتَّى إِذا دنت من ظهر الْبَيْت أَلْقَت بِنَفسِهَا على الْمِيزَاب أَو على طرف ركن من الْأَركان فَتبقى بِهِ زَمَانا طَويلا حائمة كَهَيئَةِ المتخشع لَا حراك فِيهَا ثمَّ تَنْصَرِف مِنْهَا بعد حِين من غير أَن تعلو شَيْئا من سقف الْبَيْت. قَالَ بعض حجابه: قد تدبرتها كرة بعد أُخْرَى فَلم تخْتَلف فِيهِ كَمَا قَالَ سواهُ: كَانَت الطير مَمْنُوعَة عَن استعلاء الْبَيْت بالطبع، فَلَا غرو أَن يكون الْإِنْسَان مَمْنُوعًا عَنهُ بِالشَّرْعِ كَرَامَة للبيت. انْتهى كَلَامه. وَمِنْهَا: أَن مِفْتَاح الْكَعْبَة إِذا وضع فِي فَم الصَّغِير الَّذِي ثقل لِسَانه عَن الْكَلَام يتَكَلَّم سَرِيعا بقدرة الله تَعَالَى ذكر ذَلِك الفاكهي، وَذكر أَن المكيين يَفْعَلُونَهُ. انْتهى. وَهُوَ يفعل فِي عصرنا هَذَا. وَمِنْهَا: أَنه لايجئ سيل من الْجَبَل فَيدْخل الْحرم، وَإِنَّمَا يخرج من الْحرم إِلَى الْحل، وَإِذا انْتهى سيل الْحل إِلَى الْحرم وقف وَلم يدْخل فِيهِ، وَلَا يدْخل الْحرم إِلَّا سيل الْحرم. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَلَا يسيل وَاد من الْحل فِي الْحرم إِلَّا من مَوضِع وَاحِد عِنْد التَّنْعِيم عِنْد بيُوت غفار.
[ ١٦٧ ]
وَمن آيَات الْبَيْت وَالْحرم: ائتلاف الظباء وَالسِّبَاع فِيهِ حَتَّى أَن الظبي يجْتَمع مَعَ الْكَلْب فِي الْحرم فَإِذا خرجا مِنْهُ تنافرًا. وَيتبع الْجَارِح للصَّيْد فِي الْحل فَإِذا دخل الْحرم تَركه ذكره الْقُرْطُبِيّ وَغَيره. وَقد تقدم فِي الْفَضَائِل أَن الْحيتَان الْكِبَار لم تَأْكُل الصغار زمن الطوفان فِي الْحرم تَعْظِيمًا لَهُ. وَمِنْهَا: فِيمَا ذكر النَّاس قَدِيما وحديثًا أَن الْمَطَر إِذا كَانَ نَاحيَة الرُّكْن الْيَمَانِيّ كَانَ الخصب بِالْيمن، وَإِذا كَانَ نَاحيَة الرُّكْن الشَّامي كَانَ الخصب بِالشَّام، وَإِذا هَبَط الْمَطَر من جوانبه الْأَرْبَع فِي الْعَام الْوَاحِد أخصبت آفَاق الأَرْض، وَإِن لم يصب جانبًا مِنْهُ لم يخصب ذَلِك الْأُفق الَّذِي يَلِيهِ فِي ذَلِك الْعَام ذكر ذَلِك الْقُرْطُبِيّ وَابْن عَطِيَّة وَغَيرهمَا. وَمِنْهَا: تَعْجِيل الانتقام لمن عتى فِيهِ. من ذَلِك قصَّة الرجل الَّذِي كَانَ فِي الطّواف فبرز لَهُ ساعد امْرَأَة، فَوضع ساعده على ساعدها متلذذًا بِهِ فلصق ساعداهما، وقصة إساف لما فجر بنائلة فِي الْبَيْت فمسخا حجرين. وقصة الْمَرْأَة الَّتِي جَاءَت إِلَى الْبَيْت تعوذ بِهِ من ظَالِم فَمد يَده إِلَيْهَا فَصَارَ أشل. وقصة الرجل الَّذِي سَالَتْ عينه على خُذْهُ من نظره إِلَى شخص فِي الطّواف استحسنه. وَقد تقدم كل ذَلِك فِي الرَّقَائِق، وَمن أعظم ذَلِك أَمر تبع. وَمَا جرى لأَصْحَاب الْفِيل وَرمى طير الله عَنهُ بحجارة السجيل، وَذَلِكَ أَمر لم يخْتَلف كَافَّة الْعَرَب فِي نَقله وَصِحَّته إِلَى أَن أنزلهُ الله فِي كِتَابه. وَمِنْهَا: أَن الْكَعْبَة تفتح بِحَضْرَة الجم الْغَفِير من النَّاس، فيدخلها الْجَمِيع متزاحمين فيسعهم بقدرة الله تَعَالَى، وَلم يعلم أَن أحدا مَاتَ فِيهَا من الزحام إِلَّا سنة إِحْدَى
[ ١٦٨ ]
وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة مَاتَ فِيهَا أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ نَفرا. قَالَ ابْن النقاش: والكعبة تسع ألف إِنْسَان وَإِذا انْفَتح الْبَاب فِي أَيَّام الْمَوْسِم دَخلهَا آلَاف كَثِيرَة. انْتهى. فعلى هَذَا الْكَعْبَة تتسع كَمَا ورد أَن منى تتسع كاتساع الرَّحِم وَهِي إِحْدَى آياتها الْمُتَقَدّمَة فِي بَاب الْفَضَائِل. وَالثَّانيَِة: إمحاق حَصى الْجمار على كَثْرَة الرَّمْي وَطول الزَّمَان. وَالثَّالِثَة: امْتنَاع تخطي الطير الدّور المشرفة بمنى على الجدران وَغَيرهَا وَهِي محروسة بحراسة الْقَادِر المقتدر. وَالرَّابِعَة: امْتنَاع وُقُوع الذُّبَاب على الطَّعَام فِي أَيَّام منى " على كل الزبل " وَنَحْوه مِمَّا يجمع الذُّبَاب فيحوم عَلَيْهِ فِي