وَهَذِه الْأَمَاكِن مَسَاجِد ودور وجبال ومقابر. والمساجد أَكثر من غَيرهَا إِلَّا أَن بعض الْمَسَاجِد اشْتهر باسم المولد، وَبَعضهَا باسم الدَّار، وَسَنذكر كلا مِنْهَا على حِدة، أما مَا اشْتهر باسم الْمَسْجِد فَمن ذَلِك: مَسْجِد بِقرب المجزرة الْكَبِيرَة من أَعْلَاهَا على يَمِين الهابط إِلَى مَكَّة ويسار الصاعد مِنْهَا يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ الْمغرب على مَا هُوَ مَكْتُوب فِي حجرين بِهَذَا الْمَسْجِد؛ أَحدهمَا بِخَط عبد الرَّحْمَن بن أبي حرمى وَفِيه: أَنه عمر فِي رَجَب سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة، وَفِي الآخر: أَنه عمر فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة. وَذكر الْأَزْرَقِيّ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يسْتَحبّ فِيهَا الصَّلَاة بِمَكَّة مِنْهَا: مَسْجِد بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد سوق الْغنم عِنْد قرن " مقلة " قَالَ: ويزعمون أَن عِنْده بَايع النَّبِي رَسُول الله ﷺ النَّاس بِمَكَّة يَوْم الْفَتْح. انْتهى. وَزعم بعض أهل الْعَصْر أَن هَذَا الْمَسْجِد الَّذِي ذكره الْأَزْرَقِيّ هُوَ الَّذِي
[ ١٧٩ ]
ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا توهم هَذَا؛ لِأَن الْمَسْجِد الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ بلحف جبل وَعِنْده الْآن سوق الْغنم، وَقيل: لَيْسَ هَذَا التَّوَهُّم صَحِيحا؛ لِأَن الْجَبَل الَّذِي عِنْده هَذَا الْمَسْجِد هُوَ المشرف على الْمَرْوَة، وَيُسمى جبل الديلم كَمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ، وَهُوَ فِي شقّ معلا مَكَّة الشَّامي، وَأما قرن مقلة الَّذِي ذكره الْأَزْرَقِيّ فقد ذكره فِي شقّ معلا مَكَّة الْيَمَانِيّ. وَالله أعلم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ فِي تَعْرِيف قرن مقلة: هُوَ قرن قد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة بِأَعْلَى مَكَّة قَالَ: " ومقلة " رجل كَانَ يسكنهُ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَعَن ابْن جريج قَالَ: لما كَانَ يَوْم فتح مَكَّة جلس رَسُول الله ﷺ على قرن " مقلة " فَجَاءَهُ النَّاس يبايعونه بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد سوق الْغنم. وَمن ذَلِك مَسْجِد فَوْقه بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد الرَّدْم عِنْد بِئْر جُبَير بن مطعم يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وَهُوَ يعرف الْيَوْم بِمَسْجِد الرَّايَة كَمَا ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَقد بناه عبد الله بن عبيد الله بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس ﵃ وعمره المعتصم بِاللَّه العباسي فِي شعْبَان سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة، وعمره فِي زَمَاننَا الْأَمِير قطلبك الحامي المنجلي عِمَارَته الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآن فِي أَوَائِل سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة. وَمن ذَلِك مَسْجِد بسوق اللَّيْل بِقرب مولد النَّبِي ﷺ يُقَال لَهُ: المختبى، يزوره النَّاس كثيرا فِي صَبِيحَة الْيَوْم الثَّانِي عشر من شهر ربيع الأول من كل سنة، وَلم أر أحدا تعرض لذكره، وَلَا يعرف شَيْئا من أخباره وَمن ذَلِك مَسْجِد بِأَسْفَل مَكَّة ينْسب لأبي بكر الصّديق، وَيُقَال: إِنَّه من دَاره الَّتِي هَاجر مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة. وَمن ذَلِك مَسَاجِد خَارج مَكَّة من أَعْلَاهَا من ذَلِك مَسْجِد بِأَعْلَى مَكَّة يُقَال لَهُ:
[ ١٨٠ ]
مَسْجِد الْجِنّ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أهل مَكَّة مَسْجِد الحرس وعرفه الْأَزْرَقِيّ بِأَنَّهُ مُقَابل للحجون بِأَعْلَى مَكَّة وَأَنت مصعد على يَمِينك وَإِنَّمَا سمي مَسْجِد الحرس؛ لِأَن صَاحب الحرس كَانَ يطوف بِمَكَّة حَتَّى إِذا انْتهى إِلَيْهِ وقف عِنْده وَلم يجز حَتَّى يتوافى عِنْده عرفاؤه وحرسه يأتونه من شعب عَامر، وَإِذا توافوا عِنْده رَجَعَ منحدرًا إِلَى مَكَّة قَالَ: وَهُوَ فِيمَا يُقَال لَهُ: مَوضِع الْخط الَّذِي خطّ رَسُول الله ﷺ لِابْنِ مَسْعُود لَيْلَة اسْتمع عَلَيْهِ الْجِنّ، قَالَ: وَهُوَ يُسمى مَسْجِد الْبيعَة. يُقَال: إِن الْجِنّ بَايعُوا النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك الْموضع. وَمن ذَلِك مَسْجِد يُقَال لَهُ: مَسْجِد الشَّجَرَة بِأَعْلَى مَكَّة مُقَابل مَسْجِد الْجِنّ. يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ دَعَا شَجَرَة كَانَت فِي مَوْضِعه وَهُوَ فِي مَسْجِد الْجِنّ يسْأَلهَا عَن شَيْء فَأَقْبَلت تخط بأصولها وعروقها الأَرْض حَتَّى وقفت بَين يَدَيْهِ، فَسَأَلَهَا عَمَّا يُرِيد ثمَّ أمرهَا فَرَجَعت حَتَّى انْتَهَت إِلَى موضعهَا. وَمن ذَلِك الْمَسْجِد الَّذِي يُقَال لَهُ: مَسْجِد الْإِجَابَة على يسَار الذَّاهِب إِلَى منى فِي شعب بِقرب ثنية إذاخر، وَهُوَ مَسْجِد مَشْهُور عِنْد أهل مَكَّة. يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ وَهَذَا الْمَسْجِد الْآن منخرب جدا وجدرانه سَاقِطَة إِلَّا القبلى، وَفِيه حجر مَكْتُوب فِيهِ إِنَّه مَسْجِد الْإِجَابَة، وَإنَّهُ عمر فِي سنة عشْرين وَسَبْعمائة. وَمن ذَلِك الْمَسْجِد الَّذِي يُقَال لَهُ: مَسْجِد الْبيعَة. وَهِي الْبيعَة الَّتِي بَايع رَسُول الله ﷺ فِيهِ الْأَنْصَار بِحَضْرَة عَمه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب على مَا ذكره أهل السّير وَهَذَا الْمَسْجِد بِقرب الْعقبَة الَّتِي هِيَ حد منى من جِهَة مَكَّة، وَهُوَ وَرَاء الْعقبَة بِيَسِير إِلَى مَكَّة فِي شعب على يسَار الذَّاهِب إِلَى منى، وَفِيه حجران مَكْتُوب فِي أَحدهمَا إِن الْمَنْصُور العباسي أَمر ببنيان هَذَا الْمَسْجِد مَسْجِد الْبيعَة الَّتِي كَانَت أول بيعَة بَايع بهَا رَسُول الله ﷺ، وَفِي الآخر ذكر أَنه مَسْجِد الْبيعَة، وَأَنه بنى فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وعمره بعد ذَلِك الْمُسْتَنْصر العباسي فِي سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة، وَهُوَ الْآن منخرب جدا. وَمن ذَلِك مَسْجِد بمنى عِنْد الدَّار الْمَعْرُوفَة بدار النَّحْر بَين الْجَمْرَة الأولى وَالْوُسْطَى على يَمِين الصاعد إِلَى عَرَفَة، يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ الضُّحَى وَنحر هَدْيه على مَا هُوَ مَوْجُود فِي حجر فِيهِ مَكْتُوب ذَلِك، وَفِيه أَن الْملك قطب الدّين أَبَا بكر بن
[ ١٨١ ]
الْملك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن أَمر بعمارته فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة. وَمن ذَلِك الْمَسْجِد الَّذِي يُقَال لَهُ، مَسْجِد الْكَبْش بمنى على يسَار الصاعد إِلَى عَرَفَة " بلحف ثبير "، وَهُوَ مَشْهُور بمنى، والكبش الَّذِي نسب هَذَا الْمَسْجِد إِلَيْهِ هُوَ الْكَبْش الَّذِي فدي بِهِ إِسْمَاعِيل أَو إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَذكر الفاكهي خَبرا عَن عَليّ يَقْتَضِي أَن هَذَا الْكَبْش نحر بَين الْجَمْرَتَيْن بمنى، وَيُؤَيّد هَذَا مَا ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَن إِبْرَاهِيم نحر الْكَبْش فِي المنحر الَّذِي ينْحَر فِيهِ الْخُلَفَاء الْيَوْم. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَذَلِكَ فِي سفح الْجَبَل الْمُقَابل لَهُ يَعْنِي: الْمُقَابل لثبير وَأَشَارَ الْمُحب بذلك إِلَى الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ الْيَوْم دَار النَّحْر بمنى فَإِن أمامها ينْحَر هدى صَاحب الْيمن، وَهُوَ بِقرب الْمَسْجِد الَّذِي تقدم ذكره قبل هَذَا الْمَسْجِد. وَمن ذَلِك مَسْجِد الْخيف وَهُوَ مَسْجِد مَشْهُور عَظِيم الْفضل، تقدّمت فضائله فِي كتاب الْمَنَاسِك، وَتقدم تَعْرِيف مَوضِع مصلى رَسُول الله ﷺ، وَأَنه الْأَحْجَار الَّتِي بَين يَدي المنارة وَهَذَا الْموضع مَعْرُوف عِنْد النَّاس إِلَى الْآن. وَذكر الْأَزْرَقِيّ صفته وذرعه وَعدد أبوابه. والمنارة الَّتِي فِيهَا الْآن عمرها الْملك المظفر صَاحب الْيمن فِي سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة وفيهَا عمر مَا تشعث من مَسْجِد الْخيف، وَمِمَّنْ عمره وَالِد
