وَلما بنى الْمهْدي الْمَسْجِد الْحَرَام وَزَاد الزِّيَادَة الأولى اتَّسع أَعْلَاهُ وأسفله وَشقه الَّذِي يَلِي دَار الندوة، وضاق شقَّه الْيَمَانِيّ الَّذِي يَلِي الصَّفَا فَكَانَت الْكَعْبَة فِي شقّ الْمَسْجِد، وَذَلِكَ أَن الْوَادي كَانَ دَاخِلا لاصقًا بِالْمَسْجِدِ فِي بطن الْمَسْجِد الْيَوْم، وَكَانَت الدّور وبيوت من وَرَائه فِي مَوضِع الْوَادي الْيَوْم، وَإِنَّمَا كَانَ يسْلك من الْمَسْجِد إِلَى الصَّفَا فِي بطن الْوَادي ثمَّ يسْلك فِي زقاق ضيق حَتَّى يخرج إِلَى الصَّفَا من التفاف الْبيُوت فِيهَا بَين الْوَادي والصفا، وَكَانَ الْمَسْعَى فِي مَوضِع الْمَسْجِد الْحَرَام الْيَوْم، فَلَمَّا حج الْمهْدي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَرَأى الْكَعْبَة فِي شقّ الْمَسْجِد كره ذَلِك وَأحب أَن تكون متوسطة فِي الْمَسْجِد، فدعى المهندسين فشاورهم فِي ذَلِك فقدروا فِي ذَلِك فَإِذا هُوَ لَا يَسْتَوِي لَهُم من أجل الْوَادي والسيل وَقَالُوا: إِن وَادي مَكَّة لَهُ سيول جارفة وَهُوَ وَادي حدور، وَنحن نَخَاف إِن حولنا الْوَادي عَن مَكَانَهُ أَن لَا ينْصَرف لنا على مَا نُرِيد؛ لِأَن وَرَاءه من الدّور والمساكن مَا تكْثر فِيهِ المئونة وَلَعَلَّه أَن لَا يتم. فَقَالَ الْمهْدي: لَا بُد لي أَن أوسعه حَتَّى أَوسط الْكَعْبَة فِي الْمَسْجِد على كل حَال، وَلَو أنفقت فِيهِ مَا فِي بيُوت الْأَمْوَال وعظمت فِي ذَلِك نِيَّته واشتدت رغبته فقدروا ذَلِك وَهُوَ حَاضر، وَنصب الرماح على الدّور من أول مَوضِع الْوَادي إِلَى آخِره، ثمَّ ذرعه من فَوق الرماح حَتَّى عرفُوا مَا يدْخل فِي الْمَسْجِد من ذَلِك وَمَا يكون للوادي فِيهِ فَلَمَّا نصبوا الرماح على جنبتي الْوَادي على مَا يدْخل فِي الْمَسْجِد من ذَلِك وزنوه مرّة بعد مرّة وقرروا ذَلِك، ثمَّ خرج الْمهْدي إِلَى الْعرَاق وخلفوا الْأَمْوَال فاشتروا من النَّاس دُورهمْ وَأرْسل إِلَى الشَّام وَإِلَى مصر فنقلت أساطين الرخام فِي السفن حَتَّى أنزلت
[ ١٥٣ ]
بجدة ثمَّ نقلت على الْعجل من جدة إِلَى مَكَّة، وَوَضَعُوا أَيْديهم فهدموا الدّور، وبنوا الْمَسْجِد منحدرًا حَتَّى دخل دَار أم هَانِئ بنت أبي طَالب وَكَانَ عِنْدهَا بِئْر جَاهِلِيَّة كَانَ قصي حفرهَا فَدخلت تِلْكَ الْبِئْر فِي الْمَسْجِد، فحفر الْمهْدي عوضا عَنْهَا الْبِئْر الَّتِي على بَاب البقالين الَّتِي فِي حدّ ركن الْمَسْجِد الْحَرَام الْيَوْم وتعرف هَذِه الْبِئْر الْيَوْم ببئر حزورة ثمَّ مضوا فِي نائه بأساطين الرخام وسقفه بالساج الْمَذْهَب المنقوش حَتَّى توفّي الْمهْدي سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَقد انْتهى إِلَى آخر مُنْتَهى أساطين الرخام من أَسْفَل الْمَسْجِد، فاستخلف مُوسَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فبادروا الْيَوْم بإتمام الْمَسْجِد وأسرعوا فِي ذَلِك، وبنوا أساطينه بحجارة ثمَّ طليت بالجص وَعمل سقفه عملا دون عمل الْمهْدي فِي الإحكام وَالْحسن، فَهَذَا جَمِيع مَا عمر فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وأحدث فِيهِ إِلَى الْيَوْم.