السَّمَاء وَلَا يَقع فِيهِ وَقد تقدم ذَلِك كُله فِي الْفَضَائِل وَمِنْهَا: أَن المَاء لم يعلها زمن الطوفان وَلكنه أَقَامَ حولهَا. وَمِنْهَا: طواف سفينة نوح بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَا ذكر ابْن الْجَوْزِيّ، وأطاف بِالْبَيْتِ أسبوعًا كَمَا ذكر الْقُرْطُبِيّ. وَذكر الثَّعْلَبِيّ فِي " العرائس ": أَنَّهَا طافت بِالْحرم أسبوعًا كَمَا تقدم ذَلِك فِي الْفَضَائِل. وَمِنْهَا: أَن جبال مَكَّة متماثلة برؤوسها كالسجود للكعبة يرى هَذَا من يسير قَالَه ابْن النقاش. قَالَ: وفوقها جبال من ذهب وَفِضة وكنوز وجواهر وَرُبمَا يكْشف عَن بَعْضهَا. وَمِنْهَا: على مَا قَالَ ابْن النقاش أَيْضا: إِن الْكَعْبَة تزاد فِي طولهَا فِي أَوْقَات الصَّلَوَات وَنصف اللَّيْل وليالي الأعياد، وَيَوْم عَرَفَة يعْطى النَّاس نور، قَالَ: ويخيل للْوَاحِد إِذا كَانَ فَوْقهَا كَأَنَّهُ فَوق الْعَالم كُله وَأَنه قريب من السَّمَاء، قَالَ: وَتَحْت الْقَوَاعِد مجمرة من النُّور كشف عَنْهَا مرّة فسطع النُّور فِي الْحرم، قَالَ: وَتَحْت الْحرم مجوف، قَالَ: وَالطّيب بِمَكَّة أطيب مِنْهُ فِي سَائِر الْآفَاق، وظلال مَكَّة أطيب من سَائِر الظلال، والبركات فِيهَا أَعم وَأشيع وتجئ إِلَيْهَا ثَمَرَات كل شَيْء، قَالَ: والبدر لَيْلَة أَرْبَعَة عشر
[ ١٦٩ ]
لَيْسَ فِيهِ سَواد أحسن مَا يكون وَفِيه كِتَابَة ببياض، وَالشَّمْس يَوْم عَرَفَة من جدد النّظر إِلَيْهَا رأى لَهَا نورا آخر وفيهَا كِتَابَة بَيْضَاء. انْتهى كَلَامه. وَيذكر أَن الشَّمْس مَكْتُوب فِيهَا وَلَا يظْلمُونَ وَفِي الْقَمَر فتيلًا، أما مَا هُوَ مَكْتُوب فِي الْقَمَر فمشاهد محسوس لمن تَأمله. وَمِنْهَا على مَا ذكره ابْن عَطِيَّة: زَمْزَم فِي نبعها لهاجر بهمز جِبْرِيل ﵇ بعقبه، وَفِي حفر عبد الْمطلب لَهَا آخرا بِعَدَد ثورها بِتِلْكَ الرُّؤْيَا الْمَشْهُورَة وَمَا نبع من المَاء تَحت خف نَاقَته فِي سَفَره إِلَى مناقرة قُرَيْش ومخاصمتها فِي أَمر زَمْزَم، كَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق مستوعبًا وقدمناه. وَمِنْهَا: على مَا ذكره ابْن عَطِيَّة أَيْضا: نفع مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ، وَأَنه يعظم مَاؤُهَا فِي الْمَوْسِم وَيكثر كَثْرَة خارقة لعادة الْآبَار. وَمن الْآيَات مَا رُوِيَ: أَن الْحجَّاج بن يُوسُف نصب المنجنيق على جبل أبي قبيس بِالْحِجَارَةِ والنيران فاشتعلت أَسْتَار الْكَعْبَة بالنَّار فَجَاءَت سَحَابَة من نَحْو جدة يسمع فِيهَا الرَّعْد وَيرى الْبَرْق، فمطرت فجاوز مطرها الْكَعْبَة والمطاف، فأطفأت النَّار وَأرْسل الله عَلَيْهِم صَاعِقَة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه. قَالَ عِكْرِمَة: وأحسب أَنَّهَا أحرقت تَحْتَهُ أَرْبَعَة رجال. فَقَالَ الْحجَّاج: لَا يهولنكم هَذَا فَإِنَّهَا أَرض صواعق. فَأرْسل الله صَاعِقَة أُخْرَى فأحرقت المنجنيق وأحرقت مَعَه أَرْبَعِينَ رجلا وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين فِي أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان، وَفِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة دَامَ الْقِتَال أشهر إِلَى أَن قتل عبد الله بن الزبير بن الْعَوام أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي جنادى الأولى وطيف بِرَأْسِهِ فِي مصر وَغَيرهَا وَقتل مَعَه جمَاعَة، وَتوفيت أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق ذَات النطاقين أم ابْن الزبير بعد مصابه بِيَسِير، وفيهَا استوثق الْأَمر لعبد الْملك بن مَرْوَان، وَولى الْحجَّاج أَمر الْحجاز فنقض بعض الْكَعْبَة وأعادها إِلَى بنائها فِي زمن النَّبِي ﷺ وَكَانَت قد تشعبت من المنجنيق، وأصي الْحجر الْأسود وأصلحوه ورفعوه، وَتُوفِّي الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي فِي لَيْلَة مباركة على الْأمة لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان وَله خمس وَخَمْسُونَ أَو دونهَا، وَكَانَ شجاعًا مقدامًا مهيبًا ذَا هَيْبَة، فصيحًا بليغًا، سفاكًا للدماء، ولى الْحجاز وَالْعراق عشْرين سنة. وَفِي " جَامع الْأُصُول " قَالَ هِشَام بن حسان: أحصى من قتل الْحجَّاج صبرا فَوجدَ مائَة ألف وَعشْرين ألفا. أخرجه