[ ١٨٢ ]
الْخَلِيفَة العباسي النَّاصِر واسْمه مَكْتُوب على بَابه الْكَبِير، وعمره من قبل ذَلِك الْجواد وَزِير صَاحب الْموصل، وعمره فِي سنة عشْرين وَسَبْعمائة تَاجر دمشقي يُقَال لَهُ ابْن الْمرْجَانِي بأزيد من عشْرين ألف دِرْهَم وَعمر فِيهِ بعد ذَلِك مَوَاضِع وَهُوَ الْآن كثيرا تشعث. وَمن ذَلِك مَسْجِد عَن يَمِين الْموقف يعرف بِمَسْجِد إِبْرَاهِيم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَلَيْسَ هُوَ بِمَسْجِد عَرَفَة الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الإِمَام بِعَرَفَة. وَمن ذَلِك مَسْجِد التَّنْعِيم حَيْثُ أَمر رَسُول الله ﷺ عبد الرَّحْمَن يعمر عَائِشَة مِنْهُ، وَتقدم بِعَرَفَة فِي الْبَاب الرَّابِع عشر. وَمن ذَلِك مَسْجِد بِذِي طوى نزل هُنَالك رَسُول الله ﷺ حِين اعْتَمر وَحين حج تَحت سَمُرَة فِي مَوضِع الْمَسْجِد قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " المثير ": وبنته زبيدة. وَمن ذَلِك مَسْجِد بأجياد، وَفِيه مَوضِع يُقَال لَهُ المتكئ يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ اتكئ هُنَاكَ ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ والأزرقي، وَقَالَ: سَمِعت جدي أَحْمد بن مُحَمَّد ويوسف بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يسألان عَن المتكئ وَهل صَحَّ عِنْدهمَا أَن النَّبِي ﷺ اتكئ فِيهِ؟ فرأيتهما ينكران ذَلِك، ويقولان: لم نسْمع بِهِ من ثَبت. قَالَ: قَالَ جدي: سَمِعت جمَاعَة من أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن أَمر المتكئ لَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدهم، بل يضعفونه غير أَنهم يثبتون أَن النَّبِي ﷺ صلى بأجياد الصَّغِير لَا يثبت ذَلِك الْموضع وَلَا يُوقف عَلَيْهِ. قَالَ: وَلم أسمع أحدا من أهل مَكَّة يثبت أَمر المتكئ. وَمن ذَلِك مَسْجِد على جبل أبي قبيس يُقَال لَهُ: مَسْجِد إِبْرَاهِيم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: سَمِعت يُوسُف بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يسْأَل عَنهُ هَل هُوَ مَسْجِد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇؟ فرأيته يُنكر ذَلِك وَيَقُول: إِنَّمَا قيل هَذَا حَدِيثا من الدَّهْر، وَلم أسمع أحدا من أهل الْعلم يُثبتهُ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَسَأَلت جدي عَنهُ فَقَالَ لي: مَتى بنى هَذَا الْمَسْجِد؟ إِنَّمَا بنى حَدِيثا من الدَّهْر. وَلَقَد سَمِعت بعض أهل الْعلم من أهل مَكَّة يسْأَل عَنهُ
[ ١٨٣ ]
أهل الْمَسْجِد مَسْجِد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن فينكر ذَلِك، وَيَقُول: هَل هُوَ مَسْجِد إِبْرَاهِيم القبيسي إِنْسَان كَانَ فِي جبل أبي قبيس يسْأَل عِنْده. انْتهى. وَمن ذَلِك مَسْجِد بِقرب مَسْجِد الْخيف من جَانِبه يعرف بِمَسْجِد المرسلات، فِيهِ نزل على النَّبِي ﷺ سُورَة المرسلات، وَفِيه غَار وَهُوَ مَشْهُور الْيَوْم بمنى خلف مَسْجِد الْخيف، أَسْفَل الْجَبَل مِمَّا يَلِي الْيمن، كَذَلِك يأثره الْخلف عَن السّلف. وَقد تقدم ذكره فِي الْكتاب الْمَشْهُور. وَمن ذَلِك مَسْجِد الْجِعِرَّانَة أحرم رَسُول الله ﷺ من هُنَالك. وَتقدم ذكره فِي الْبَاب الرَّابِع عشر من الْمَنَاسِك. وَمن ذَلِك مَسْجِد يُقَال لَهُ: مَسْجِد الْفَتْح بِقرب الجموم من وَادي مر يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وعمّر هَذَا الْمَسْجِد أَبُو نمى صَاحب مَكَّة على مَا ذكر، ثمَّ السَّيِّد حناش بن رَاجِح، وبيضه فِي عصرنا وَرفع أبوابه السَّيِّد الشريف حسن بن عجلَان صَاحب مَكَّة، وَذكر الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخه مَسَاجِد أخر غير مَعْرُوفَة الْآن فاختصرناها. لَهُ المتكئ يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ اتكئ هُنَاكَ ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ والأزرقي، وَقَالَ: سَمِعت جدي أَحْمد بن مُحَمَّد ويوسف بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يسألان عَن المتكئ وَهل صَحَّ عِنْدهمَا أَن النَّبِي ﷺ اتكئ فِيهِ؟ فرأيتهما ينكران ذَلِك، ويقولان: لم نسْمع بِهِ من ثَبت. قَالَ: قَالَ جدي: سَمِعت جمَاعَة من أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن أَمر المتكئ لَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدهم، بل يضعفونه غير أَنهم يثبتون أَن النَّبِي ﷺ صلى بأجياد الصَّغِير لَا يثبت ذَلِك الْموضع وَلَا يُوقف عَلَيْهِ. قَالَ: وَلم أسمع أحدا من أهل مَكَّة يثبت أَمر المتكئ. وَمن ذَلِك مَسْجِد على جبل أبي قبيس يُقَال لَهُ: مَسْجِد إِبْرَاهِيم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: سَمِعت يُوسُف بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يسْأَل عَنهُ هَل هُوَ مَسْجِد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇؟ فرأيته يُنكر ذَلِك وَيَقُول: إِنَّمَا قيل هَذَا حَدِيثا من الدَّهْر، وَلم أسمع أحدا من أهل الْعلم يُثبتهُ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَسَأَلت جدي عَنهُ فَقَالَ لي: مَتى بنى هَذَا الْمَسْجِد؟ إِنَّمَا بنى حَدِيثا من الدَّهْر. وَلَقَد سَمِعت بعض أهل الْعلم من أهل مَكَّة يسْأَل عَنهُ أهل الْمَسْجِد مَسْجِد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن فينكر ذَلِك، وَيَقُول: هَل هُوَ مَسْجِد إِبْرَاهِيم القبيسي إِنْسَان كَانَ فِي جبل أبي قبيس يسْأَل عِنْده. انْتهى. وَمن ذَلِك مَسْجِد بِقرب مَسْجِد الْخيف من جَانِبه يعرف بِمَسْجِد المرسلات، فِيهِ نزل على النَّبِي ﷺ سُورَة المرسلات، وَفِيه غَار وَهُوَ مَشْهُور الْيَوْم بمنى خلف مَسْجِد الْخيف، أَسْفَل الْجَبَل مِمَّا يَلِي الْيمن، كَذَلِك يأثره الْخلف عَن السّلف. وَقد تقدم ذكره فِي الْكتاب الْمَشْهُور. وَمن ذَلِك مَسْجِد الْجِعِرَّانَة أحرم رَسُول الله ﷺ من هُنَالك. وَتقدم ذكره فِي الْبَاب الرَّابِع عشر من الْمَنَاسِك. وَمن ذَلِك مَسْجِد يُقَال لَهُ: مَسْجِد الْفَتْح بِقرب الجموم من وَادي مر يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وعمّر هَذَا الْمَسْجِد أَبُو نمى صَاحب مَكَّة على مَا ذكر، ثمَّ السَّيِّد حناش بن رَاجِح، وبيضه فِي عصرنا وَرفع أبوابه السَّيِّد الشريف حسن بن عجلَان صَاحب مَكَّة، وَذكر الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخه مَسَاجِد أخر غير مَعْرُوفَة الْآن فاختصرناها. وَأما الْمَوَاضِع الْمُبَارَكَة بِمَكَّة الْمَعْرُوفَة بالمواليد: فَاعْلَم أَن هَذِه الْمَوَاضِع مَسَاجِد لَكِنَّهَا مَشْهُورَة عِنْد النَّاس باسم المواليد فأفردت عَن الْمَسَاجِد بِالذكر لهَذَا الْمَعْنى، وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مولد النَّبِي ﷺ وَهُوَ عِنْد أهل مَكَّة مَشْهُور فِي الْموضع الْمَعْرُوف بسوق اللَّيْل. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: الْبَيْت الَّذِي ولد فِيهِ رَسُول الله ﷺ هُوَ فِي دَار مُحَمَّد بن يُوسُف، كَانَ عقيل بن أبي طَالب أَخذه حِين هَاجر النَّبِي ﷺ وَفِيه فِي غَيره يَقُول النَّبِي ﷺ عَام حجَّة الْوَدَاع " وَهل ترك لنا عقيل من ظلّ؟ " فَلم يزل بِيَدِهِ وبيد وَلَده حَتَّى بَاعه وَلَده من
[ ١٨٤ ]
