كَانَت الْكَعْبَة قبل أَن تبنيها قُرَيْش وضمًا يَابسا لَيْسَ بمدر تبروه العناق، وَكَانَ بَابهَا بِالْأَرْضِ وَلم يكن لَهَا سقف وَإِنَّمَا تدلي الْكسْوَة على الْجدر من خَارج وتربط من أَعلَى الْجدر من بَطنهَا، وَكَانَ فِي بطن الْكَعْبَة عَن يَمِين من دَخلهَا جب يكون فِيهِ مَا يهدي للكعبة من مَال وَحلية كَهَيئَةِ الخزانة، وَكَانَ على ذَلِك الْجب حَيَّة تحرسه بَعثه الله مُنْذُ زمن جرهم، وَذَلِكَ أَنه عدا على ذَلِك الْجب قوم من جرهم فسرقوا مَالهَا وحليتها مرّة بعد مرّة، فَبعث الله تَعَالَى تِلْكَ الْحَيَّة فحرست الْكَعْبَة وَمَا فِيهَا خَمْسمِائَة سنة، ثمَّ لم تزل كَذَلِك حَتَّى بنت قُرَيْش الْكَعْبَة، وَكَانَ قرنا الْكَبْش الَّذِي ذبحه إِبْرَاهِيم ﵇
[ ٩٥ ]
معلقين فِي بَطنهَا بالجدر تِلْقَاء من دَخلهَا ويطيبان إِذا طيب الْبَيْت، وَكَانَ فِيهَا معاليق من حلية كَانَت تهدى للكعبة، وَسبب بِنَاء قُرَيْش الْكَعْبَة أَن امْرَأَة ذهبت تجمر الْكَعْبَة فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها، وَكَانَت الْكسْوَة عَلَيْهَا ركامًا بَعْضهَا فَوق بعض فَلَمَّا احترقت الْكَعْبَة توهنت جدرانها من كل جَانب وتصدعت، وَكَانَت السُّيُول متواترة فجَاء سيل عَظِيم وَهِي على تِلْكَ الْحَال فَدخل الْكَعْبَة وصدع جدرانها وأحافها، فَفَزِعت من ذَلِك قُرَيْش فَزعًا شَدِيدا وهابوا هدمها وخشوا إِن ينسوها أَن ينزل عَلَيْهِم الْعَذَاب، فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك ينتظرون ويتشاورون إِذْ أَقبلت سفينة للروم حَتَّى إِذا كَانَت بالشعيبة بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَهِي يَوْمئِذٍ سَاحل مَكَّة قبل جدة فَانْكَسَرت فَسمِعت بهَا قُرَيْش، فَرَكبُوا إِلَيْهَا فاشتروا خشبها، وأذنوا لأَهْلهَا أَن يدخلُوا مَكَّة فيبيعوا مَا مَعَهم من مَتَاعهمْ على أَن لَا يعشروهم، وَكَانُوا يعشرُونَ من دَخلهَا من تجار الرّوم، كَمَا كَانَت الرّوم تعشر من دخل مِنْهُم بلادها، وَكَانَ فِي السَّفِينَة رومي نجار بِنَاء يُسمى باقوم. قَالَ السُّهيْلي: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ بِمَكَّة نجار قبْطِي، وَذكر غَيره أَنه كَانَ علجًا فِي السَّفِينَة وَأَن اسْم ذَلِك النجار باقوم وَكَذَلِكَ أَيْضا فِي اسْم النجار الَّذِي عمل مِنْبَر رَسُول الله ﷺ من طرفاء الغابة وَلَعَلَّه أَن يكون هَذَا. انْتهى كَلَامه. فَلَمَّا قدمُوا بالخشب مَكَّة قَالُوا: لَو بنينَا بَيت رَبنَا فَاجْتمعُوا لذَلِك وتعاونوا وترافدوا فِي النَّفَقَة، وربعوا قبائل قُرَيْش أَربَاعًا، ثمَّ اقترعوا عِنْد هُبل فِي جَوف الْكَعْبَة على جوانبها، فطار قدح بني عبد منَاف وَبني زهرَة على الْوَجْه الَّذِي فِيهِ الْبَاب وَهُوَ الشَّرْقِي، وطار قدح بني عبد