[ ١٧٠ ]
التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن أَبَا طَالب قَالَ فِي الْجَاهِلِيَّة لقرشي قتل هاشميًا خطأ وَأنكر قَتله: اختر منا إِحْدَى ثَلَاث؛ إِن شِئْت أَن تُؤدِّي مائَة من الْإِبِل، وَإِن شِئْت حلف خَمْسُونَ من قَوْمك أَنَّك لم تقتله، فَإِن أَبيت قتلناك بِهِ. قَالَ: فَأَتَاهُ قومه فَذكر لَهُم ذَلِك فَقَالُوا: نحلف. فَأَتَتْهُ امْرَأَة من بني هَاشم كَانَت تَحت رجل مِنْهُم قد ولدت لَهُ فَقَالَت: يَا أَبَا طَالب أحب أَن أتخير ابْني هَذَا وَلَا تصير يَمِينه، حَيْثُ تصير الْأَيْمَان يَعْنِي الْموضع الَّذِي كَانُوا يحلفُونَ فِيهِ، وَهُوَ حطيم الْكَعْبَة مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام وزمزم وَالْحجر؛ لِأَن النَّاس كَانُوا يحطمون هُنَاكَ بالأيمان ويستجاب فِيهِ الدُّعَاء على الظَّالِم للمظلوم، فَقل من دَعَا هُنَالك على ظَالِم إِلَّا أهلك، وَقل من حلف هُنَالك إِثْمًا إِلَّا عجلت لَهُ الْعقُوبَة. فَكَانَ ذَلِك يحجز النَّاس عَن الظُّلم ويتهيب النَّاس الْأَيْمَان هُنَاكَ، فَلم يزل ذَلِك كَذَلِك حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ فَأخر الله ذَلِك؛ لما أَرَادَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَفعل أَبُو طَالب ذَلِك وَأَتَاهُ رجل مِنْهُم فَقَالَ: يَا أَبَا طَالب هَذَانِ بعيران فاقبلهما عني، وَلَا تصير يَمِيني حَيْثُ تصير الْأَيْمَان فقبلهما وجاءه ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ رجلا فَحَلَفُوا. قَالَ ابْن عَبَّاس: فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا حَال الْحول وَمن الثَّمَانِية وَالْأَرْبَعِينَ عين تطرف. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِن ذَلِك أول قسَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت. وَيُقَال: أول من بغى من قُرَيْش بِمَكَّة فأهلكهم الْبَغي بَنو الشيبان بن عدي بن قصي. ويروى أَن خمسين رجلا من بني عَامر بن لؤَي حلفوا فِي الْجَاهِلِيَّة عِنْد الْبَيْت على قسَامَة وحلفوا على بَاطِل ثمَّ خَرجُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض الطَّرِيق نزلُوا تَحت صَخْرَة، فَبَيْنَمَا هم قَائِلُونَ إِذْ أَقبلت الصَّخْرَة عَلَيْهِم فَخَرجُوا من تحتهَا يَشْتَدُّونَ، فانفلقت خمسين فلقَة فأدركت كل فلقَة رجلا فَقتلته. ويروى أَن عمر بن الْخطاب ﵁ سَأَلَ رجلا من بني سليم عَن ذهَاب بَصَره فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كُنَّا بني ضبعاء عشرَة وَكَانَ لنا ابْن عَم فَكُنَّا نظلمه ونضطهده، فَكَانَ يذكرنَا بِاللَّه وَالرحم أَن لَا نظلمه، وَكُنَّا أهل جَاهِلِيَّة نركب كل الْأُمُور فَلَمَّا رآنا ابْن عمنَا لَا نكف عَنهُ وَلَا نرد ظلامته أمْهل حَتَّى إِذا دخلت الْأَشْهر الْحرم انْتهى إِلَى الْحرم، فَجعل يرفع يَدَيْهِ إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَيَقُول: لَا هم أَدْعُوك دُعَاء جاهدًا اقْتُل بني الضبعاء إِلَّا وَاحِدًا
[ ١٧١ ]