مُحَمَّد بن يُوسُف أَخ الْحجَّاج فَأدْخلهُ فِي دَاره الَّتِي يُقَال لَهَا الْبَيْضَاء ثمَّ تعرف بدار ابْن يُوسُف، فَلم يزل ذَلِك الْبَيْت فِي الدَّار حَتَّى حجت الخيزران أم الخليفتين مُوسَى الْهَادِي وَهَارُون الرشيد فَجَعَلته مَسْجِدا تصلي فِيهِ وأخرجته من الدَّار، وأشرعته فِي الزقاق الَّذِي على أصل تِلْكَ الدَّار يُقَال لَهُ: زقاق المولد. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: سَمِعت جدي ويوسف بن مُحَمَّد يثبتان أَمر المولد وَأَنه ذَلِك الْبَيْت لَا اخْتِلَاف فِيهِ عِنْد أهل مَكَّة، وَعَن سُلَيْمَان بن أبي مرحب مولى بني جشم قَالَ: حَدثنِي نَاس كَانُوا يسكنون ذَلِك الْبَيْت قبل أَن تنزعه الخيزران من الدَّار ثمَّ انتقلوا عَنهُ حِين جعل مَسْجِدا، قَالُوا: لَا وَالله مَا أَصَابَنَا فِيهِ جَائِحَة وَلَا حَاجَة فأخرجنا مِنْهُ فَاشْتَدَّ الزَّمَان علينا. رَوَاهُ الْأَزْرَقِيّ. وَمَوْضِع سقطه ﷺ فِي هَذَا الْمَسْجِد مَعْرُوف حَتَّى الْآن، وَهُوَ مَوضِع مثل التَّنور الصَّغِير. قَالَ السُّهيْلي: ولد بِالشعبِ وَقيل: بِالدَّار الَّتِي عِنْد الصَّفَا، وَكَانَت بعد لمُحَمد بن يُوسُف أَخ الْحجَّاج ثمَّ بنتهَا زبيدة مَسْجِدا حِين حجت. انْتهى. وَهَذَا غَرِيب وَأغْرب من هَذَا مَا قيل: إِن النَّبِي ﷺ ولد بالردم. وَقيل: بعسفان. ذكر هذَيْن الْقَوْلَيْنِ مغلطاي فِي سيرته. وَالْمرَاد بالردم: دور بني جمح بِمَكَّة على مَا ذكر الْبكْرِيّ، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الرَّدْم الَّذِي بِأَعْلَى مَكَّة؛ لِأَن ذَلِك لم يكن إِلَّا فِي خلَافَة عمر ﵁، وَالْمَعْرُوف من مَوضِع مولده ﷺ مَا سبق. وَمِمَّنْ عمّر هَذَا الْبَيْت الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا النَّاصِر العباسي سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة، ثمَّ المظفر صَاحب الْيمن فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة، ثمَّ حفيده الْملك الْمُجَاهِد عَليّ بن الْمُؤَيد سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَبعد ذَلِك غير مرّة. وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مولد عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهَذَا الْموضع مَشْهُور عِنْد النَّاس بِقرب مولد النَّبِي ﷺ بِأَعْلَى الشّعب الَّذِي فِيهِ المولد وَلم يذكرهُ الْأَزْرَقِيّ، وَذكره ابْن جُبَير. وعَلى بَابه حجر مَكْتُوب فِيهِ هَذَا مولد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب، وَفِيه ربى رَسُول الله ﷺ، وَفِي الْحجر مَكْتُوب إِن النَّاصِر العباسي أَمر بِعَمَلِهِ فِي سنة ثَمَان وسِتمِائَة. وَقيل: ولد عَليّ بن أبي طَالب فِي جَوف الْكَعْبَة. وَهَذَا ضَعِيف عِنْد الْعلمَاء
[ ١٨٥ ]
كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي " تَهْذِيب الْأَسْمَاء ". وَالْمَعْرُوف مَا قدمْنَاهُ. وَفِي هَذَا الْبَيْت مَوضِع مثل التَّنور يُقَال: إِنَّه مسْقط رَأس عَليّ بن أبي طَالب. قَالَ سعد الدّين الإسفرائيني فِي كتاب " زبدة الْأَعْمَال ": وَفِي جِدَاره فِي الزاوية حجر مركب يُقَال: كَانَ هَذَا الْحجر يكلم النَّبِي ﷺ وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مَوضِع حَمْزَة بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ وَهُوَ بِأَسْفَل مَكَّة بِقرب بَاب الماجن عِنْد عين باذان. وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مولد عمر بن الْخطاب ﵁ فِي الْجَبَل الَّذِي تسميه أهل مَكَّة النوبى بِأَسْفَل مَكَّة. وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مولد جَعْفَر بن أبي طَالب فِي الدَّار الْمَعْرُوفَة بدار أبي سعيد عِنْد دَار العجلة، وعَلى بَابه حجر مَكْتُوب فِيهِ: هَذَا مولد جَعْفَر الصَّادِق ودخله النَّبِي ﷺ، وَفِيه أَن بعض المجاورين عمره فِي صفر سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة. وَأما الدّور الْمُبَارَكَة بِمَكَّة: فَاعْلَم أَن بِمَكَّة دورًا مباركة مَعْرُوفَة عِنْد النَّاس غالبها مَسَاجِد، وَلكنهَا اشتهرت بالدور عِنْد أهل مَكَّة فَلذَلِك أفردناها بِالذكر عَن الْمَسَاجِد. مِنْهَا: دَار أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة ﵂ بالزقاق الْمَعْرُوف بزقاق الْحجر، وَيُقَال لَهُ قَدِيما: زقاق العطارين كَمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ. وَيُقَال لهَذِهِ الدَّار: مولد فَاطِمَة ﵂ لِأَن فِيهَا ولدت. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ يسكنهَا رَسُول الله ﷺ وَخَدِيجَة، وفيهَا ابْنَتي بخديجة، وَولدت فِيهَا أَوْلَادهَا جَمِيعًا، وفيهَا توفيت، فَلم يزل النَّبِي ﷺ فِيهَا سَاكِنا حَتَّى خرج إِلَى الْمَدِينَة مُهَاجرا، فَأَخذهَا عقيل بن أبي طَالب، واشتراها مِنْهُ مُعَاوِيَة وَهُوَ خَليفَة فَجَعلهَا مَسْجِدا يصلى فِيهِ وبناها بناءها هَذَا، وَفتح مُعَاوِيَة فِيهَا بَابا من دَار أبي سُفْيَان بن حَرْب وَهُوَ قَائِم إِلَى الْيَوْم وَهِي الدَّار الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُول الله ﷺ: " من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن ". قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَفِي بَيت خَدِيجَة ﵂
[ ١٨٦ ]
هَذَا صفيحة من حجر مَبْنِيّ عَلَيْهَا فِي الْجدر جدر الْبَيْت الَّذِي يسكنهُ النَّبِي ﷺ قد اتخذ قُدَّام الصفيحة مَسْجِدا، وَهَذِه الصفيحة مُسْتَقلَّة فِي الْجدر من الأَرْض قدر مَا يجلس تحتهَا الرجل، وذرعها ذِرَاع فِي ذِرَاع وشبر. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: سَأَلت جدي ويوسف بن مُحَمَّد وَغَيرهمَا من أهل الْعلم من أهل مَكَّة عَن هَذِه الصفيحة وَلم جعلت هُنَاكَ، وَقلت لَهُم: إِنِّي أسمع النَّاس يَقُولُونَ: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يجلس تَحت تِلْكَ الصفيحة فيستدرى بهَا من الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ إِذا جَاءَهُ من دَار أبي لَهب وَدَار عدي بن أبي الْحَمْرَاء الثَّقَفِيّ، فأنكروا ذَلِك وَقَالُوا: لم نسْمع بِهَذَا من ثَبت، وَلَقَد سمعنَا من يذكرهَا من أهل الْعلم فَأصْبح مَا انْتهى إِلَيْنَا من خبر ذَلِك أَن أهل مَكَّة كَانُوا يتخذون فِي بُيُوتهم صَفَائِح من حِجَارَة تكون شبه الرفاف، يوضع عَلَيْهَا الْمَتَاع وَالشَّيْء من الصبى والداجن يكون فِي الْبَيْت، فَقل بَيت يَخْلُو من تِلْكَ الرفاف. انْتهى. وغالب هَذِه الدَّار الْآن على صفة الْمَسْجِد وفيهَا قبَّة يُقَال لَهَا: قبَّة الْوَحْي. قَالَ سعد الدّين الإسفرائيني وَفِي هَذِه الْقبَّة حُفْرَة عِنْد الْبَاب يَقُول: كَانَ يجلس النَّبِي ﷺ فِيهَا وَقت نزُول الْوَحْي جِبْرِيل ﵇ يجلس فِي محراب الْقبَّة. انْتهى. وَإِلَى جنبها مَوضِع يزوره النَّاس مَعهَا يسمونه المختبئ، ويتصل بِهَذِهِ الْقبَّة أَيْضا الْموضع الَّذِي ولدت فِيهِ فَاطِمَة ﵂. قَالَ سعد الدّين الإسفرائيني: وَفِي بَيت من بيُوت هَذِه الدَّار حُفْرَة مثل التَّنور يَقُولُونَ: إِنَّهَا مسْقط رَأس فَاطِمَة ﵂ قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: هَذِه الدَّار أفضل الْأَمَاكِن بعد الْمَسْجِد الْحَرَام. وَمِمَّنْ عمرها النَّاصِر العباسي، وَعمر مِنْهَا شَيْء فِي دولة الْملك الْأَشْرَف شعْبَان صَاحب مصر، وَفِي أول دولة الْملك النَّاصِر فرج صَاحب مصر، وَمِمَّا عمر فِي دولته قبَّة الْوَحْي بعد سُقُوطهَا، وَيذكر أَن الْقبَّة الَّتِي كَانَت قبل هَذِه الْقبَّة من عمَارَة الْملك المظفر صَاحب الْيمن، وَفِي الرواق الْمُقدم من هَذِه الدَّار مَكْتُوب: إِن المقتدر العباسي أَمر بِعَمَلِهِ، وَإِلَى جَانب هَذِه الدَّار حوش كَبِير عمره النَّاصِر العباسي، وَوَقفه على مصَالح دَار خَدِيجَة ﵂ على مَا هُوَ مَوْجُود فِي حجر مَكْتُوب فِيهِ ذَلِك على بَاب الحوش، وَفِيه أَيْضا إِن هَذَا الْموضع مربد فَاطِمَة ﵂. وَمِنْهَا: دَار أبي بكر الصّديق بزقاق الْحجر وَيُقَال لَهُ: زقاق الْمرْفق أَيْضا، وَهَذِه الدَّار مَعْرُوفَة مَشْهُورَة، وعَلى
[ ١٨٧ ]