الدَّار وَبني أَسد بن عبد الْعُزَّى وَبني عدي بن كَعْب على الشق الَّذِي يَلِي الْحجر وَهُوَ الشق الشَّامي، وطار قدح بني سهم وَبني جمح وَبني عَامر بن لؤَي على ظهر الْكَعْبَة وَهُوَ الشق الغربي، وطار قدح بني تَمِيم وَبني مَخْزُوم وقبائل من قُرَيْش ضمُّوا مَعَهم على الشق الْيَمَانِيّ الَّذِي يَلِي الصَّفَا فنقلوا الْحِجَارَة، وَرَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ غُلَام لم ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي ينْقل مَعَهم الْحِجَارَة على رقبته، فَبَيْنَمَا هُوَ ينقلها إِذا انكشفت
[ ٩٦ ]
نمرة كَانَت عَلَيْهِ فَنُوديَ يَا مُحَمَّد عورتك وَذَلِكَ أول مَا نُودي وَالله أعلم فَمَا رويت لرَسُول الله ﷺ صُورَة بعد ذَلِك، ولبج برَسُول الله ﷺ من الْفَزع حِين نُودي فَأَخذه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فضمه إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَو جعلت نمرتك على عاتقك تعتل الْحِجَارَة. قَالَ: مَا أصابني هَذَا إِلَّا من التعري فَشد رَسُول الله ﷺ إزَاره وَجعل ينْقل مَعَهم، وَكَانُوا ينقلون بِأَنْفسِهِم تبررًا وتبركًا بِالْكَعْبَةِ، فَلَمَّا اجْتمع لَهُم مَا يُرِيدُونَ من الْحِجَارَة والخشب وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، عدوا على هدمها فَخرجت لَهُم الْحَيَّة الَّتِي كَانَت فِي بَطنهَا تحرسها سَوْدَاء الظّهْر بَيْضَاء الْبَطن رَأسهَا مثل رَأس الجدي تمنعهم كلما أَرَادوا هدمها، وَكَانَت لَا يدنو أحد من بِئْر الْكَعْبَة إِلَّا رفعت ذنبها وكشت أَي: صوتت، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك اعتزلوا عِنْد مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْم، فَقَالَ لَهُم الْوَلِيد بن الْمُغيرَة: يَا قوم ألستم تُرِيدُونَ بهدمها الْإِصْلَاح. قَالُوا: بلَى. قَالَ: فَإِن الله ﷿ لَا يهْلك المصلحين، وَلَكِن لَا تدْخلُوا فِي عمَارَة بَيت ربكُم إِلَّا من طيب أَمْوَالكُم، وَلَا تدْخلُوا فِيهِ مَالا من رَبًّا وَلَا مَالا من مَسِيس وَلَا مهر بغي وجنبوه الْخَبيث من أَمْوَالكُم، فَإِن الله ﷿ لَا يقبل إِلَّا طيبا. فَفَعَلُوا ثمَّ وقفُوا عِنْد الْمقَام فَقَامُوا يدعونَ رَبهم وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ لَك فِي هدمها رضى فأتمه وأشغل عَنَّا هَذَا الثعبان. فَأقبل طَائِر من جو السَّحَاب كَهَيئَةِ الْعقَاب ظَهره أسود وبطنه أَبيض وَرجلَاهُ صفراوان والحية على جِدَار الْبَيْت فاغرة فاها فَأخذ برأسها، وَفِي رِوَايَة فغرز مخالبه فِي رَأسهَا حَتَّى انْطلق بهَا يجرها وذنبها أعظم من كَذَا وَكَذَا، فطار بهَا حَتَّى أدخلها أجياد الصَّغِير، فَقَالَت
[ ٩٧ ]