ثمَّ اضْرِب الرجل فارمه قَاعِدا أعمى إِذا مَا قيد عني القائدا فَمَاتَ إخْوَة لي تِسْعَة فِي تِسْعَة أشهر فِي كل شهر وَاحِد، فَبَقيت أَنا فعميت وَلَيْسَ يلائمني قَائِد وَرمى الله فِي رجْلي. فَقَالَ عمر: سُبْحَانَ الله إِن هَذَا هُوَ الْعجب. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: سَمِعت عمر يسْأَل ابْن عمهم الَّذِي دَعَا عَلَيْهِم قَالَ: دَعَوْت عَلَيْهِم ليَالِي رَجَب الشَّهْر كُله بِهَذَا الدُّعَاء فأهلكوا فِي تِسْعَة اشهر وَأصَاب الْبَاقِي مَا أَصَابَهُ. وروى عَن حويطب بن عبد الْعُزَّى أَنه قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فِي الْكَعْبَة حلق أَمْثَال لجم البهم يدْخل الْخَائِف يَده فِيهَا فَلَا يرِيبهُ أحد، فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم ذهب خَائِف ليدْخل يَده فِيهَا فاجتذبه رجل فشلت يَمِينه فأدركه الْإِسْلَام وَإنَّهُ لأشل. وَعَن عبد الْمطلب بن ربيعَة بن الْحَارِث قَالَ: عدا رجل من بني كنَانَة من هُذَيْل فِي الْجَاهِلِيَّة على ابْن عَم لَهُ بمظلمة واضطهده، فَنَاشَدَهُ بِاللَّه وبالرحم فَعظم عَلَيْهِ فَأبى إِلَّا ظلمه، فَقَالَ: وَالله لألحقن بحرم الله والشهر الْحَرَام فلأدعون الله عَلَيْك، فَقَالَ لَهُ بِزَعْمِهِ مستهزءًا بِهِ: هَذِه نَاقَتي فُلَانَة فَأَنا أقعدك على ظهرهَا فَاذْهَبْ فاجتهد. قَالَ: فَأعْطَاهُ نَاقَته وَخرج حَتَّى جَاءَ الْحرم فِي الشَّهْر الْحَرَام فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوك جَاهد مُضْطَر على فلَان ابْن عمي لترميه بداء لَا دَوَاء لَهُ. قَالَ: ثمَّ انْصَرف فَوجدَ ابْن عَمه قد رمي فِي بَطْنه فَصَارَ مثل الزق فَمَا زَالَ ينتفخ حَتَّى انْشَقَّ. قَالَ عبد الْمطلب: فَحدثت هَذَا الحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَالَ: أَنا رَأَيْت رجلا دَعَا على ابْن عَمه بالعمى فرأيته يُقَاد أعمى. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دَعَا رجل على ابْن عَم لَهُ استاق ذودًا لَهُ فَخرج فَطَلَبه حَتَّى أَصَابَهُ فِي الْحرم، فَقَالَ: ذودي. فَقَالَ اللص: كذبت لَيْسَ الذود لَك. فَقيل لَهُ: لَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ. فَقَامَ رب الذود بَين الرُّكْن وَالْمقَام باسطًا يَدَيْهِ يَدْعُو على صَاحبه، فَمَا برح من مقَامه يَدْعُو عَلَيْهِ حَتَّى دله، فَذهب عقله وَجعل يَصِيح بِمَكَّة مَالِي وللذود مَالِي
[ ١٧٢ ]
وَلفُلَان رب الذود، فَبلغ ذَلِك عبد الْمطلب فَجمع ذوده وَدفعهَا إِلَى الْمَظْلُوم فَخرج بهَا وَبَقِي الآخر مدلهًا حَتَّى وَقع من جبل فتردى فأكلته السبَاع. وروى الْوَاقِدِيّ عَن أَيُّوب بن مُوسَى: أَن امْرَأَة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة مَعهَا ابْن عَم لَهَا صَغِير فَكَانَت تخرج فتكسب عَلَيْهِ ثمَّ تَأتي فتطعمه من كسبها، فَقَالَت لَهُ: يَا بني إِنِّي أغيب عَنْك وَإِنِّي أَخَاف أَن يظلمك ظَالِم، فَإِن جَاءَك ظَالِم بعدِي فَإِن لله تَعَالَى بِمَكَّة بَيْتا لَا يشبه شَيْئا من الْبيُوت وَلَا يُقَارِبه مُفسد وَعَلِيهِ ثِيَاب، فَإِن ظلمك ظَالِم يَوْمًا فعذ بِهِ فَإِن لَهُ رَبًّا سيمنعك. قَالَ: فَجَاءَهُ رجل فَذهب بِهِ فاسترقه قَالَ: وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يعمرون أنعامهم فأعمر سَيّده ظَهره، فَلَمَّا رأى الْغُلَام الْبَيْت عرف الصّفة، فَنزل يشْتَد حَتَّى تعلق بِالْبَيْتِ، وَجَاء سَيّده فَمد يَده إِلَيْهِ فيبست، فاستفتى فِي الْجَاهِلِيَّة فَأفْتى بِأَن ينْحَر عَن كل وَاحِدَة من يَدَيْهِ بَدَنَة فَفعل فأطلقت لَهُ يَدَاهُ، وَنزل الْغُلَام وخلى سَبيله. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ عمر بن الْخطاب وَذكر مَا كَانَ يُعَاقب بِهِ من حلف على ظلم فَقَالَ: إِن النَّاس الْيَوْم ليركبون مَا هُوَ أعظم من هَذَا، وَلَا تعجل لَهُم الْعقُوبَة مثل مَا كَانَت لأولئك فَمَا ترَوْنَ ذَلِك، فَقَالُوا: أَنْت أعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: إِن الله ﷿ جعل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذْ لَا دين حُرْمَة حرمهَا وعظمها وشرفها، وَعجل الْعقُوبَة لمن اسْتحلَّ شَيْئا مِمَّا حرم لِيَنْتَهُوا عَن الظُّلم مَخَافَة تَعْجِيل الْعقُوبَة، فَلَمَّا بعث الله تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ توعدهم فِيمَا