بَابهَا حجر مَكْتُوب فِيهِ: إِنَّهَا دَار أبي بكر الصّديق ﵁ وَإِنَّهَا عمرت بِأَمْر الْأَمِير الْكَبِير نور الدّين عمر بن عَليّ بن رَسُول الْملك المَسْعُودِيّ فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، ويقابل هَذِه الدَّار حجر فِي جِدَار يُقَال: إِنَّه الَّذِي كلم النَّبِي ﷺ على مَا ذكره ابْن رشيد بِضَم الرَّاء فِي رحلته نقلا عَن الْعلم أَحْمد بن أبي بكر بن خَلِيل الْعَسْقَلَانِي، عَن عَمه سُلَيْمَان بن خَلِيل، عَن ابْن أبي الصَّيف عَن الميانشي عَن كل من لقِيه بِمَكَّة، وَذكر ذَلِك ابْن جُبَير وَالنَّاس يتبركون بمسح هَذَا الْحجر إِلَى الْآن. وَذكر سعد الدّين الإسفرائيني فِي كتاب " زبدة الْأَعْمَال ": أَن أهل مَكَّة يَمْشُونَ فِي المواليد من دَار خَدِيجَة إِلَى مَسْجِد يَقُولُونَ: إِنَّه كَانَ دكان أبي بكر الصّديق ﵁ كَانَ يَبِيع فِيهِ الْخَزّ، وَأسلم فِيهِ على يَد عُثْمَان بن عَفَّان وَطَلْحَة بن الزبير وَغَيرهم من الصَّحَابَة قَالَ وَفِي جِدَار هَذَا الدّكان أثر مرفق رَسُول الله ﷺ يرْوى: أَنه جَاءَ دكان أبي بكر ذَات يَوْم واتكئ على هَذَا الْجِدَار ونادى بِأبي بكر مرَّتَيْنِ. قَالَ: وَفِي هَذَا الزقاق حجر مركب على جِدَار يزوره النَّاس وَيَقُولُونَ: هَذَا الْحجر سلم على رَسُول الله ﷺ ليَالِي بعث. انْتهى. وروى التِّرْمِذِيّ وَمُسلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن ينزل على ". قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وَفِي بعض المسندات زِيَادَة أَن هَذَا الْحجر الَّذِي كَانَ يسلم عَلَيْهِ هُوَ الْحجر الْأسود. قَالَ: وَهَذَا التَّسْلِيم الْأَظْهر فِيهِ أَن يكون حَقِيقَة، وَأَن يكون الله أنطقه إنطاقًا كَمَا خلق الحنين فِي الْجذع، وَلَيْسَ من شَرط الْكَلَام الَّذِي هُوَ حرف وَصَوت الْحَيَاة وَالْعلم والإرادة؛ لِأَنَّهُ صَوت كَسَائِر الْأَصْوَات، وَالصَّوْت عرض فِي قَول الْأَكْثَرين، وَلم يُخَالف فِيهِ إِلَّا النظام فَإِنَّهُ زعم أَنه جسم وَجعله الْأَشْعَرِيّ اصطكاكًا فِي الْجَوَاهِر بَعْضهَا لبَعض فَهُوَ عِنْده من الأكوان وَقَالَ أَبُو بكر بن الطّيب: لَيْسَ الصَّوْت نفس الاصطكاك وَلكنه معنى زَائِد عَلَيْهِ. قَالَ السُّهيْلي: وَلَو قَدرنَا الْكَلَام صفة قَائِمَة بِنَفس الْحجر، وَالصَّوْت عبارَة عَنهُ، لم يكن بُد من اشْتِرَاط الْحَيَاة وَالْعلم مَعَ الْكَلَام، وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ، أَكَانَ كلَاما مَقْرُونا بحياة وَعلم، فَيكون الْحجر بِهِ مُؤمنا، أم كَانَ صَوتا
[ ١٨٨ ]
مُجَردا غير مقرون بحياة؟ وَفِي كلا الْوَجْهَيْنِ هُوَ علم من أَعْلَام النُّبُوَّة. وَأما حنين الْجذع فقد سمي حنينًا، وَحَقِيقَة الحنين تَقْتَضِي شَرط الْحَيَاة، وَيحْتَمل تَسْلِيم الْحِجَارَة أَن يكون مُضَافا فِي الْحَقِيقَة إِلَى مَلَائِكَة يسكنون تِلْكَ الْأَمَاكِن ويعمرونها فَيكون مجَازًا من بَاب قَوْله: " واسأل الْقرْيَة ". وَالْأول أظهر. انْتهى كَلَامه. الزقاق حجر مركب على جِدَار يزوره النَّاس وَيَقُولُونَ: هَذَا الْحجر سلم على رَسُول الله ﷺ ليَالِي بعث. انْتهى. وروى التِّرْمِذِيّ وَمُسلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن ينزل على ". قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وَفِي بعض المسندات زِيَادَة أَن هَذَا الْحجر الَّذِي كَانَ يسلم عَلَيْهِ هُوَ الْحجر الْأسود. قَالَ: وَهَذَا التَّسْلِيم الْأَظْهر فِيهِ أَن يكون حَقِيقَة، وَأَن يكون الله أنطقه إنطاقًا كَمَا خلق الحنين فِي الْجذع، وَلَيْسَ من شَرط الْكَلَام الَّذِي هُوَ حرف وَصَوت الْحَيَاة وَالْعلم والإرادة؛ لِأَنَّهُ صَوت كَسَائِر الْأَصْوَات، وَالصَّوْت عرض فِي قَول الْأَكْثَرين، وَلم يُخَالف فِيهِ إِلَّا النظام فَإِنَّهُ زعم أَنه جسم وَجعله الْأَشْعَرِيّ اصطكاكًا فِي الْجَوَاهِر بَعْضهَا لبَعض فَهُوَ عِنْده من الأكوان وَقَالَ أَبُو بكر بن الطّيب: لَيْسَ الصَّوْت نفس الاصطكاك وَلكنه معنى زَائِد عَلَيْهِ. قَالَ السُّهيْلي: وَلَو قَدرنَا الْكَلَام صفة قَائِمَة بِنَفس الْحجر، وَالصَّوْت عبارَة عَنهُ، لم يكن بُد من اشْتِرَاط الْحَيَاة وَالْعلم مَعَ الْكَلَام، وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ، أَكَانَ كلَاما مَقْرُونا بحياة وَعلم، فَيكون الْحجر بِهِ مُؤمنا، أم كَانَ صَوتا مُجَردا غير مقرون بحياة؟ وَفِي كلا الْوَجْهَيْنِ هُوَ علم من أَعْلَام النُّبُوَّة. وَأما حنين الْجذع فقد سمي حنينًا، وَحَقِيقَة الحنين تَقْتَضِي شَرط الْحَيَاة، وَيحْتَمل تَسْلِيم الْحِجَارَة أَن يكون مُضَافا فِي الْحَقِيقَة إِلَى مَلَائِكَة يسكنون تِلْكَ الْأَمَاكِن ويعمرونها فَيكون مجَازًا من بَاب قَوْله: " واسأل الْقرْيَة ". وَالْأول أظهر. انْتهى كَلَامه. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه فِي ذكر تَسْلِيم الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ ﷺ عَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عليّ قبل أَن أبْعث، وَإِنِّي لأعرفه الْآن ". أخرجه مُسلم وَأَبُو حَاتِم، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: " كَانَ يسلم عليّ ليَالِي بعثت ". وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَقَالَ عِيَاض: قيل: إِنَّه الْحجر الْأسود. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَالظَّاهِر أَنه غَيره، فَإِن شَأْن الْحجر الْأسود عَظِيم، وَلَو كَانَ إِيَّاه لذكر وَلما أنكرهُ، قَالَ: وَالْيَوْم بِمَكَّة حجر عِنْد أبنية تعرف بدكان أبي بكر، أخبرنَا شَيخنَا أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن خَلِيل أَن أكَابِر أَشْيَاخ أهل مَكَّة أخبروا أَنه الْحجر الَّذِي كَانَ يسلم عَلَيْهِ ﷺ. انْتهى كَلَام الطَّبَرِيّ. وَقَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": قيل: هُوَ الْحجر الْأسود. وَقيل: الْحجر المستطيل بِبَاب دَار أبي سُفْيَان بزقاق الْحجر. قَالَ: وَهَذَا الْحجر على الدَّار بَاقٍ إِلَى الْيَوْم. انْتهى. وَهُوَ كَذَلِك بَاقٍ إِلَى الْآن. وَمِنْهَا: دَار الأرقم بن أبي الأرقم المَخْزُومِي الْمَعْرُوفَة بدار الخيزران الَّتِي عِنْد الصَّفَا، وَالْمَقْصُود من زيارتها مَسْجِد مَشْهُور فِيهَا. ذكره الْأَزْرَقِيّ وَذكر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ مختفيًا فِيهِ، وَأَن فِيهِ أسلم عمر بن الْخطاب. وَقَالَ غَيره: كَانَ ﷺ مستترًا فِيهِ فِي بَدْء الْإِسْلَام، وَكَانَ بِهِ اجْتِمَاع من أسلم من الصَّحَابَة، وَبِه أسلم عمر بن الْخطاب وَحَمْزَة وَغَيرهمَا، وَمِنْه ظهر الْإِسْلَام وَله أَيْضا فضل كثير، قَالَ " الأرقم " الْمرْجَانِي: وأرقم بن أبي الأرقم اشْترى الْمهْدي دَاره بسبعة عشر ألف دِرْهَم، ووهبها للخيزران أم الخليفتين الْهَادِي والرشيد.
[ ١٨٩ ]
قَالَ سعد الدّين الإسفرائيني: وَالْمَسْجِد الَّذِي فِي هَذِه الدَّار بنته جَارِيَة الْمهْدي، وَمِمَّنْ عمر هَذَا الْمَسْجِد الْوَزير الْجواد ثمَّ الْمُسْتَنْصر العباسي، وَعمر فِي آخر الْقرن الثَّامِن بعض المجاورات. وَمِنْهَا: دَار الْعَبَّاس ﵁ عَم النَّبِي ﷺ الَّتِي بالمسعى الْمُعظم، وَهِي الْآن رِبَاط يسكنهُ الْفُقَرَاء. وَمن الدّور الْمُبَارَكَة بِمَكَّة رِبَاط الْمُوفق بِأَسْفَل مَكَّة. وَتقدم فِي كتاب الْمَنَاسِك فِي ذكر الْأَمَاكِن المستجاب فِيهَا الدُّعَاء أَنه يُسْتَجَاب فِيهِ الدُّعَاء. وَمِنْهَا: معبد الْجُنَيْد بلحف الْجَبَل الَّذِي يُقَال لَهُ: الْأَحْمَر أحد أخشبي مَكَّة، وَهُوَ مَشْهُور عِنْد النَّاس. وَقَالَ سعد الدّين الإسفرائيني: إِنَّه معبد الْجُنَيْد ومعبد إِبْرَاهِيم بن أدهم. وَأما الْجبَال الْمُبَارَكَة بِمَكَّة وحرمها: فَمِنْهَا: الْجَبَل الْمَعْرُوف بِأبي قبيس، وَهُوَ الْجَبَل المشرف على الصَّفَا وَهُوَ أحد أخشبي مَكَّة، وَالْآخر الْأَحْمَر، وَإِنَّمَا سمي أَبَا قبيس لثَلَاثَة أوجه؛ أَحدهمَا: أَنه سمي بِرَجُل من إياد يُقَال لَهُ: أَبُو قبيس بنى فِيهِ فَلَمَّا صعد الْبناء فِيهِ سمي جبل أبي قبيس كَذَا ذكر الْأَزْرَقِيّ، وَقيل: إِن هَذَا الْجَبَل من مذْحج ذكره ابْن الْجَوْزِيّ. وَالثَّانِي: أَن الْحجر الْأسود استودع فِيهِ عَام الطوفان، فَلَمَّا بنى الْخَلِيل الْكَعْبَة نَادَى أَبُو قبيس: الرُّكْن منى بمَكَان كَذَا وَكَذَا كَمَا قدمْنَاهُ. وَالثَّالِث: سمي بقبيس ابْن سالح رجل من جرهم كَانَ قد وشى بَين عَمْرو بن مضاض وَبَين ابْنة عَمه ميّة، فنذرت أَن لَا تكَلمه وَكَانَ شَدِيد الكلف بهَا، فحلق ليقْتلن قبيسًا فهرب مِنْهُ فِي الْجَبَل الْمَعْرُوف بِهِ وَانْقطع خَبره، فإمَّا مَاتَ فِيهِ وَإِمَّا تردى مِنْهُ، وَهُوَ خبر طَوِيل ذكره ابْن هِشَام فِي عبر السِّيرَة. وَصحح النَّوَوِيّ فِي " التَّهْذِيب " الْوَجْه الأول، وَقَالَ: إِن الْوَجْه الثَّانِي ضَعِيف أَو غلط. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: الأول أشهر عِنْد أهل مَكَّة وَكَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة الْأمين؛ للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْوَجْه الثَّانِي وَهَذَا مِمَّا يقويه ويرجحه على الْوَجْهَيْنِ الْأَخيرينِ.