قُرَيْش: إِنَّا لنَرْجُو أَن يكون الله سُبْحَانَهُ قد رَضِي عَمَلكُمْ وَقبل نفقتكم فَاهْدِمُوهُ فهابت قُرَيْش هَدمه، فَقَالُوا: من يبْدَأ فيهدم؟ فَقَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة: أَنا أبدؤكم فِي هَدمه أَنا شيخ كَبِير، فَإِن أصابني أَمر كَانَ قد دنا أَجلي، وَإِن كَانَ غير ذَلِك لم يزرأ بِي، فعلا الْبَيْت وَفِي يَده عتلة يهدم بهَا فتزعزع من تَحت رجله فَقَالَ: اللَّهُمَّ لم نزع إِنَّمَا أردنَا الْإِصْلَاح. وَجعل يَهْدِمهَا حجرا حجرا بالعتلة فهدم يَوْمه ذَلِك، فَقَالَت قُرَيْش: نَخَاف أَن ينزل بِهِ الْعَذَاب إِذا أَمْسَى. فَلَمَّا أَمْسَى لم ير بَأْسا، فَأصْبح الْوَلِيد غاديًا على عمله فهدمت قُرَيْش مَعَه حَتَّى بلغُوا الأساس الَّذِي رفع عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉ الْقَوَاعِد من الْبَيْت فَأَبْصرُوا حِجَارَة كَأَنَّهَا الْإِبِل الْخلف، لَا يُطيق الْحجر مِنْهُ ثَلَاثُونَ رجلا يُحَرك الْحجر مِنْهَا فترتج جوانبها قد تشبك بَعْضهَا بِبَعْض، فَأدْخل الْوَلِيد بن الْمُغيرَة عتلة بَين حجرين فانفلقت مِنْهُ فلقَة فَأَخذهَا أَبُو وهب بن عَمْرو بن عَائِذ بن عمرَان بن مَخْزُوم فنزت من يَده ثمَّ عَادَتْ فِي مَكَانهَا، وطارت برقة كَادَت أَن تخطف أَبْصَارهم ورجفت مَكَّة بأسرها، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك أَمْسكُوا عَن أَن ينْظرُوا إِلَى مَا تَحت ذَلِك، فَلَمَّا جمعُوا مَا أخرجُوا من النَّفَقَة قلت النَّفَقَة عَن أَن تبلغ لَهُم عمَارَة الْبَيْت كُله، فتشاوروا فِي ذَلِك وَأجْمع رَأْيهمْ عَن أَن يقصروا عَن الْقَوَاعِد ويحجروا مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من الْبَيْت ويتركوا بَقِيَّته فِي الْحجر عَلَيْهِ جِدَار مدَار يطوف النَّاس من وَرَائه، فَفَعَلُوا ذَلِك وبنوا فِي بطن الْكَعْبَة أساسًا يبنون عَلَيْهِ من شقّ الْحجر، وَتركُوا من وَرَائه من فنَاء الْبَيْت فِي الْحجر سِتَّة أَذْرع وشبرًا فبنوا على ذَلِك، فَلَمَّا وضعُوا أَيْديهم فِي بنائها، قَالُوا: ارْفَعُوا بَابهَا من الأَرْض واكبسوها حَتَّى لَا تدْخلهَا السُّيُول وَلَا ترقى إِلَّا بسلم، وَلَا يدخلهَا إِلَّا من أردتم ثمَّ إِن كرهتم أحدا دفعتموه، فَفَعَلُوا ذَلِك وبنوها بساق من حِجَارَة وسَاق من خشب بَين الْحِجَارَة حَتَّى انْتَهوا إِلَى مَوضِع الرُّكْن فَاخْتَلَفُوا فِي وَضعه، وَكثر الْكَلَام فِيهِ وتنافسوا فِي ذَلِك فَقَالَت بَنو عبد منَاف وزهرة: هُوَ فِي الشق الَّذِي وَقع لنا. وَقَالَت بَنو تَمِيم ومخزوم: هُوَ فِي الشق الَّذِي وَقع لنا. وَقَالَت سَائِر الْقَبَائِل: لم يكن الرُّكْن مِمَّا استهمنا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو أُميَّة بن الْمُغيرَة: يَا قوم إِنَّمَا أردنَا الْبر وَلم نرد الشَّرّ، فَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تنافسوا