انتهكوا مِمَّا حرم بالساعة فَقَالَ: " والساعة أدهى وَأمر ". فَأخر الْعقَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَعَن طَاوُوس قَالَ: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يصنعون فِي الْحرم شَيْئا إِلَّا عجل لَهُم ثمَّ قد كَانَ من أَمر قد رَأَيْتُمْ يُوشك أَن لَا يُصِيب أحد مِنْهُم شَيْئا إِلَّا عجل لَهُ حَتَّى لَو عَادَتْ بِهِ أمه سَوْدَاء لم يعرض لَهَا أحد. وَمن الْآيَات مَا روى عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الله بن عَامر بن كرز: أَنه قدم مَعَ جدته أم عبد الله بن عَامر معتمرة فَدخلت عَلَيْهَا صَفِيَّة بنت شيبَة فأكرمتها وأجازتها، فَقَالَت صَفِيَّة: مَا أدرى مَا أكْرم بِهِ هَذِه الْمَرْأَة أما دنياهم فعظيمة، فَنَظَرت حَصَاة مِمَّا كَانَ
[ ١٧٣ ]
ينْقد من الرُّكْن الْأسود حِين أَصَابَهُ الْحَرِيق فجعلتها لَهَا فِي حق ثمَّ قَالَ لَهَا: انظري هَذِه الْحَصَاة فَإِنَّهَا حَصَاة من الرُّكْن الْأسود فاغليها للمرضى، فَإِنِّي أَرْجُو أَن يَجْعَل الله سُبْحَانَهُ لَهُم فِيهَا الشِّفَاء فَخرجت فِي أَصْحَابهَا، فَلَمَّا خرجت من الْحرم وَنزلت فِي بعض الْمنَازل صرع أَصْحَابهَا فَلم يبْق مِنْهُم أحد إِلَّا أَخَذته الْحمى، فَقَامَتْ وصلت ودعت رَبهَا ﷿ ثمَّ التفتت إِلَيْهِم، وَقَالَت: وَيحكم انْظُرُوا مَاذَا خَرجْتُمْ بِهِ من الْحرم؟ فَمَاذَا الَّذِي أَصَابَكُم إِلَّا بذنب؟ قَالُوا: مَا نعلم خرجنَا من الْحرم بِشَيْء. قَالَ: قَالَت لَهُم: أَنا صَاحِبَة الذَّنب انْظُرُوا أمثلكم حَيَاة وحركة. قَالَ: فَقَالُوا: لَا نعلم أحدا منا أمثل من عبد الْأَعْلَى. قَالَت: فشدوا لَهُ رَحْله. فَفَعَلُوا ثمَّ دَعَتْهُ فَقَالَت: خُذ هَذِه الْحَصَاة الَّتِي فِي هَذَا الْحق، فَاذْهَبْ بهَا إِلَى أُخْتِي صَفِيَّة بنت شيبَة فَقل لَهَا: إِن الله ﵎ وضع فِي حرمه وأمنه أمرا لم يكن لأحد أَن يُخرجهُ من حَيْثُ وَضعه، فخرجنا بِهَذِهِ الْحَصَاة فأصابتنا فِيهَا بلية عَظِيمَة فصرع أَصْحَابنَا كلهم، فإياك أَن تخرجيها من حرم الله ﷿. قَالَ عبد الْأَعْلَى: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دخلت الْحرم فَجعلنَا نبعث رجلا رجلا. وَمِنْهَا: أَن الْكَعْبَة مُنْذُ خلقهَا الله تَعَالَى مَا خلت من الطَّائِف يطوف بهَا من جن أَو إنس أَو ملك أَو طَائِر كَمَا تقدم فِي الْفَضَائِل، وَتقدم فِيهِ قَضِيَّة الْحَيَّة الَّتِي رئيت طَائِفَة بِالْبَيْتِ، وَكَذَلِكَ الْجمل طَاف بِهِ يَوْم قتل ابْن الزبير. وَعَن أبي الطُّفَيْل قَالَ: كَانَت امْرَأَة من الْجِنّ فِي الْجَاهِلِيَّة تسكن ذَا طوى، وَكَانَ لَهَا ابْن وَلم يكن لَهَا ولد غَيره وَكَانَت تحبه حبا شَدِيدا، وَكَانَ شريفًا فِي قومه، فَتزَوج وأتى زَوجته فَلَمَّا كَانَ يَوْم سابعه قَالَ لأمه: إِنِّي أحب أَن أَطُوف بِالْكَعْبَةِ سبعا نَهَارا. قَالَت لَهُ: أَي بني إِنِّي أَخَاف عَلَيْك سُفَهَاء قُرَيْش. فَقَالَ: أَرْجُو السَّلامَة. فَأَذنت لَهُ فولى فِي صُورَة جَان، فَلَمَّا أدبر جعلت تعوذه وَتقول: أُعِيذهُ بِالْكَعْبَةِ المستورة، ودعوات ابْن أبي مَحْذُورَة، وَمَا تَلا مُحَمَّد من سُورَة، إِنِّي إِلَى حَيَاته فقيرة، وإنني بعيشه مسرورة. فَمضى الجان نَحْو الطّواف فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا وَصلى خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أقبل منقلبًا حَتَّى إِذا كَانَ بِبَعْض دور بني سهم، عرض لَهُ شَاب من بني سهم أَحْمَر أَزْرَق أَحول أعْسر فَقتله، فثارت بِمَكَّة غبرة حَتَّى لم تَرَ الْجبَال، قَالَ أَبُو الطُّفَيْل: وبلغنا أَنه إِنَّمَا تثور تِلْكَ الغبرة عِنْد موت عَظِيم من الجان قَالَ: فَأصْبح من بني سهم موتى كَثِيرَة من قَتْلَى الْجِنّ فَكَانَ فيهم سَبْعُونَ شَيخا أصلع سوى " الشَّاب ". قَالَ: فَنَهَضت بَنو سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدهم فَرَكبُوا الْجبَال والشعاب بالثنية، فَمَا تركُوا حَيَّة وَلَا عقربًا وَلَا شَيْئا