[ ١٩٠ ]
وَالله أعلم. وَعَن مُجَاهِد قَالَ: أول جبل وَضعه الله على الأَرْض حِين مادت أَبُو قبيس ثمَّ حدثت مِنْهُ الْجبَال ذكره الْأَزْرَقِيّ والواحدي، وقبر آدم فِيهِ على مَا قَالَ وهب بن مُنَبّه فِي غَار يُقَال لَهُ: غَار الْكَنْز وَهُوَ غير مَعْرُوف الْآن. وَقيل: إِن قَبره بِمَسْجِد الْخيف بعد أَن صلى عَلَيْهِ جِبْرِيل عِنْد بَاب الْكَعْبَة حَكَاهُ الفاكهي عَن عُرْوَة بن الزبير، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي " درياق الْقُلُوب " وَقَالَ " دَفَنته الْمَلَائِكَة بِهِ. وَقيل: عِنْد مَسْجِد الْخيف ذكره الذَّهَبِيّ، وَفِي منسك الْفَارِسِي. وَقيل: عِنْد مَنَارَة مَسْجده، وَقيل: قَبره فِي الْهِنْد فِي الْموضع الَّذِي أهبط إِلَيْهِ من الْجنَّة وَصَححهُ الْحَافِظ ابْن كثير. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: إِن قبر آدم وَإِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ويوسف فِي بَيت الْمُقَدّس. وَقد تقدّمت هَذِه الْأَقْوَال مَعَ زِيَادَة فَوَائِد فِي أَوَائِل هَذَا الْبَاب. وَفِي أبي قبيس على مَا قيل: قبر شِيث بن آدم وَأمه حَوَّاء كَذَا ذكر الذَّهَبِيّ فِي جُزْء أَلفه فِي تَارِيخ مُدَّة آدم وبنيه؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَدفن شِيث مَعَ أَبَوَيْهِ فِي غَار أبي قبيس. وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل وَغَيره حَدِيث الْكتاب الْمَوْجُود فِي الرُّكْن وَفِيه: أَن مَكَّة لَا تَزُول حَتَّى يَزُول أخشباها. وَتقدم فِي أول الْبَاب أَن إِبْرَاهِيم ﵇ أذّن فِي النَّاس بِالْحَجِّ على أبي قبيس على أحد الْأَقْوَال. وَقَالَ ابْن النقاش فِي: فهم الْمَنَاسِك ": من صعد فِي كل جُمُعَة إِلَى أبي قبيس رأى الْحرم مثل الطير يزهر، وَإِن صعد إِلَى ثَوْر أَو حراء أَو ثبير كَانَ أثبت لنظره ومشاهدته، وخصوصًا ليَالِي رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وليالي الأعياد. وجبال مَكَّة تسمى جبال فاران كَذَا وجد فِي الْفَصْل الْعشْرين من السّفر الْخَامِس عَن مُوسَى ﵇ أَن الرب جَاءَ من طور سيناء وأشرق من ساعين واستعلن من جبال فاران فمجئ الله من طور سيناء هُوَ إنزاله التَّوْرَاة على مُوسَى، وإشراقه من " ساعين " إنزاله الْإِنْجِيل على عِيسَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ يسكن فِي " ساعين " أَرض الْخَلِيل فِي قَرْيَة ناصرة، واستعلانه من جبال فاران إنزاله الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ، وفاران هِيَ جبال مَكَّة فِي قَول الْجَمِيع.
[ ١٩١ ]
قَالَ عُلَمَاء التَّارِيخ: جَمِيع مَا عرف فِي الأَرْض من الْجبَال مائَة وَثَمَانِية وَتسْعُونَ جبلا، من أعجبها سرنديب، وَهُوَ أقرب ذرا الأَرْض إِلَى السَّمَاء. وَقيل: صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس أقرب ذرا الأَرْض من السَّمَاء بِثمَانِيَة عشر ميلًا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ. وَطول جبل سرنديب مِائَتَان ونيف وَسِتُّونَ ميلًا، فِيهِ أثر قدم آدم وَعَلِيهِ شبه الْبَرْق، لَا يذهب شتاء وَلَا صيفًا، وَحَوله الْيَاقُوت وَفِي واديه الماس، وَفِيه الْعود والفلفل ودابة الْمسك وهر الزباد، ووادي سرنديب مُتَّصِل إِلَى قرب سيلان. وجبل الرَّدْم الَّذِي فِيهِ السد طوله سَبْعمِائة فَرسَخ، وَيَنْتَهِي إِلَى الْبَحْر المظلم. وجبل قَاف من زمردة خضراء مُحِيط بالسموات وَالْأَرْض، وَمِنْه اخضرت السَّمَاء، دائر بِالْأَرْضِ من وَرَاء الْبَحْر الْمُحِيط وَالسَّمَاء عَلَيْهِ مقببة، وَمَا أصَاب النَّاس من زمرد كَانَ مِمَّا تساقط من ذَلِك الْجَبَل. وَقَالَ وهب: أشرف ذُو القرنين على جبل فَرَأى تَحْتَهُ جبالًا صغَارًا فَقَالَ لَهُ: مَا أَنْت؟ قَالَ: أَنا قَاف. قَالَ: فَمَا هَذِه الْجبَال حولك؟ قَالَ: هِيَ عروقي وَمَا من مَدِينَة إِلَّا وفيهَا عرق من عروقي، فَإِذا أَرَادَ الله أَن يزلزل مَدِينَة أَمرنِي فحركت عرقي ذَلِك فتزلزل تِلْكَ الأَرْض. فَقَالَ: يَا قَاف أَخْبرنِي بِشَيْء من عَظمَة الله تَعَالَى. قَالَ: إِن شَأْن رَبنَا لعَظيم، وَإِن ورائي أَيْضا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام فِي خَمْسمِائَة عَام من جبال ثلج، يحطم بَعْضهَا بَعْضًا لَوْلَا هِيَ لاحترقت من حر جَهَنَّم. قَالَ الْمرْجَانِي: وَاسم جبل قَاف عيلهون قَالَ: وَلأَجل هَذَا الِاسْم منع اسْتِعْمَال تِلْكَ الحفيظة حَكَاهُ الْمَازرِيّ، قَالَ: ووراء قَاف أَرض بَيْضَاء كافورية مثل الدُّنْيَا سبع مَرَّات، وَمن خلفهَا السَّبْعَة الأبحر: أَولهَا: يبطس، الثَّانِي: قيس، الثَّالِث: الْأَصَم، الرَّابِع: المظلم، الْخَامِس: مايس، السَّادِس: السَّاكِن، السَّابِع: الباكي وَهِي مُحِيطَة بَعْضهَا بِبَعْض حَكَاهُ الْكسَائي. قَالَ وهب: خلقهَا الله فِي الْيَوْم الثَّالِث. وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " لما تجلى الله لجبل طور سيناء تشظى مِنْهُ شظايا، فَنزلت بِمَكَّة ثَلَاثَة؛ حراء وقديد وثور، وبالمدينة أحد وعير وورقان ". وَعنهُ أَيْضا قَالَ: " صَار لِعَظَمَة الله سِتَّة أجبل، فَوَقَعت ثَلَاثَة بِالْمَدِينَةِ: أحد وورقان ورضوى، وَوَقعت ثَلَاثَة بِمَكَّة ثَوْر وثبير وحراء ". وَقيل: نزلت بِمَكَّة أَرْبَعَة حراء وثبير وثور وقديد. انْتهى.
[ ١٩٢ ]
قَالَ الْمرْجَانِي: وَلم نعلم أَن بحرم مَكَّة جبلا يُقَال لَهُ: قديدًا، إِنَّمَا قديد بَينهَا وَبَينه مِقْدَار أَرْبَعَة أَيَّام أَو خَمْسَة. وَالطور اسْم الْجَبَل الَّذِي كلم الله عَلَيْهِ مُوسَى، وَهُوَ أحد جبال الْجنَّة، وَعَن عَمْرو بن عَوْف قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " أَرْبَعَة جبال من جبال، أَو أَرْبَعَة أَنهَار من أَنهَار الْجنَّة، وَأَرْبَعَة ملاحم من ملاحم الْجنَّة ". قيل: فَمَا الأجبل؟ قَالَ: " أحد جبل يحبنا ونحبه، وَالطور من جبال الْجنَّة، ولبنان من جبال الْجنَّة وخصيب من جبال الْجنَّة وَهُوَ بِالرَّوْحَاءِ والأنهار: النّيل والفرات وسيحان وجيحان، والملاحم: بدر وَأحد وَالْخَنْدَق وخيبر ". قَالَ: التوربشتى شَارِح المصابيح وَفِي قَوْله ﷺ: " أَرْبَعَة أَنهَار من أَنهَار الْجنَّة ". الحَدِيث وَجْهَان؛ أَحدهمَا: أَن نقُول: إِنَّمَا جعل الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة من أَنهَار الْجنَّة؛ لما فِيهَا من السلاسلة والعذوبة والهضم وتضمنها الْبركَة الإلهية وتشرفها بورود الْأَنْبِيَاء إِلَيْهَا وشربهم مِنْهَا، وَذَلِكَ مثل قَوْله ﷺ فِي عَجْوَة الْمَدِينَة: " إِنَّهَا من ثمار الْجنَّة ". وَالْآخر أَن نقُول: يحْتَمل أَنه سمى الْأَنْهَار الَّتِي هِيَ أصُول أَنهَار الْجنَّة بِتِلْكَ الْأَسَامِي؛ ليعلم أَنَّهَا فِي الْجنَّة بِمَثَابَة الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة فِي الدُّنْيَا، أَو لِأَنَّهَا مسميات بِتِلْكَ المسميات فَوَقع الِاشْتِرَاك فِيهَا. انْتهى. وَالطور هُوَ الَّذِي أقسم الله تَعَالَى بِهِ بقوله: " وَالطور وَكتاب مسطور ". لفضله على الْجبَال إِذْ روى أَن الله أوحى إِلَى الْجبَال أَنِّي مهبط على أحدكُم أَمْرِي يُرِيد رِسَالَة مُوسَى فتطاولت كلهَا إِلَّا الطّور فَإِنَّهُ استكان لأمر الله وَقَالَ: حسبي الله. فأهبط الله الْأَمر عَلَيْهِ ذكره ابْن عَطِيَّة. وَرُوِيَ أَن
[ ١٩٣ ]
الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْجبَال أَن السَّفِينَة أَي سفينة نوح ترسو على وَاحِد مِنْهَا فتطاولت، وَبَقِي الجودي لم يَتَطَاوَل تواضعًا لله تَعَالَى فاستوت السَّفِينَة عَلَيْهِ وَبقيت عَلَيْهِ أعواده. وَقَالَ مُجَاهِد: تشامخت الْجبَال وتطاولت لِئَلَّا ينالها الْغَرق، فعلا المَاء فَوْقهَا خَمْسَة عشر ذِرَاعا، وتواضع الجودي فَلم يغرق ورست السَّفِينَة عَلَيْهِ. وَيُقَال: إِن الجودي من جبال الْجنَّة فَلهَذَا اسْتَوَت عَلَيْهِ. وَيُقَال أكْرم الله ثَلَاثَة جبال بِثَلَاثَة نفر: الجودي بِنوح، وطور سيناء بمُوسَى، وحراء بِمُحَمد ﷺ ذكره الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ: لما تواضع الجودي وخضع عز، وَلما ارْتَفع غَيره واستعلا ذل، وَهَذِه سنة الله فِي خلقه يرفع من يخشع وَيَضَع من ترفع. وَلَقَد أحسن الْقَائِل: وَإِذا تذللت الرّقاب تخضعًا منا إِلَيْك فعزها فِي ذلها وَمن ذَلِك قصَّة " الْقَصْوَاء " نَاقَة النَّبِي ﷺ الَّتِي كَانَت لَا تسبق فسبقها قعُود لأعرابي يَوْمًا، فَقَالَ ﷺ: " إِن حَقًا على الله أَن لَا يرفع شَيْئا فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه ". انْتهى. وبحرم مَكَّة اثْنَا عشر ألف جبل ذكره الْأَزْرَقِيّ فِي الْجبَال، وَفِي أبي قبيس انْشَقَّ الْقَمَر للنَّبِي ﷺ كَمَا ذكره الْحَافِظ قطب الدّين الْحلَبِي؛ لِأَنَّهُ قَالَ: كَانَ يرى نصفه على قعيقعان وَنصفه الآخر على أبي قبيس. وَذكر القطب أَن أَبَا نعيم الْحَافِظ روى بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أَن ذَلِك يَعْنِي انْشِقَاق الْقَمَر لَيْلَة أَربع عشرَة فانشق الْقَمَر نِصْفَيْنِ نصفا على الصَّفَا وَنصفا على الْمَرْوَة. انْتهى. والصفا مَحْسُوب من أبي قبيس على مَا ذكره الْعلمَاء فَلَا يضاد مَا ذكره القطب من أَن نصف الْقَمَر على أبي قبيس. وَذكر الْقُرْطُبِيّ فِي ذَلِك خَبرا وَقَالَ: اجْتمع الْمُشْركُونَ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالُوا: إِن كنت صَادِقا فاشقق لنا الْقَمَر فرْقَتَيْن؛ نصف على أبي قبيس وَنصف على قعيقعان. فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ: " إِن فعلت تؤمنون بِي ". قَالُوا: نعم. وَكَانَت تِلْكَ لَيْلَة بدر فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ ربه أَن يُعْطِيهِ مَا قَالُوا: فانشق الْقَمَر فرْقَتَيْن وَرَسُول الله ﷺ يُنَادي الْمُشْركين: " يَا فلَان يَا فلَان، اشْهَدُوا ". وَأما كَون الانشقاق وَقع فِي أبي قبيس فِي الْموضع الَّذِي يَقُوله النَّاس
[ ١٩٤ ]
الْيَوْم فَلم أر مَا يدل على ذَلِك، وَقد اخْتلفت الْأَحَادِيث فِي مَوضِع انْشِقَاق الْقَمَر، فَفِي مُسْند عبد حميد وَالتِّرْمِذِيّ عَن أنس أَنه وَقع بِمَكَّة. وَفِي صَحِيح مُسلم حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه وَقع بمنى. وَفِي تَفْسِير ابْن عَطِيَّة: قَالَ ابْن مَسْعُود: رَأَيْته انْشَقَّ فَذهب فرقة وَرَاء جبل حراء. وَقد تقدم فِي الْأَمَاكِن المستجاب فِيهَا الدُّعَاء أَن الدُّعَاء يُسْتَجَاب فِي أبي قبيس، وَمن عجائبه مَا ذكر الْقزْوِينِي فِي كِتَابه " عجائب الْمَخْلُوقَات ": من أَنه يزْعم النَّاس أَن من أكل عَلَيْهِ الرَّأْس المشوي يَأْمَن أوجاع الرَّأْس، قَالَ: وَكثير من النَّاس يفعل ذَلِك. انْتهى. قَالَ قوام الدّين فِي " التَّبْيِين " شرح الأخسبكتي فِي بَاب حُرُوف الْمعَانِي: لما ذكر عَن الشَّافِعِي ﵁ أَن الْوَاو للتَّرْتِيب، وَقَالَ: قد أنكر عَلَيْهِ أَصْحَابه فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَول لم يقل بِهِ أحد لمُخَالفَته لموضوع اللُّغَة، ثمَّ قَالَ قوام الدّين: وَالْعجب من الْغَزالِيّ حَيْثُ قرع صِفَات الْحسن الْبَصْرِيّ وَطعن على مَالك وشنع على أبي حنيفَة فِي آخر منخوله فَقَالَ: وَأما أَبُو حنيفَة فَلم يكن مُجْتَهدا، لِأَنَّهُ لَا يعرف اللُّغَة وَعَلِيهِ يدل قَوْله: لَو رَمَاه بأبو قبيس. ثمَّ غفل عَن سَهْو إِمَامه وَلَقَد صدقُوا فِي قَوْلهم: حبك للشَّيْء يعمى ويصم. وَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: إِنَّا نقُول: لَا نسلم أَن أَبَا حنيفَة تكلم بِهَذِهِ الْكَلِمَة أصلا وَمَا ذَاك إِلَّا افتراء عَلَيْهِ، فَأَي مَسْأَلَة تعلّقت بهَا وَأي كتاب من كتب أَصْحَابه حواها، وَأي دَلِيل دلّ عَلَيْهَا، وَالله وَالله إِن بعض الظَّن إِثْم. وَالثَّانِي: فَرضنَا أَنه تكلم بِمثل هَذِه الْكَلِمَة لَكِن لَا نسلم أَنه أَخطَأ؛ لِأَنَّهُ يجوز بطرِيق الْحِكَايَة مثل هَذَا لقَوْله: وجدنَا فِي كتاب بني تَمِيم أَحَق الْخَيل بالركض المعار
[ ١٩٥ ]
بِرَفْع الْقَاف وَالرَّاء. وكقولهم: قَرَأت " سُورَة أنزلناها ". بِضَم سُورَة. وَقَوْلهمْ: بدأت بِالْحَمْد لله. بِضَم الدَّال، وَلَا تنكر الْحِكَايَة، وَهُوَ أَن ينْقل القَوْل على مَا كَانَ إِلَّا من لَا يمس بِعلم الْإِعْرَاب أَو من لَهُ مس من الْجُنُون، وَالْجُنُون فنون. وَالثَّالِث: فَرضنَا أَنه أَخطَأ كَمَا زعم هَذَا الْقَائِل، لَكِن لَا نسلم أَن الشَّخْص لَا يكون مُجْتَهدا إِذا أَخطَأ فِي شَيْء؛ لِأَن القَوْل بِإِصَابَة كل مُجْتَهد لَيْسَ بِمذهب الْمُسلمين، بل الْمُجْتَهد يجوز لَهُ الْخَطَأ وَالصَّوَاب؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمعصوم، ثمَّ نقُول: هلا أورد الْغَزالِيّ فِي كِتَابه مَا أَخذ أهل اللُّغَة على إِمَامه فِي أَشْيَاء من الْغَلَط.! الأول: قَوْله فِي " أَحْكَام الْقُرْآن ": " ذَلِك أدنى أَن لَا تعولُوا ". أَي: لَا تكْثر عيالكم، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا تميلوا، وَالثَّانِي: قَوْله فِي كِتَابه هَذَا: إِن الْوَاو للتَّرْتِيب، وَإِنَّمَا هِيَ لمُطلق الْجمع. وَالثَّالِث: قَوْله فِي كِتَابه: مَاء مالح، وَإِنَّمَا هُوَ مَاء ملح؛ لقَوْله تَعَالَى: " ملح أجاج ". وَالرَّابِع قَوْله: إِذا أشلى كَلْبه يُرِيد بِهِ أغراه وَإِنَّمَا يُقَال: أشلاه إِذا استدعاه. وَالْخَامِس: الْغرم الْهَلَاك، وَإِنَّمَا الْغرم اللُّزُوم إِلَى غير ذَلِك. ثمَّ الْغَزالِيّ شنع فِي كِتَابه " المنخول " فِي أَشْيَاء من غير حجَّة على دَعْوَاهُ وَلَا دَلِيل على مَا خيل لَهُ، وَالله إِنَّا كُنَّا نعتقده غَايَة الإعتقاد لأجل مَا جمع فِي " إحيائه " من كَلِمَات الْمَشَايِخ بِالنّظرِ إِلَى الظَّاهِر، ثمَّ لما رَأينَا طعنه على الْكِبَار بِلَا إِقَامَة برهَان حصل بِنَا مِنْهُ مَا حصل، وَلَقَد صدقُوا فِي قَوْلهم: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ. اللَّهُمَّ ارزقنا الصدْق وَالْوَفَاء وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلًا للَّذين آمنُوا وهيئ لنا من أمرنَا رشدا. انْتهى كَلَام قوام الدّين وَهَذَا لَفظه. وَمِنْهَا: جبل حراء بِأَعْلَى مَكَّة وَهُوَ مَمْدُود، وَمِنْهُم من يذهب فِيهِ إِلَى التَّذْكِير فيصرفه، وَمِنْهُم من يذهب فِيهِ إِلَى التَّأْنِيث فيمنعه الصّرْف. وَهَذَا الْجَبَل من مَكَّة على ثَلَاثَة أَمْيَال كَمَا ذكره صَاحب الْمطَالع وَغَيره، وَهُوَ مُقَابل لثبير والوادي بَينهمَا، وهما على يسَار السالك إِلَى منى، وحراء قبلي ثبير مِمَّا يَلِي شمال الشَّمْس، وَأما ثَوْر فَمن جِهَة
[ ١٩٦ ]
الْجنُوب من على يَمِين الشَّمْس، و" يُسَمِّي هَذَا الْجَبَل بَعضهم جبل النُّور "، ولعمري إِنَّه كَذَلِك لِكَثْرَة مجاورة النَّبِي ﷺ وتعبده فِيهِ، وَمَا خصّه الله فِيهِ من الْكَرَامَة بالرسالة إِلَيْهِ ونزول الْوَحْي فِيهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي غَار فِي أَعْلَاهُ مَشْهُور يأثره الْخلف عَن السّلف ﵏ ويقصدونه بالزيارة، وَأما مَا ذكر الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخه فِي ذكر الْجبَال: من أَن النَّبِي ﷺ أَتَى هَذَا الْجَبَل واختبئ فِيهِ من الْمُشْركين فِي غَار فِي رَأسه مشرف مِمَّا يَلِي الْقبْلَة. فَقَالَ بعض من عاصرناه: إِن هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَالْمَعْرُوف أَن النَّبِي ﷺ لم يختبئ من الْمُشْركين إِلَّا فِي غَار ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة. انْتهى. وَيُؤَيّد مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ مَا قَالَه القَاضِي عِيَاض ثمَّ الشهيلي فِي " الرَّوْض الْأنف "، أَن قُريْشًا حِين طلبُوا رَسُول الله ﷺ كَانَ على ثبير فَقَالَ لَهُ ثبير وَهُوَ على ظَهره: اهبط عني يَا رَسُول الله، فَإِنِّي أَخَاف أَن تقتل على ظَهْري فيعذبني الله، فناداه حراء إليّ يَا رَسُول الله. فَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ اختبئ فِيهِ من الْمُشْركين فِي وَاقعَة ثمَّ اختفى فِي ثَوْر فِي وَاقعَة أُخْرَى وَهِي خبر الْهِجْرَة. وَقَالَ السُّهيْلي فِي حَدِيث الْهِجْرَة: وأحسب فِي الحَدِيث أَن ثورًا ناداه أَيْضا لما قَالَ لَهُ ثبير: اهبط عني. وَهَذَا الْغَار الَّذِي فِي الْجَبَل مَشْهُور بِالْخَيرِ وَالْبركَة؛ لحَدِيث بَدْء الْوَحْي الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأورد ابْن أبي جَمْرَة سؤالًا وَهُوَ: أَنه لم اخْتصَّ ﷺ بِغَار حراء فَكَانَ يَخْلُو فِيهِ ويتحنث دون غَيره من الْمَوَاضِع وَلم يُبدلهُ فِي طول تحنثه؟ وَأجَاب عَن ذَلِك بِأَن هَذَا الْغَار لَهُ فضل زَائِد على غَيره من قبل أَن يكون فِيهِ منزويًا مجموعًا لتحنثه وَهُوَ يبصر بَيت ربه وَالنَّظَر إِلَى الْبَيْت عبَادَة، فَكَانَ لَهُ اجْتِمَاع ثَلَاث عبادات وَهِي الْخلْوَة والتحنث وَالنَّظَر إِلَى الْبَيْت، وَجمع هَذِه الثَّلَاث أولى من الِاقْتِصَار على بَعْضهَا دون بعض، وَغَيره من الْأَمَاكِن لَيْسَ فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى، فَجمع لَهُ ﷺ فِي المبادي كل حسن بَادِي. انْتهى. وَعَن ابْن أبي مليكَة قَالَ: جَاءَت خَدِيجَة إِلَى النَّبِي ﷺ بحيس وَهُوَ بحراء فَجَاءَهُ جِبْرِيل فَقَالَ: يَا مُحَمَّد هَذِه خَدِيجَة قد جاءتك تحمل حَيْسًا مَعهَا وَالله يَأْمُرك أَن تقرئها السَّلَام وتبشرها بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب، فَلَمَّا أَن رقت