فَإِنَّكُم إِن اختلفتم نسيت أُمُوركُم وطمع فِيكُم غَيْركُمْ، وَلَكِن حكمُوا بَيْنكُم أول من يطلع عَلَيْكُم من هَذَا الْفَج. قَالُوا: رَضِينَا وَسلمنَا فطلع رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ وشاحًا نمرة فَقَالُوا: هَذَا الْأمين قد رَضِينَا بِهِ فحكموه، فَبسط رِدَاءَهُ ثمَّ وضع فِيهِ الرُّكْن ودعا من كل ربع رجلا فَأخذُوا بأطراف الثَّوْب، فَكَانَ من بني عبد منَاف عتبَة بن ربيعَة، وَكَانَ فِي الرّبع الثَّانِي أَبُو ربيعَة بن الْأسود وَكَانَ أسن الْقَوْم، وَفِي الرّبع الثَّالِث الْعَاصِ
[ ٩٨ ]
ابْن وَائِل، وَفِي الرّبع الرَّابِع حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، فَرفع الْقَوْم الرُّكْن وَقَامَ النَّبِي ﷺ على الْجدر فَوَضعه هُوَ بِيَدِهِ، فَذهب رجل من أهل نجد ليناول النَّبِي ﷺ حجرا يشد بِهِ الرُّكْن، فَقَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁: لَا، فناول الْعَبَّاس النَّبِي ﷺ حجرا فَشد بِهِ الرُّكْن. وَفِي رِوَايَة: أَمر بالركن فَوضع فِي ثوب ثمَّ أَمر سيد كل قَبيلَة فَأعْطَاهُ نَاحيَة الثَّوْب ثمَّ ارْتقى، وَأمرهمْ بالركن أَن يرفعوه إِلَيْهِ فَرَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَكَانَ هُوَ الَّذِي وَضعه. ي وَضعه، وَكثر الْكَلَام فِيهِ وتنافسوا فِي ذَلِك فَقَالَت بَنو عبد منَاف وزهرة: هُوَ فِي الشق الَّذِي وَقع لنا. وَقَالَت بَنو تَمِيم ومخزوم: هُوَ فِي الشق الَّذِي وَقع لنا. وَقَالَت سَائِر الْقَبَائِل: لم يكن الرُّكْن مِمَّا استهمنا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو أُميَّة بن الْمُغيرَة: يَا قوم إِنَّمَا أردنَا الْبر وَلم نرد الشَّرّ، فَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تنافسوا فَإِنَّكُم إِن اختلفتم نسيت أُمُوركُم وطمع فِيكُم غَيْركُمْ، وَلَكِن حكمُوا بَيْنكُم أول من يطلع عَلَيْكُم من هَذَا الْفَج. قَالُوا: رَضِينَا وَسلمنَا فطلع رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ وشاحًا نمرة فَقَالُوا: هَذَا الْأمين قد رَضِينَا بِهِ فحكموه، فَبسط رِدَاءَهُ ثمَّ وضع فِيهِ الرُّكْن ودعا من كل ربع رجلا فَأخذُوا بأطراف الثَّوْب، فَكَانَ من بني عبد منَاف عتبَة بن ربيعَة، وَكَانَ فِي الرّبع الثَّانِي أَبُو ربيعَة بن الْأسود وَكَانَ أسن الْقَوْم، وَفِي الرّبع الثَّالِث الْعَاصِ بن وَائِل، وَفِي الرّبع الرَّابِع حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، فَرفع الْقَوْم الرُّكْن وَقَامَ النَّبِي ﷺ على الْجدر فَوَضعه هُوَ بِيَدِهِ، فَذهب رجل من أهل نجد ليناول النَّبِي ﷺ حجرا يشد بِهِ الرُّكْن، فَقَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁: لَا، فناول الْعَبَّاس