[ ١٧٤ ]
يدب من الْهَوَام على وَجه الأَرْض إِلَّا قَتَلُوهُ، فأقاموا على ذَلِك ثَلَاثًا فَسَمِعُوا فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة على أبي قبيس هاتفًا يَهْتِف بِصَوْت جَهورِي يسمع بِهِ من بَين الجبلين: يَا معشر قُرَيْش الله الله فَإِن لكم أحلامًا وعقولًا، اعذرونا من بني سهم فقد قتلوا منا أَضْعَاف مَا قتلنَا مِنْهُم، ادخُلُوا بَيْننَا وَبينهمْ بِالصُّلْحِ، نعطهم ويعطونا الْعَهْد والميثاق أَن لَا يعود بَعْضنَا لبَعض بِسوء أبدا، فَفعلت قُرَيْش ذَلِك واستوثقوا للْبَعْض من الْبَعْض فسميت بَنو سهم " الغياطلة " قتلة الْجِنّ. وَعَن مُحَمَّد بن هِشَام السَّهْمِي قَالَ: كنت بِمَال لي أجد بِهِ نخلا وَبَين يَدي جَارِيَة لي فارهة، فصرعت قدامى فَقلت لبَعض خدمنا: هَل رَأَيْت هَذَا مِنْهَا قبل هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فوقفت عَلَيْهَا فَقلت: يَا معشر الْجِنّ أَنا رجل من بني سهم، وَقد علمْتُم مَا كَانَ بَيْننَا فِي الْجَاهِلِيَّة من الْحَرْب، وَمَا صرنا إِلَيْهِ من الصُّلْح والعهد والميثاق أَن لَا يغدر بَعْضنَا بِبَعْض، فَإِن وفيتم وَفينَا وَإِن غدرتم غدرنا إِلَى مَا تعرفُون. قَالَ: فأفاقت الْجَارِيَة وَرفعت رَأسهَا فَمَا عيد إِلَيْهَا بمكروه حَتَّى مَاتَت. وروى أَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ فِي جمَاعَة جالسين بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بَعْدَمَا ارْتَفع النَّهَار وقلصت الأفياء، وَإِذا هم ببريق أيم دخل من بَاب بني شيبَة فاشرأبت أَعينهم إِلَيْهِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا وَصلى رَكْعَتَيْنِ وَرَاء الْمقَام فقمنا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: أَلا أَيهَا الْمُعْتَمِر قد قضى الله نسكك وَإِن بأرضنا عبيدا وسفهاء وَإِنَّا نخشى عَلَيْك مِنْهُم، فكوم بِرَأْسِهِ كومة بطحاء فَوضع ذَنبه عَلَيْهَا فسما فِي السَّمَاء حَتَّى غَابَ فَمَا يرى. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ: الأيم الْحَيَّة الذّكر. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: جَاءَ طَائِر من نَاحيَة أجياد الصَّغِير لَونه لون الْحبرَة بريشة حَمْرَاء وريشة سَوْدَاء، دَقِيق السَّاقَيْن طويلهما لَهُ عنق طَوِيلَة رَقِيق المنقار طويله، كَأَنَّهُ من طير الْبَحْر يَوْم السبت يَوْم سبع وَعشْرين من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ حِين طلعت الشَّمْس، وَالنَّاس إِذْ ذَاك فِي الطّواف كثير من الحاد وَغَيرهم، فَوَقع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام قَرِيبا من مِصْبَاح زَمْزَم مُقَابل الرُّكْن الْأسود سَاعَة طَوِيلَة، ثمَّ طَار حَتَّى صدم الْكَعْبَة فِي نَحْو صدرها بَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْأسود وَهُوَ إِلَى الرُّكْن الْأسود أقرب، ثمَّ
[ ١٧٥ ]
وَقع على منْكب رجل محرم من الْحَاج من أهل خُرَاسَان فِي الطّواف عِنْد الرُّكْن الْأسود، فَطَافَ الرجل بِهِ أسابيع وَعَيناهُ تدمعان على خديه، والطائر على مَنْكِبه الْأَيْمن، وَالنَّاس يدنون مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ سَاكن غير متوحش مِنْهُم، ثمَّ طَار من قبل نَفسه حَتَّى وَقع على يَمِين الْمقَام سَاعَة طَوِيلَة وَهُوَ يمد عُنُقه ويقبضها إِلَى جنَاحه، فَأقبل فَتى من الحجبة فَضرب بِيَدِهِ فِيهِ فَأَخذه؛ ليريه رجلا مِنْهُم كَانَ يرْكَع خلف الْمقَام فصاح الطير فِي يَده أَشد الصياح وأوحشه لَا يشبه صَوته أصوات الطير فَفَزعَ مِنْهُ، فَأرْسلهُ من يَده فطار حَتَّى وَقع بَين يَدي دَار الندوة، ثمَّ طَار من قبل نَفسه فَخرج من بَاب الْمَسْجِد الَّذِي بَين دَار الندوة وَبَين دَار العجلة نَحْو قعيقعان. ويروى