[ ١٩٧ ]
خَدِيجَة قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ: " يَا خَدِيجَة إِن جِبْرِيل جَاءَنِي وَالله يُقْرِئك السَّلَام، ويبشرك بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب ". فَقَالَت خَدِيجَة: الله السَّلَام وَمن الله السَّلَام وعَلى جِبْرِيل السَّلَام. رَوَاهُ الْأَزْرَقِيّ. وَذكر الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس " عَجِيبَة قَالَ: خرجت فِي بعض الْأَيَّام إِلَى زِيَارَة حراء وَكَانَ يَوْم السبت الثَّانِي من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة، وَكَانَ يَوْم غيم فَلَمَّا كَانَ بعد الظّهْر سَمِعت لبَعض تِلْكَ الحجار فِيهِ أصواتًا عَجِيبَة فَرفعت حجرين مِنْهَا فِي كل كف حجر، فَكنت أجد رعدة الْحجر فِي يَدي وَهُوَ يَصِيح، ثمَّ إِنِّي رفعت يَدي فصاحت كل وَاحِدَة من أصابعي أَيْضا وَكَانَ مَحل الصياح قامة من الأَرْض فَمَا كَانَ على سمتها صَاح وَمَا كَانَ أرفع من ذَلِك أَو أَخفض لم يتَكَلَّم فَعلمت أَن ذَلِك تَسْبِيح فدعوت الله تَعَالَى بِمَا تيَسّر فَلَمَّا طلعت الشَّمْس سكت فقست الشَّمْس فَوجدت ظلّ كل شَيْء مثله وَمثل ربعه فقدرته بعد ذَلِك بالإسطرلان فَكَانَت تِلْكَ هِيَ السَّاعَة الْعَاشِرَة وَكَانَ صَوت الْحجر يسمع من مدى مائَة خطْوَة قَالَ: فَذكرت مَا رَأَيْته لوالدي - ﵀ - فَقَالَ: وَأَنا جرى لي بحراء شبه ذَلِك وَذَلِكَ أَنا كُنَّا جمَاعَة بائتين بِهِ وَكَانَت لَيْلَة غيم فَقُمْت فِي أثْنَاء اللَّيْل وَإِذا بإبريق للْفُقَرَاء وَشبه النَّار خَارج مِنْهُ وَقد أَضَاء الْمَكَان من ذَلِك قَالَ: فأيقظت الْجَمَاعَة وَكنت أفتح كفي فَيبقى على رَأس كل إِصْبَع شعلة نَار مثل الشمع قَالَ: فَوضعت عمامتي على عكاز ورفعته فَأشْعلَ كالشعل فَذَكرنَا ذَلِك لبَعض الصَّالِحين فَقَالَ: مرت بكم سَحَابَة السّكُون. قَالَ الْمرْجَانِي: والصفتان وَاحِدَة إِلَّا أَنِّي رَأَيْت ذَلِك نَهَارا فَكَانَ ضوءًا وهم رَأَوْهُ لَيْلًا فَكَانَ نورا قَالَ: ثمَّ إِنِّي صعدت الْجَبَل أَيْضا يَوْم السبت الثَّامِن عشر من شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وَكَانَ معي جمَاعَة مِنْهُم " بِهِ " فاتفق لي مثل ذَلِك وَرَآهُ الْجَمَاعَة. قَالَ الْمرْجَانِي: وحَدثني وَالِدي عَن بعض من أدْركهُ من كبراء وقته أَنه كَانَ يصعد مَعَه إِلَى حراء فِي كل عَام مرّة فيلتقط ذَلِك الشَّخْص من بعض الْحِجَارَة قَالَ: فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: أخرج مِنْهَا نفقتي " بِهِ " الْعَام ذَهَبا إبريزًا. انْتهى كَلَام الْمرْجَانِي وَله شعر أنْشدهُ فِي فَضَائِل حراء وَمَا اخْتصَّ بِهِ من الكرامات وَهُوَ: تَأمل حراء فِي جمال محياه فكم من أنَاس فِي حلا حسنه تاهوا
[ ١٩٨ ]
فمما حوى من هجا لعلياه زيرًا يفرج عَنهُ الْهم فِي حَال مرقاه بِهِ خلْوَة الْهَادِي الشَّفِيع مُحَمَّد وَفِيه لَهُ غَار لَهُ كَانَ يرقاه وقبلته للقدس كَانَت بغاره وَفِيه أَتَاهُ الْوَحْي فِي حَال مبداه وَفِيه تجلى الرّوح بالموقف الَّذِي بِهِ الله فِي وَقت البداءه سواهُ وَتَحْت تخوم الأَرْض فِي السَّبع أَصله وَمن بعد هَذَا اهتز بالسفل أَعْلَاهُ وَلما تجلى الله قدس ذكره لطور تشظى فَهُوَ إِحْدَى شظاياه وَمِنْهَا ثيبر ثمَّ ثَوْر بِمَكَّة كَذَا قد أَتَى فِي نقل تَارِيخ مبداه وَفِي طيبَة أَيْضا ثَلَاثًا نعدها فعيرًا وورقانًا وأحدًا روينَاهُ وَيقبل فِيهِ سَاعَة الظّهْر من دَعَا بِهِ وينادي من دَعَانَا أجبناه وَفِي أحد الْأَقْوَال فِي عقبت حرا أَتَى ثمَّ قابيل لهابيل غشاه وَمِمَّا حوى سرا حوته صخوره من التبر إكسيرًا يُقَام سمعنها سَمِعت بِهِ تسبيحها غير مرّة وأسمعته جمعا فَقَالُوا سمعناه بِهِ مَرْكَز النُّور الإلهي مثبتًا فَللَّه مَا أحلى مقَاما بأعلاه قيل: كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ إِلَى الْقُدس وَقيل: إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي ذَلِك الْوَقْت إِلَى الْكَعْبَة ثمَّ انْتقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ بعد ذَلِك تحول إِلَى الْكَعْبَة قَالُوا: وَفِي حراء رأى النَّبِي ﷺ جِبْرِيل فِي الْخلقَة الأولى لَهُ سِتّمائَة جنَاح قد سد الْأُفق. وَمِنْهَا جبل ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة وَسَماهُ البكرى أَبَا ثَوْر وَالْمَعْرُوف فِيهِ ثَوْر كَمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ والمحب الطَّبَرِيّ وَهُوَ من مَكَّة على ثَلَاثَة أَمْيَال كَمَا ذكره ابْن الْحَاج وَابْن جُبَير وَقَالَ الْبكْرِيّ: إِنَّه على ميلين من مَكَّة وَإِن ارتفاعه نَحْو ميل. قَالَ الْمرْجَانِي: وسمى الْجَبَل ثورًا وَإِنَّمَا اسْمه الْمحل سمي بثور بن مَنَاة بن طائخة؛ لِأَنَّهُ كَانَ ينزله. وَصَحَّ أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر الصّديق اختليا فِيهِ فِي غَار بِهِ وَهُوَ مَشْهُور يأثره الْخلف عَن السّلف، وَهُوَ الَّذِي ذكره الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن فِي قَوْله: ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار " وَفِي حَدِيث الْهِجْرَة أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر لَحقا بِغَار فِي جبل ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة فدخلاه وَأمر أَبُو بكر ﵁ ابْنه عبد الله أَن يتسمع لَهما مَا يَقُول
[ ١٩٩ ]
النَّاس فيهمَا نَهَاره ثمَّ يأتيهما إِذا أَمْسَى بِمَا يكون فِي ذَلِك الْيَوْم من الْخَبَر وَأمر عَامر ابْن فهَيْرَة مَوْلَاهُ أَن يرْعَى غنمه نَهَاره ثمَّ يريحها عَلَيْهِمَا إِذا أَمْسَى فِي الْغَار وَكَانَت أَسمَاء بنت أبي بكر تأتيهما من الطَّعَام بِمَا يصلبهما فَأَقَامَ رَسُول الله ﷺ فِي الْغَار ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بكر وَجعلت قُرَيْش فِيهِ حِين فقدوه مائَة نَاقَة لمن رده عَلَيْهِم وَكَانَ عبد الله بن أبي بكر يكون فِي قُرَيْش وَمَعَهُمْ يتسمع مَا يَقُولُونَ فِي شَأْن رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر ثمَّ يأتيهما إِذا أَمْسَى ويخبرهما الْخَبَر وَكَانَ عَامر ابْن فهَيْرَة مولى أبي بكر يرْعَى فِي رعيان أهل مَكَّة فَإِذا أَمْسَى أراح عَلَيْهِمَا غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فَإِذا غَدا عبد الله بن أبي بكر من عِنْدهمَا إِلَى مَكَّة اتبع عَامر ابْن فهَيْرَة أَثَره بالغنم حَتَّى يعمى عَلَيْهِم حَتَّى إِذا مَضَت الثَّلَاث وَسكن عَنْهُم النَّاس أتاهما صَاحبهمَا الَّذِي استأجراه بعيرهما وأتتهما أَسمَاء بنت أبي بكر بسفرتهما وارتجلا الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِي رِوَايَة: لما دخلا غَار ثَوْر أَمر الله العنكبوت فَنسجَتْ على بَابه والراءة فَنَبَتَتْ وحمامتين وَحْشِيَّتَيْنِ فغشيتا على بَابه فأقاما فِي الْغَار بضعَة عشر يَوْمًا ثمَّ خرج مِنْهُ لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لأَرْبَع لَيَال خلون من شهر ربيع الأول على نَاقَته الجذعاء. قَالَت أَسمَاء: فَمَكثْنَا ثَلَاثًا لَا نَدْرِي أَيْن وَجه النَّبِي ﷺ حَتَّى أنْشد رجل من الْجِنّ من أَسْفَل مَكَّة أبياتًا من الشّعْر وَأَن النَّاس يتبعونه يسمعُونَ صَوته وَمَا يرونه حَتَّى خرج من أَعلَى مَكَّة. ويروى أَن أَبَا بكر لما خرج مَعَ رَسُول الله ﷺ مُتَوَجها إِلَى الْغَار جعل يمشي طورًا أَمَامه وطورًا خَلفه وطورًا عَن يَمِينه وطورًا عَن شِمَاله قَالَ: " مَا هَذَا يَا أَبَا بكر؟ " قَالَ: يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي أذكر الرصد فَأحب أَن أكون أمامك وأتخوف الطّلب فَأحب أَن أكون خَلفك وأحفظ الطَّرِيق يَمِينا وَشمَالًا فَقَالَ: " لَا بَأْس عَلَيْك يَا أَبَا بكر إِن الله مَعنا " قَالَ: وَكَانَ رَسُول الله ﷺ غير مخصر الْقدَم يطَأ بِجَمِيعِ قدمه الأَرْض وَكَانَ حافيًا فحفى رَسُول الله ﷺ فَحمل رَسُول الله أَبُو بكر على كَاهِله حَتَّى انْتهى إِلَى الْغَار فَلَمَّا وَضعه ذهب النَّبِي ﷺ ليدْخل فَقَالَ أَبُو بكر: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا تدخل حَتَّى أَدخل فأسبره قبلك فَدخل ﵁ فَجعل يلْتَمس بِيَدِهِ فِي ظلمَة اللَّيْل الْغَار مَخَافَة أَن يكون فِيهِ شَيْء يُؤْذِي رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا لم ير شَيْئا دخل رَسُول الله ﷺ فَكَانَا فِيهِ، فَلَمَّا