النَّبِي ﷺ حجرا فَشد بِهِ الرُّكْن. وَفِي رِوَايَة: أَمر بالركن فَوضع فِي ثوب ثمَّ أَمر سيد كل قَبيلَة فَأعْطَاهُ نَاحيَة الثَّوْب ثمَّ ارْتقى، وَأمرهمْ بالركن أَن يرفعوه إِلَيْهِ فَرَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَكَانَ هُوَ الَّذِي وَضعه. قَالَ الكازروني فِي سيرته: وَكَانَ وَضعه ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ فَلَمَّا وَضعه غضب النجدي قَالَ: واعجباه لقوم أهل شرف وعقول وَسن وأموال، عَمدُوا إِلَى أَصْغَرهم سنا وَأَقلهمْ مَالا فرأسوه عَلَيْهِم فِي مكرمتهم كَأَنَّهُمْ خدم لَهُ، أما وَالله ليفوتنهم سبقًا وليقسمن عَلَيْهِم حظوظًا. وَيُقَال: إِن هَذَا النجدي هُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. فبنوا حَتَّى بلغُوا أَرْبَعَة أَذْرع وشبرًا ثمَّ كبسوها وَوَضَعُوا بَابهَا مرتفعًا على هَذَا الذرع رفعوها بمدماك على خشب ومدماك حِجَارَة حَتَّى بلغُوا السّقف، فَقَالَ لَهُم باقوم الرُّومِي: أتحبون أَن تجْعَلُوا سقفها " مُنَكسًا " أَو مسطحًا. قَالُوا: بل ابْن بَيت رَبنَا مسطحًا. قَالَ: فبنوه مسطحًا وَجعلُوا فِيهِ سِتّ دعائم فِي صفّين، كل صف ثَلَاث دعائم من الشق الشَّامي الَّذِي يَلِي الْحجر إِلَى الشق الْيَمَانِيّ، وَجعلُوا ارتفاعها من خَارِجهَا من الأَرْض إِلَى أَعْلَاهَا ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا، وَكَانَت قبل ذَلِك تِسْعَة أَذْرع، فزادت قُرَيْش " فِي السَّمَاء " فِي ارتفاعها فِي السَّمَاء تِسْعَة أَذْرع أُخْرَى، وبنوها من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا بمدماك من حِجَارَة ومدماك من خشب، فَكَانَ الْخشب خَمْسَة عشر مدماكًا وَالْحِجَارَة سِتَّة عشر مدماكًا، وَجعلُوا ميزابها يسْكب فِي الْحجر، وَجعلُوا دَرَجَة من خشب فِي بَطنهَا فِي الرُّكْن الشَّامي يصعد فِيهَا إِلَى ظهرهَا، وزوقوا سقفها وجدرانها من بَطنهَا ودعائمها، وَجعلُوا فِي دعائمها صور الْأَنْبِيَاء وصور الشّجر وصور الْمَلَائِكَة، وَكَانَ فِيهَا صُورَة إِبْرَاهِيم ﵇ خَلِيل الرَّحْمَن شيخ يستقسم بالأزلام، وَصُورَة عِيسَى بن مَرْيَم
[ ٩٩ ]
وَأمه، وصور الْمَلَائِكَة ﵈ فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح دخل رَسُول الله ﷺ فَأرْسل الْفضل بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب فجَاء بِمَاء من زَمْزَم ثمَّ أَمر بِثَوْب فَبل بِالْمَاءِ وَأمر بطمس تِلْكَ الصُّور فطمست، وَوضع ﷺ كفيه على صُورَة عِيسَى بن مَرْيَم وَأمه ﵉ وَقَالَ: " امحوا جَمِيع الصُّور إِلَّا مَا تَحت يَدي " فَرفع يَده عَن عِيسَى وَأمه، وَنظر إِلَى صُورَة إِبْرَاهِيم فَقَالَ: " قَاتلهم الله جَعَلُوهُ يستقسم بالأزلام، مَا لإِبْرَاهِيم وللأزلام ". وَجعلُوا لَهَا بَابا وَاحِدًا