أَنه أقبل طائران فِي الْجَاهِلِيَّة كَأَنَّهُمَا نعامتان يسيران كل يَوْم ميلًا أَو يزيدان حَتَّى أَتَيَا مَكَّة فوقعا على الْكَعْبَة، فَكَانَت قُرَيْش تطعمهما وتسقيهما فَإِذا خف الطّواف من النَّاس نزلا فدنيا حول الْكَعْبَة حَتَّى إِذا اجْتمع النَّاس طارا فوقعا على الْكَعْبَة فمكثا كَذَلِك شهرا وَنَحْوه ثمَّ ذَهَبا. وَمن آيَات الْحجر الْأسود: أَنه أزيل عَن مَكَانَهُ غير مرّة ثمَّ رده الله إِلَيْهِ، وَوَقع ذَلِك من جرهم وإياد والعماليق وخزاعة والقرامطة كَذَا ذكر عز الدّين بن جمَاعَة، وَلم أر مَا ذكره عَن العماليق، وَآخر من أزاله عَن مَوْضِعه أَبُو طَاهِر سُلَيْمَان بن الْحسن القرمطي يَوْم التَّرويَة سنة سبع عشرَة وثلاثمائة لما سَنذكرُهُ بعده. وَاعْلَم أَن ابْتِدَاء خُرُوج القرامطة كَانَ سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة، وَكَانَ أَبُو طَاهِر سُلَيْمَان بن الْحسن القرمطي رئيسهم فَدخل الْبَصْرَة فِي اللَّيْل فِي ألف وَسَبْعمائة فَارس، نصبوا السلاليم على السُّور ونزلوا فوضعوا السَّيْف فِي الْبَلَد وأحرقوا الْجَامِع، وهرب خلق إِلَى المَاء فَغَرقُوا وَسبوا الْحَرِيم، وَالله الْمُسْتَعَان.
[ ١٧٦ ]
وَفِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة فِي الْمحرم عَارض ركب الْعِرَاقِيّ وَمَعَهُ ألف فَارس وَألف راجل فوضعوا السَّيْف، واستباحوا الحجيج وَسَاقُوا الْجمال بالأموال والحريم، وَهلك النَّاس جوعا وعطشًا، وَنَجَا من نجا بِأَسْوَأ حَال، وَوَقع النوح والبكاء بِبَغْدَاد وَغَيرهَا، وَامْتنع النَّاس من الصَّلَوَات فِي الْمَسَاجِد، وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة سَار الركب الْعِرَاقِيّ وَمَعَهُمْ ألف فَارس فاعترضهم القرمطي وناوشهم الْقِتَال فَردُّوا النَّاس، وَلم يحجوا وَنزل القرمطي على الْكُوفَة فقاتلوه فغلب على الْبَلَد فنهبه، وَفِي سنة أَربع عشرَة لم يحجّ أحد من الْعرَاق خوفًا من القرامطة ونزح أهل مَكَّة عَنْهَا خوفًا مِنْهُم. وَفِي سنة سبع عشرَة وثلاثمائة حج بِالنَّاسِ مَنْصُور الديلمي ودخلوا مَكَّة سَالِمين، فوافاهم يَوْم التَّرويَة عَدو الله أَبُو طَاهِر القرمطي فَقتل الْحجَّاج قتلا ذريعًا فِي الْمَسْجِد وَفِي فجاج مَكَّة، وَقتل أَمِير مَكَّة ابْن محَارب، وَقلع بَاب الْكَعْبَة، واقتلع الْحجر الْأسود وَأَخذه إِلَى هجر، وَكَانَ مَعَه تِسْعمائَة نفس فَقتلُوا فِي الْمَسْجِد ألفا وَسَبْعمائة، وَصعد على بَاب الْبَيْت وَصَاح: أَنا بِاللَّه وَبِاللَّهِ أَنا يخلق الْخلق وأفنيهم أَنا وَقيل: إِن الَّذِي قتل بفجاج مَكَّة وظاهرها زهاء ثَلَاثِينَ ألفا وسبى من النِّسَاء وَالصبيان نَحْو ذَلِك، وَأقَام بِمَكَّة سِتَّة أَيَّام وَلم يحجّ أحد. وَقَالَ مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ: دخل قرمطي وَهُوَ سَكرَان فصفر لفرسه فَبَال عِنْد الْبَيْت، وَقتل جمَاعَة، وَضرب الْحجر الْأسود بدبوس فَكسر مِنْهُ، ثمَّ قلعه وَبَقِي الْحجر الْأسود بهجر نيفًا وَعشْرين سنة، وَدفع لَهُم فِيهِ خَمْسُونَ ألف دِينَار فَأَبَوا هَكَذَا ذكر الذَّهَبِيّ فِي " العبر ". وَذكر غَيره: أَنه لما دخل مَكَّة فِي هَذِه السّنة سفك الدِّمَاء حَتَّى سَالَ بهَا الْوَادي، ثمَّ رمى بعض الْقَتْلَى فِي زَمْزَم وملأها مِنْهُم، وأصعد رجلا ليقلع الْمِيزَاب فتردى على رَأسه وَمَات، ثمَّ انْصَرف وَمَعَهُ الْحجر الْأسود وعلقه على الاسطوانة السَّابِعَة من جَامع الْكُوفَة، يعْتَقد أَن الْحَج ينْتَقل إِلَيْهَا، وَاشْتَرَاهُ مِنْهُ الْمُطِيع لله أَبُو الْقَاسِم. وَقيل: أَبُو الْعَبَّاس الْفضل بن المقتدر بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وأعيد إِلَى مَكَانَهُ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة، وَبَقِي عِنْدهم اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا شهرا. هَكَذَا ذكر عز الدّين بن جمَاعَة
