اعْلَم أَن الله تَعَالَى خلق الْعَالم فِي سِتَّة أَيَّام، ابْتِدَاؤُهَا يَوْم الْأَحَد والاثنين؛ لقَوْله تَعَالَى: " أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ ". وَخلق الْجبَال يَوْم الثُّلَاثَاء، وَالْمَاء وَالشَّجر يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَالسَّمَاء يَوْم الْخَمِيس، وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْمَلَائِكَة وآدَم يَوْم الْجُمُعَة، وَلذَلِك سمي يَوْم الْجُمُعَة؛ لِأَنَّهُ جمع فِيهِ خلق كل شَيْء قَالَه الشّعبِيّ حَكَاهُ الشهرستاني فِي " أَعْلَام النُّبُوَّة " لَهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله الْكسَائي فِي " بَدْء الدُّنْيَا " لَهُ: أول مَا خلق الله تَعَالَى اللَّوْح ثمَّ الْقَلَم ثمَّ المَاء. قَالَ: وكل شَيْء لَا يفتر عَن تسبيحه فِي وَقت عَن وَقت إِلَّا المَاء، وتسبيحه: اضطرابه. وَقيل: إِنَّه بَدَأَ بِخلق السَّمَوَات قبل الأَرْض يَوْم الْأَحَد والاثنين؛ لقَوْله تَعَالَى: " فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ " وَقيل: خلق السَّمَاء دخانًا قبل الأَرْض، وفتقها سبعا بعد الأَرْض؛ لقَوْله تَعَالَى: " ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين ". قيل: إِن ظُهُور الطَّاعَة مِنْهُمَا قَامَ مقَام قَوْلهمَا. وَقيل: إِنَّه تَعَالَى خلق فيهمَا كلَاما نطق بذلك، فَنَطَقَ من الأَرْض مَوضِع الْكَعْبَة، ونطق من السَّمَاء مَا بحيالها، فَوضع الله تَعَالَى فِيهَا حرمه، قَالَه أَبُو نصر السكْسكِي. وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى اتِّصَال حُرْمَة الْبَيْت الْمَعْمُور علويًا بِحرْمَة الْبَيْت الْحَرَام سفليًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ. وَقيل: خلق الله الْأَشْيَاء من يَوْم الْأَحَد إِلَى
[ ٢٢ ]
يَوْم الْخَمِيس، وَخلق فِي يَوْم الْخَمِيس ثَلَاثَة أَشْيَاء: السَّمَاوَات وَالْمَلَائِكَة وَالْجنَّة، إِلَى ثَلَاث سَاعَات بقيت من يَوْم الْجُمُعَة، فخلق فِي السَّاعَة الأولى الْأَوْقَات، وَفِي الثَّانِيَة الأرزاق، وَفِي الثَّالِثَة آدم ﵇. قَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي كِتَابيه " العرائس "، و" التَّفْسِير " حِين ذكر بَدْء الأَرْض: إِن الله تَعَالَى خلق جَوْهَرَة خضراء، ثمَّ نظر إِلَيْهَا بالهيبة فَصَارَت مَاء، فخلق الأَرْض من زبده، وَالسَّمَاء من بخاره، فَأول مَا ظهر على وَجه الأَرْض مَكَّة. زَاد غَيره ثمَّ الْمَدِينَة، ثمَّ بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ دحى الأَرْض مِنْهَا طبقًا وَاحِدًا، ثمَّ فتقها بعد ذَلِك وَكَذَلِكَ السَّمَاء؛ لقَوْله تَعَالَى: " أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقًا ففتقناهما ". ثمَّ حمل الأَرْض على عاتق ملك، وَالْملك وَاقِف على ياقوتة خضراء، والياقوتة على سَنَام الثور، واسْمه يونان حَكَاهُ الْكسَائي، والثور على صَخْرَة خضراء، وَهِي الْمَذْكُورَة فِي سُورَة لُقْمَان والصخرة على النُّون، وَهُوَ الْحُوت، واسْمه لوثيا، وَقيل: بهموت، وَقيل: بنموت، والحوت على الْبَحْر، وَالْبَحْر على الرّيح، وَالرِّيح على الْقُدْرَة، وَهَذَا الْحُوت الَّذِي يَأْكُل أهل الْجنَّة كبده، وَهُوَ الْمَذْكُور فِي سُورَة ن والقلم، وَقيل المُرَاد بِهِ: الدواة. فَهَذَا بَدْء الدُّنْيَا. وَأول من سكن الأَرْض بعد الْجِنّ آدم وَذريته إِلَى زمن نوح ﵇، ثمَّ قسم نوح الأَرْض بَين أَوْلَاده: سَام وَحَام وَيَافث: إِن الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف فَرسَخ، اثْنَا عشر ألفا للسودان، وَثَمَانِية آلَاف للروم، وَثَلَاثَة آلَاف لفارس، وَألف للْعَرَب، وَقيل: الدُّنْيَا دِرْهَم خَمْسَة أسداسه للروم، وَحَام
[ ٢٣ ]
أَبُو السودَان، وَيَافث أَبُو الرّوم وَالتّرْك ويأجوج، وسام أَبُو الْعَرَب. وَقيل: سَام أَبُو الْعَرَب وَفَارِس وَالروم، وَفَارِس وَالروم تنْسب إِلَى جدهم روم بن عيص. وَقيل: بَنو الْأَصْفَر مُلُوك الرّوم، والأصفر اسْم نتالوس بن روم أول مُلُوك الرّوم. وَقَالَ وهب بن مُنَبّه فِي كِتَابه " التيجان ": إِن إِسْحَاق ولد لَهُ يَعْقُوب وعيص، فيعقوب هُوَ إِسْرَائِيل أَبُو الأسباط، وَهُوَ بالعربي صفوة الله، وعيص هُوَ الْأَصْفَر، سمى بِهِ؛ لِأَن النيروز كَانَ عِنْدهم عيدًا فحلته جدته سارة بِالذَّهَب فِي ذَلِك الْيَوْم، وَدخلت بِهِ على إخْوَته، فَقيل لَهُ: الْأَصْفَر؛ لصفرة الذَّهَب. وَقيل: إِنَّه كَانَ أسمر إِلَى الصُّفْرَة، وَهُوَ مَوْجُود فِي ذُريَّته إِلَى الْيَوْم. وَأما الْعَرَب فَمن ولد إِسْمَاعِيل؛ لِأَن ولد إِسْمَاعِيل نشأوا من عربه، وعربه من تهَامَة فنسبوا إِلَيْهَا وَقَالَ قَتَادَة: الأَرْض عشرُون ألف فَرسَخ؛ اثْنَا عشر ألفا للسند والهند، وَثَمَانِية آلَاف ليأجوج وَمَأْجُوج، وَثَلَاثَة آلَاف للروم والعجم، وَألف للْعَرَب. ومعمور الأَرْض هُوَ جُزْء من اسْتِوَاء الشَّمْس على وسط كرة الأَرْض إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط بِالْأَرْضِ، وَهُوَ المسكون الَّذِي قسمه نوح ﵇ بَين أَوْلَاده، فقسم سَام وسط الأَرْض مِنْهُ بَيت الْمُقَدّس والنيل والفرات ودجلة وسيحون وجيحون، وَذَلِكَ مَا بَين قاسيون إِلَى شَرْقي النّيل، وَمَا بَين منخر الرّيح الجنوبي إِلَى منخر الرّيح الشمالي، ولحام قسمه الرّيح النّيل إِلَى وَمَا وَرَاءه إِلَى منخر الرّيح الدبور، وليافث من قاسيون وَمَا وَرَاءه إِلَى منخر الصِّبَا. وَقيل: إِن الْعَجم من وَرَاء الْبَحْر مسيرَة اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وبلاد الرّوم مسيرَة خمس سِنِين، وبلاد منسك عَن يَمِين الدُّنْيَا مسيرَة خَمْسَة عشر سنة، وبلاد يَأْجُوج مسيرَة مائَة سنة، وَقيل: الأَرْض سِتَّة أَجزَاء خَمْسَة مِنْهَا ليأجوج وَمَأْجُوج وجزء لِلْخلقِ حَكَاهُ
[ ٢٤ ]
الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ المنجمون: الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ قيراطًا العامر مِنْهَا أَرْبَعَة قراريط وَكسر. وَقيل: مَا العامر فِي الخراب إِلَّا كفسطاط فِي فلاة من الأَرْض حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي درياق الْقُلُوب وَقَالَ فِي كِتَابه المدهش: الإقليم الأول: إقليم الْهِنْد، وَالثَّانِي: إقليم الْحجاز، وَالثَّالِث: إقليم مصر، وَالرَّابِع: إقليم بابل، وَالْخَامِس: إقليم الشَّام، وَالسَّادِس: إقليم بِلَاد التّرْك، وَالسَّابِع: إقليم بِلَاد الصين، كل إقليم مائَة فَرسَخ، وأوسطها إقليم بابل وَفِيه الْعرَاق الَّتِي هِيَ سرة الدُّنْيَا. والحجاز هُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وتحاليفها وقراها، وَسمي حجازًا؛ لِأَنَّهُ حجز بَين السُّرَّة ونجد. وَقيل: لِأَنَّهُ حجز بَين الشَّام والبادية وَقيل: لِأَنَّهُ حجز بَين نجد والعور. رَجعْنَا إِلَى مَا نَحن فِيهِ عَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ: كَانَت الْكَعْبَة غثاء على المَاء قبل أَن يخلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِأَرْبَعِينَ سنة، وَمِنْهَا دحيت الأَرْض. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما كَانَ الْعَرْش على المَاء قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، بعث الله ريحًا هفافة فصفقت المَاء فأبرزت عَن خشفة. فِي مَوضِع الْبَيْت كَأَنَّهَا قبَّة، فدحى الله الأَرْض من تحتهَا فمادت ثمَّ مادت فأوتدها بالجبال، وَكَانَ أول جبل وضع فِيهَا أَبُو قبيس فَلذَلِك سميت مَكَّة أم الْقرى. وَفِي رِوَايَة: خلق الله مَوضِع الْبَيْت قبل أَن يخلق الأَرْض بألفي سنة، وَإِن قَوَاعِده لفي الأَرْض السَّابِعَة السُّفْلى. وَأجْمع الْعلمَاء على أَن الْكَعْبَة أول بَيت وضع للعباد، وَاخْتلفُوا هَل هُوَ
[ ٢٥ ]
أول بَيت وضع لغَيْرهَا أم لَا؟ فَقيل: كَانَت قبله بيُوت. وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَنه أول بَيت وضع مُطلقًا. وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الْبَيْت الْمَعْمُور الَّذِي فِي السَّمَاء يُقَال لَهُ: الضراح، وَهُوَ على الْبَيْت الْحَرَام لَو سقط سقط عَلَيْهِ يعمره كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك لم يروه قطّ، وَإِن فِي السَّمَاء السَّابِعَة حرما على قدر حرمه ". رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وَفِي رِوَايَة " يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف دحْيَة مَعَ كل دحْيَة سَبْعُونَ ألف ملك ". والدحية: رَئِيس الْجند، والضراح بالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقيل بِالْمُهْمَلَةِ مَضْمُومَة بعْدهَا رَاء ثمَّ ألف حاء ثمَّ حاء مُهْملَة، وَقَالَ مُجَاهِد: الْبَيْت الْمَعْمُور يَعْنِي بالضاد هُوَ الضريح بِالْمُعْجَمَةِ، والضريح فِي اللُّغَة الْبعيد. وَعَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " هَذَا الْبَيْت خَامِس خَمْسَة عشر بَيْتا، سَبْعَة مِنْهَا فِي السَّمَاء إِلَى الْعَرْش، وَسَبْعَة مِنْهَا إِلَى تخوم الأَرْض، وأعلاها الَّذِي يَلِي الْعَرْش الْبَيْت الْمَعْمُور، لكل بَيت مِنْهَا حرم كحرم هَذَا الْبَيْت، لَو سقط مِنْهَا بَيت لسقط بَعْضهَا إِلَى تخوم الأَرْض السُّفْلى، وَلكُل بَيت من أهل السَّمَاء وَمن أهل الأَرْض من يعمره، كَمَا يعمر هَذَا الْبَيْت ".