عَن مُجَاهِد قَالَ: كَانَ فِي الْكَعْبَة على يَمِين من دَخلهَا جب عميق حفره إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉ حِين رفعا الْقَوَاعِد، وَكَانَ فِيهِ مَا يهدى للكعبة لَيْسَ لَهَا سقف، فَسرق مِنْهَا مَال على عهد جرهم مرّة بعد مرّة، وَكَانَ جرهم تَرْتَضِي لذَلِك رجلا يكون عَلَيْهِ يَحْرُسهُ، فَبينا رجل مِمَّن ارتضوه عِنْدهَا إِذْ سَوَّلت لَهُ نَفسه فَنظر حَتَّى إِذا انتصف النَّهَار وَقَامَت الْمجَالِس وتقلصت الظلال وانقطعت الطّرق وَمَكَّة إِذْ ذَاك شَدِيدَة الْحر بسط رِدَاءَهُ ثمَّ نزل فِي الْبِئْر فَأخْرج مَا فِيهَا فَجعله فِي ثَوْبه، فَأرْسل الله ﷿ عَلَيْهِ حجرا من الْبِئْر فَأخْرج مَا فِيهَا فَجعله فِي ثَوْبه، فَأرْسل الله ﷿ عَلَيْهِ حجرا من الْبِئْر فحبسه، حَتَّى رَاح النَّاس فوجدوه فأخرجوه وأعادوا مَا وجدوا فِي ثَوْبه من الْبِئْر فسميت بذلك الْبِئْر الأخسف، فَلَمَّا أَن خسف بالجرهمي وحبسه الله، بعث الله عِنْد ذَلِك ثعبانًا فأسكنه فِي ذَلِك الْجب فِي بطن الْكَعْبَة أَكثر من خَمْسمِائَة سنة، يحرس مَا فِيهِ فَلَا يدْخلهُ أحد إِلَّا رفع رَأسه وَفتح فَاه، فَلَا يرَاهُ أحد إِلَّا ذعر مِنْهُ، وَكَانَ رُبمَا يشرف على جِدَار الْكَعْبَة فَأَقَامَ كَذَلِك فِي زمن جرهم وزمن خُزَاعَة وصدرًا من عصر قُرَيْش حَتَّى اجْتمعت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة على هدم الْبَيْت وعمارته فجَاء عِقَاب فاختطفه ثمَّ طَار بِهِ نَحْو أجياد الصَّغِير.
[ ١١٥ ]
وَعَن شَقِيق عَن شيبَة يَعْنِي ابْن عُثْمَان قَالَ: قعد عمر بن الْخطاب فِي مَقْعَدك الَّذِي أَنْت فِيهِ فَقَالَ: لَا أخرج حَتَّى أقسم مَال الْكَعْبَة. قلت: مَا أَنْت بفاعل؟ قَالَ: بلَى لَأَفْعَلَنَّ. قلت: مَا أَنْت بفاعل. قَالَ: لم؟ قلت: لِأَن رَسُول الله ﷺ رأى مَكَانَهُ هُوَ وَأَبُو بكر وهما أحْوج مِنْك إِلَى المَال فَلم يحركاه فَقَامَ فَخرج. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّيَالِسِي بِهَذَا اللَّفْظ، وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن أبي وَائِل قَالَ: جَلَست مَعَ شيبَة على الْكُرْسِيّ فِي الْكَعْبَة فَقَالَ: لقد جلس هَذَا الْمجْلس عمر فَقَالَ: لقد هَمَمْت أَن لَا أدع فِيهَا صفراء وَلَا بَيْضَاء إِلَّا قسمته. قلت إِن صاحبيك لم يفعلا. قَالَ: هما المرءان أقتدي بهما. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: لما أخبر شيبَة أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر لم يتعرضا لِلْمَالِ، رأى عمر أَن ذَلِك الصَّوَاب وَكَأَنَّهُ رأى حِينَئِذٍ أَن مَا جعل فِي الْكَعْبَة يجْرِي مجْرى الْوَقْف عَلَيْهَا فَلَا يجوز تَغْيِيره، أَو رأى ذَلِك تورعًا حِين أخبر أَنه تَركه صَاحِبَاه مَعَ رُؤْيَته جَوَاز إِنْفَاقه فِي سَبِيل الله؛ لِأَن صَاحِبيهِ إِنَّمَا تركاه للْعُذْر الَّذِي تضمنه حَدِيث عَائِشَة. انْتهى. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَذكروا أَن النَّبِي ﷺ وجد فِي الجبّ الَّذِي كَانَ فِي الْكَعْبَة سبعين ألف أُوقِيَّة من الذَّهَب مِمَّا كَانَ يهدى للكعبة للبيت. وَأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ: يَا رَسُول الله لَو استعنت بِهَذَا المَال على حربك فَلم يحركه، ثمَّ ذكر لأبي بكر فَلم يحركه. وَعَن مُحَمَّد بن يحيى قَالَ: حَدثنِي بعض الحجبة فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة أَن ذَلِك المَال بِعَيْنِه فِي خزانَة الْكَعْبَة ثمَّ لَا أَدْرِي مَا حَاله بعد. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وحَدثني جدي وَغَيره من مَشَايِخ أهل مَكَّة وَبَعض الحجبة أَن الْحُسَيْن بن عَليّ الْعلوِي عمد إِلَى خزانَة الْكَعْبَة فِي سنة مِائَتَيْنِ فِي الْفِتْنَة حِين أَخذ الطالبيون مَكَّة، فَأخذ مِمَّا فِيهَا مَالا عَظِيما وَنَقله إِلَيْهِ وَقَالَ: مَا تصنع بِهَذَا المَال، مَوْضُوعا لَا
[ ١١٦ ]
ينْتَفع بِهِ! نَحن أَحَق بِهِ، نستعين على حربنا. ويروى أَن مَال الْكَعْبَة كَانَ يدعى الأبرق وَلم يخالط مَالا قطّ إِلَّا محقه، وَلم يرزأ أحد مِنْهُ إِلَّا بَان النَّقْص فِي مَاله وَأدنى مَا يُصِيب صَاحبه أَن يشدد عَلَيْهِ الْمَوْت. حَتَّى أَن فَتى من الحجبة حَضرته الْوَفَاة فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْمَوْت جدا فَمَكثَ أَيَّامًا ينْزع نزعًا شَدِيدا حَتَّى رَأَوْا مِنْهُ مَا غمهم وأحزنهم من شدَّة كربه، فَقَالَ أَبوهُ: يَا بني لَعَلَّك أصبت من هَذَا الأبرق شَيْئا يَعْنِي: مَال الْكَعْبَة قَالَ: نعم يَا أَبَت أَرْبَعمِائَة دِينَار. فَقَالَ أَبوهُ: اللَّهُمَّ إِن هَذِه الأربعمائة دين عليّ فِي أنفس مَالِي الْكَعْبَة أؤديها إِلَيْهَا ثمَّ انحرف إِلَى أَصْحَابنَا فَقَالَ: اشْهَدُوا أَن للكعبة عليّ أَرْبَعمِائَة دِينَار. فسرى عَن الْغُلَام ثمَّ لم يلبث الْفَتى أَن مَاتَ.