فَكَانَ يغلق وَيفتح، وَكَانُوا قد أخرجُوا مَا كَانَ فِي الجبّ من حلية وَمَال وقرني الْكَبْش وجعلوه عِنْد أبي طَلْحَة عبد الله بن عبد الْعُزَّى بن عبد الدَّار بن قصي، وأخرجوا هُبل وَنصب عِنْد الْمقَام حَتَّى فرغوا من بِنَاء الْبَيْت وردوا ذَلِك المَال فِي الْجب وعلقوا فِيهِ الْحِلْية وقرني الْكَبْش وردوا الْجب فِي مَكَانَهُ مِمَّا يَلِي الشق الشَّامي ونصبوا هُبل على الْجب كَمَا كَانَ قبل ذَلِك، وَجعلُوا لَهُ سلما يصعد فِيهِ إِلَى بَطنهَا، وكسوها حِين فرغوا من بنائها حبرات ثَمَانِيَة، وَعَن مشافع بن شيبَة بن عُثْمَان أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " يَا شيبَة امح كل صُورَة فِيهِ إِلَّا مَا تَحت يَدي " قَالَ: فَرفع يَده عَن عِيسَى بن مَرْيَم وَأمه.
[ ١٠٠ ]
وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ: زجر النَّبِي ﷺ عَن الصُّور، وَأمر عمر بن الْخطاب زمن الْفَتْح أَن يدْخل الْبَيْت فَيَمْحُو مَا فِيهِ من صُورَة وَلم يدْخلهُ حَتَّى مُحي. وَعَن الْحسن أَن النَّبِي ﷺ لم يدْخل الْكَعْبَة حَتَّى أَمر عمر بن الْخطاب أَن يطمس على كل صُورَة فِيهَا. وَعَن ابْن أبي تجراة عَن أمه قَالَت: أَنا أنظر إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يضع الرُّكْن بِيَدِهِ فَقلت: لمن الثَّوْب الَّذِي وضع فِيهِ الْحجر؟ قَالَت للوليد بن الْمُغيرَة. وَيُقَال: فَحمل الْحجر فِي كسَاء رومي كَانَ للنَّبِي ﷺ روى جَمِيع ذَلِك الْأَزْرَقِيّ. ويروى: أَن الطَّائِر الَّذِي اخْتَطَف الْحَيَّة هُوَ الْعقَاب. وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن هَذِه الْحَيَّة هِيَ الدَّابَّة الَّتِي تكلم النَّاس قبل يَوْم الْقِيَامَة قَالَ السُّهيْلي: وَاسْمهَا أقْصَى. وَقيل: إِن الدَّابَّة الَّتِي تكلم النَّاس هِيَ فصيل نَاقَة صَالح، وَهُوَ الْأَصَح كَمَا ذكره الْقُرْطُبِيّ؛ لما روى أَبُو دَاوُد عَن حُذَيْفَة قَالَ: ذكر رَسُول الله ﷺ الدَّابَّة فَقَالَ: " لَهَا ثَلَاث خرجات من الدَّهْر: فَتخرج من أقْصَى الْبَادِيَة وَلَا يدْخل ذكرهَا الْقرْيَة يَعْنِي مَكَّة ثمَّ تكمن زَمَانا طَويلا، ثمَّ تخرج خرجَة أُخْرَى دون ذَلِك فيفشو ذكرهَا فِي أهل الْبَادِيَة وَيدخل ذكرهَا الْقرْيَة أَي مَكَّة ثمَّ بَينا النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام لم يرعهم إِلَّا وَهِي ترغو بَين الرُّكْن وَالْمقَام تنفض عَن رَأسهَا التُّرَاب ". الحَدِيث فَفِي قَوْله: ترغو. دَلِيل على أَنَّهَا الفصيل. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذَلِكَ أَن الفصيل لما قتلت النَّاقة هرب فانفتح لَهُ حجر فَدخل فِي جَوْفه، ثمَّ انطبق عَلَيْهِ الْحجر فَهُوَ فِيهِ حَتَّى يخرج بِإِذن الله تَعَالَى، وَقيل: إِنَّهَا الْجَسَّاسَة.