[ ١٧٧ ]
أَن الْمُطِيع اشْتَرَاهُ من أبي طَاهِر القرمطي وَفِيه نظر؛ لِأَن أَبَا طَاهِر مَاتَ قبل خلَافَة الْمُطِيع فِي سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة بهجر من جدري هلكه فَلَا رحم الله مِنْهُ مغرز إبرة على مَا ذكره ابْن الْأَثِير وَغَيره. وَلما أَخذه القرمطي هلك تَحْتَهُ أَرْبَعُونَ جملا وَلما حمل أُعِيد إِلَى مَكَانَهُ حمل على قعُود أعجف فسمن تَحْتَهُ. قَالَ المسبحي: كَانَت مُدَّة كينونة الْحجر الْأسود عِنْد القرمطي وَأَصْحَابه اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام. وَفِي كتاب " السّير " من شرح الطَّحَاوِيّ لأبي بكر الرَّازِيّ: اسْتِحْقَاق الْقَتْل لَا يَزُول عَن القرامطة المتسمية بالباطنية لعنهم الله بزعمهم أَنهم مقرون بِكَلِمَة التَّوْحِيد والنبوة؛ لأَنهم ينقضون ذَلِك للْحَال بقَوْلهمْ: إِن للشريعة بَاطِنا مرَادا غير مَا نقلته الْأمة، وَكَذَلِكَ أشباههم من معاير الْمُلْحِدِينَ. انْتهى. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي " العبر " فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبَعمِائَة: تقدم بعض الباطنية من الْبَصرِيين فَضرب الْحجر الْأسود بدبوس فَقَتَلُوهُ فِي الْحَال. قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الْعلوِي: قَامَ فَضرب الْحجر ثَلَاث ضربات. قَالَ: إِلَى مَتى يعبد الْحجر؟ وَلَا مُحَمَّد وَلَا عَليّ فيمنعني مُحَمَّد مِمَّا أَفعلهُ، فَإِنِّي الْيَوْم أهدم هَذَا الْبَيْت. فالتفاه أَكثر الْحَاضِرين وَكَانَ أَن يفلت، وَكَانَ أَحْمَر أشقر جسيمًا طَويلا، وَكَانَ على بَاب الْمَسْجِد عشرَة فوارس ينصرونه فاحتسب رجل ووجأه بخنجر، ثمَّ تكاثروا عَلَيْهِ فَهَلَك وأحرق، وَقتل جمَاعَة مِمَّن اتهمَ بمعاونته واختبط الْوَفْد، وَمَال النَّاس على ركب الْبَصرِيين بالنهب، وتخشن وَجه الْحجر وتساقط مِنْهُ شظايا يسيرَة وتشقق، وَظهر مكسره أسمر يضْرب إِلَى صفرَة محببًا مثل الخشخاش، فَأَقَامَ الْحجر على ذَلِك يَوْمَيْنِ ثمَّ إِن بني شيبَة جمعُوا الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوا الشقوق وطلوها بطلاء من ذَلِك فَهُوَ بَين لمن تَأمله. وَذكر ابْن الْأَثِير: أَن هَذِه الْحَادِثَة كَانَت فِي سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة. وَذكر المسبحي: أَن نَافِع بن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ دخل الْكَعْبَة فِيمَن دَخلهَا للنَّظَر إِلَى الْحجر الْأسود لما كَانَ فِي الْكَعْبَة بعد رد القرامطة لَهُ، وَأَنه تَأمل الْحجر الْأسود فَإِذا
[ ١٧٨ ]
السوَاد فِي رَأسه، دون سائره وسائره أَبيض، قَالَ: وَكَانَ مِقْدَار طوله فِيمَا حررت مِقْدَار عظم الذِّرَاع، أَو كالذراع المقبوضة الْأَصَابِع، والسواد فِي وَجهه غير مَاض فِي سائره جَمِيعه. انْتهى. وَمَا ذكره الْعلوِي فِي صفة نوى الْحجر يُخَالف هَذَا. وَقيل فِي طوله أَكثر مِمَّا ذكره الْخُزَاعِيّ. وَمن آيَاته: حفظ الله لَهُ من الضّيَاع مُنْذُ أهبط إِلَى الأَرْض مَعَ مَا وَقع من الْأُمُور الْمُقْتَضِيَة لذهابه كالطوفان، وَدفن بني إياد، وكما وَقع من جرهم وَغَيرهم كَمَا قجمناه. وَمِنْهَا: أَنه لما حمل إِلَى هجر هلك تَحْتَهُ أَرْبَعُونَ جملا، فَلَمَّا أُعِيد حمل على قعُود أعجف فسمن كَمَا قدمْنَاهُ. وَقيل: هلك تَحْتَهُ ثَلَاثمِائَة بعير. وَقيل: خَمْسمِائَة. وَمِنْهَا: أَنه يطفو على المَاء إِذا وضع فِيهِ وَلَا يرسخ. وَمِنْهَا: أَنه لَا يسخن من النَّار، ذكر هَاتين الْآيَتَيْنِ ابْن أبي الدَّم فِي " الْفرق الإسلامية " فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ ابْن شَاكر الكتبي المؤرخ، وَنقل ذَلِك عَن بعض الْمُحدثين وَرَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ وَهَذِه صفة الْمَسْجِد الْحَرَام والكعبة المشرفة زَادهَا الله تَعَالَى شرفًا وتعظيمًا.