[ ١٠١ ]
وَاخْتلفُوا فِي صفتهَا فَقيل: إِنَّهَا دَابَّة مرغية الشّعْر ذَات قَوَائِم، طولهَا سِتُّونَ ذِرَاعا. وَقيل: على خلقَة الْآدَمِيّين وَهِي فِي السَّحَاب وقوائمها فِي الأَرْض. وَقيل: جمعت من خلق كل حَيَوَان؛ رَأسهَا رَأس ثَوْر، وَعين عين خِنْزِير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيّل، وعنقها عنق نعَامَة، وصدرها صدر أَسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذَنْب كَبْش، وقوائمها قَوَائِم بعير، بَين كل مفصل ومفصل اثْنَي عشر ذِرَاعا بِذِرَاع آدم ﵇ يخرج مَعهَا عَصا مُوسَى وَخَاتم سُلَيْمَان، فَتنْكت فِي وَجه الْمُؤمن نُكْتَة بَيْضَاء بعصا مُوسَى فيبيض وَجهه، وتنكت فِي وَجه الْكَافِر نُكْتَة سَوْدَاء بِخَاتم سُلَيْمَان فيسود وَجهه. وَقيل: لَيْسَ لَهَا ذَنْب. وَقيل: لَيْسَ لَهَا وبر وَرِيش. وَلها ثَلَاث خرجات آخِرهنَّ بَين الرُّكْن وَالْمقَام كَمَا تقدم لَا يخرج ثلثاها. قَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": وَفِي الرُّكْن الْعِرَاقِيّ من حِيَال الْبَيْت صدع مستطيل فَلَعَلَّهُ الْمشَار إِلَيْهِ. وَاخْتلف فِي أَي مَوضِع تخرج، فَقيل: من جبل الصَّفَا يتصدع فَتخرج مِنْهُ، أَو من تهَامَة، أَو من الطّواف، أَو من مَسْجِد الْكُوفَة من حَيْثُ فار تنور نوح، أَو من الطَّائِف، أَو من جِيَاد، أَو من بَين الرُّكْنَيْنِ، أَو من صَخْرَة فِي شعب أجياد، أَو من بَحر سدوم، وَتخرج قبل يَوْم التَّرويَة بِيَوْم. وَقيل: يَوْم عَرَفَة. وَقيل: يَوْم النَّحْر. وَقد تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل عَن ابْن إِسْحَاق: أَن قُريْشًا وجدت فِي الرُّكْن كتابا بالسُّرْيَانيَّة وَفِيه:
[ ١٠٢ ]
" أَنا الله ذُو بكة خلقتها يَوْم خلقت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَى آخِره ". وَعَن الزُّهْرِيّ قَالَ: إِن قُريْشًا حِين بنوا الْكَعْبَة وجدوا فِيهِ حجرا وَفِيه ثَلَاثَة صفوح؛ فِي الصفح الأول: " أَنا الله ذُو بكة صنعتها يَوْم صنعت الشَّمْس وَالْقَمَر " إِلَى آخر كَلَام ابْن إِسْحَاق الْمُتَقَدّم فِي الْفَضَائِل. وَفِي الصفح الثَّانِي: " أَنا الله ذُو بكة خلقت الرَّحِم واشتققت لَهَا اسْما من اسْمِي فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بتته ". وَفِي الصفح الثَّالِث: " أَنا الله ذُو بكة خلقت الْخَيْر وَالشَّر فطوبى لمن كَانَ الْخَيْر على يَدَيْهِ وويل لمن كَانَ الشَّرّ على يَدَيْهِ ". وَحضر سيدنَا رَسُول الله ﷺ بِنَاء قُرَيْش وَله خمس وَثَلَاثُونَ سنة. وَقيل: خمس وَعِشْرُونَ سنة. حَكَاهُمَا النَّوَوِيّ.