[ ٢٠٠ ]
اسْتَقر بعض الْإِسْفَار رأى أَبُو بكر خرقًا فِي الْغَار فألقمه قدمه حَتَّى الصَّباح مَخَافَة أَن يخرج مِنْهُ هَامة أَو مَا يُؤْذِي رَسُول الله ﷺ. وَعَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ أَبُو بكر ﵁ مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي الْغَار فعطش أَبُو بكر عطشًا شَدِيدا فَشكى إِلَى رَسُول الله ﷺ ذَلِك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ: " اذْهَبْ إِلَى صدر الْغَار فَاشْرَبْ ": فَانْطَلَقت إِلَى صدر الْغَار فَشَرِبت مَاء أحلى من الْعَسَل وأبيض من اللَّبن وأزكى رَائِحَة من الْمسك ثمَّ عدت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: شربت؟ فَقلت: شربت يَا رَسُول الله فَقَالَ: " أَلا أُبَشِّرك؟ " فَقلت: بلَى فدَاك أبي وَأمي يَا رَسُول الله قَالَ ﷺ: " إِن الله أَمر الْملك الْمُوكل بأنهار الْجنان أَن أخرق نَهرا من جنَّة الفردوس إِلَى صدر الْغَار ليشْرب أَبُو بكر " قَالَ أَبُو بكر ﵁: ولى عِنْد الله هَذِه الْمنزلَة؟ قَالَ ﷺ: " نعم وَأفضل وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا لَا يدْخل الْجنَّة مبغضك وَلَو كَانَ لَهُ عمل سبعين نَبيا ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي بكر ﵁ قَالَ: نظرت إِلَى أَقْدَام الْمُشْركين وَنحن فِي الْغَار وَهُوَ على رؤوسنا فَقلت: يَا رَسُول الله لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قدمه أبصرنا تَحت قَدَمَيْهِ فَقَالَ: " يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما " وَعَن طَلْحَة الْبَصْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " لَبِثت مَعَ صَاحِبي يَعْنِي أَبَا بكر ﵁ فِي الْغَار بضعَة عشر يَوْمًا
[ ٢٠١ ]
وَمَا لنا طَعَام إِلَّا ثَمَر البرير " قَالَ أَبُو دَاوُد: البرير الْأَرَاك. وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَنَّهُمَا مكثا فِي الْغَار ثَلَاثًا وَهَذَا القَوْل هُوَ الرَّاجِح لإِجْمَاع أهل التَّارِيخ عَلَيْهِ وَيحْتَمل أَن يكون كلا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحا وَوجه الْجمع أَنَّهُمَا مكثا فِي الْغَار ثَلَاثًا وَيكون معنى الحَدِيث: مكثت مَعَ صَاحِبي مختفيين من الْمُشْركين فِي الطَّرِيق والغار بضعَة عشر يَوْمًا ويروى أَن الله تَعَالَى أَمر شَجَرَة لَيْلَة الْغَار فثبتت فِي وَجه النَّبِي ﷺ فَسترته وَأمر الله تَعَالَى حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتَا بِفَم الْغَار وَأَقْبل فتيَان قُرَيْش من كل بطن رجل بِعِصِيِّهِمْ " وهراوتهم " وَسُيُوفهمْ حَتَّى إِذا كَانُوا من النَّبِي ﷺ بِقدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا تعجل رجل مِنْهُم لينْظر فِي الْغَار فَرَأى الحمامتين بِفَم الْغَار فَرجع إِلَى أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ: لم تنظر فِي الْغَار؟ فَقَالَ: رَأَيْت حَمَامَتَيْنِ بِفَم الْغَار فَعلمت أَنه لَيْسَ فِيهِ أحد فَسمع النَّبِي ﷺ مَا قَالَ فَعلم أَن الله تَعَالَى قد دَرْء عَنهُ بهما فَدَعَا لَهما وسمت عَلَيْهِمَا وَفرض أجزاءهما وانحدرا فِي الْحرم رَوَاهُ أَبُو مُصعب الْمَكِّيّ. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: اسْتَأْجر الْمُشْركُونَ رجلا يُقَال لَهُ: كرز بن عَلْقَمَة الْخُزَاعِيّ فقفا لَهُم الْأَثر حَتَّى أَتَى بهم إِلَى ثَوْر وَهُوَ بِأَسْفَل مَكَّة فَقَالَ: انْتهى إِلَى هَاهُنَا أَثَره فَمَا أَدْرِي أَخذ يَمِينا أم شمالًا أم صعد الْجَبَل
[ ٢٠٢ ]
فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى فَم الْغَار قَالَ قَائِل مِنْهُم: ادخُلُوا الْغَار فَقَالَ أُميَّة بن خلف: مَا أربكم إِلَى الْغَار إِن عَلَيْهِ لعنكبوتًا كَانَ قبل مِيلَاد مُحَمَّد ﷺ ثمَّ جَاءَ فَبَال فِي صدر الْغَار حَتَّى سَالَ بَوْله بَين يَدي النَّبِي ﷺ وَأبي بكر، فَنهى النَّبِي ﷺ عَن قتل العنكبوت وَقَالَ: " إِنَّهَا لخيل من جنود الله تَعَالَى " رَوَاهُ عبد الْملك بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي فِي كتاب " شرف الْمُصْطَفى ". وَعَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ قَالَ: لما دخل النَّبِي ﷺ الْغَار دَعَا شَجَرَة كَانَت على بَاب الْغَار فَقَالَ لَهَا: ائْتِنِي فَأَقْبَلت حَتَّى وقفت على بَاب الْغَار قَالَ: وَكَانَ الَّذِي بَال مُسْتَقْبل الْغَار عَطِيَّة بن أبي معيط. وَفِي كتاب " الدَّلَائِل " للسيرقسطي: لما دخل رَسُول الله ﷺ الْغَار أنبت الله تَعَالَى على بَابه وَهِي شَجَرَة مَعْرُوفَة قَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ من أغلاف الشَّجَرَة وَتَكون مثل قامة الْإِنْسَان وَلها زهر أَبيض يحشى مِنْهُ المخاد وَقيل: هِيَ شَجَرَة أم غيلَان وَفِي مُسْند الْبَزَّار أَن الله تَعَالَى أرسل حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتَا على وَجه الْغَار وَأَن نسل حمام الْحرم من نسل تِلْكَ الحمامتين. ذكره السُّهيْلي. وَفِي حَدِيث الْهِجْرَة وَقَوله ﷺ: " يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما ". فَوَائِد مِنْهَا: بَيَان فضل أبي بكر الصّديق حَيْثُ قرنه النَّبِي ﷺ بِنَفسِهِ وَقَالَ: " مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما " مَعْنَاهُ ثالثهما بِالْحِفْظِ والعصمة والنصر والمعونة والتسدسد وَهُوَ دَاخل فِي قَوْله تَعَالَى: " إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون " وَقيل: هُوَ معنى قَوْله: " إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا " وَمِنْهَا عظم قدر النَّبِي ﷺ وارتفاع شَأْنه وَتَعَالَى رتبته ومكانه عَن التأثر بنوائب الدُّنْيَا والتغير بمصائبها ومتاعبها حَيْثُ اهتم أَبُو بكر بوصولهم إِلَى بَاب الْغَار متبعين لأثرهما وَخَافَ من اطلاعهم عَلَيْهِمَا وَلم يهتم وَلم يبال بأمرهم رَسُول الله ﷺ وَثَبت جأش أبي بكر وأزال روعه وطمأن نَفسه على أَن الْمُفَسّرين ذكرُوا أَن كَثْرَة خوف أبي بكر ﵁ إِنَّمَا كَانَت لرَسُول الله ﷺ لَا لنَفسِهِ، ويروى أَنه قَالَ لما خَافَ الطّلب: يَا رَسُول الله إِن قتلت فَأَنا رجل وَاحِد وَإِن أصبت
[ ٢٠٣ ]
هَلَكت الْأمة وَفِيه بَيَان عظم توكل النَّبِي ﷺ حَتَّى فِي هَذَا الْمقَام. قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه فَضِيلَة لأبي بكر وَهِي أجل مناقبه من أوجه أَحدهَا: هَذَا اللَّفْظ الْمُعْطى تكريمه وتعظيمه. وَثَانِيها: بذل نَفسه ومفارقته أَهله وَمَاله ورياسته فِي طَاعَة الله وَرَسُوله وملازمة النَّبِي ﷺ ومعاداة النَّاس فِيهِ. وَثَالِثهَا: جعل نَفسه وقاية عَنهُ انْتهى كَلَامه قيل: وَرَابِعهَا تَخْصِيص الله تَعَالَى إِيَّاه فِي أَمر نبيه ﷺ باستصحابه دون غَيره من سَائِر النَّاس وَمن فَوَائِد الحَدِيث بَيَان كَرَاهَة الْمكْث بَين الْكفَّار والفجار والفساق الَّذين لَا يتدينون بِالْحَقِّ وَلَا يُمكن حملهمْ عَلَيْهِ وَمِنْهَا جَوَاز التحصن بالقلاع عِنْد الْخَوْف من الْعَدو وَمِنْهَا: أَن تعهد الْأَسْبَاب فِي الحاجيات لَا يقْدَح فِي التَّوَكُّل والاعتماد على الله تَعَالَى وَمِنْهَا: أَنه يجوز الْأَخْذ بالحزم وَإِظْهَار ظن السوء المتوقع من الْعَدو، وَلَيْسَ ذَلِك من الظَّن الْمنْهِي عَنهُ لِأَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ: لَأَبْصَرنَا تَحت قَدَمَيْهِ وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَمِنْهَا أَنه يجوز المسافرة بالرفيق الْوَاحِد عِنْد الْحَاجة بِلَا كَرَاهَة وَإِن ورد خير الرفقاء أَرْبَعَة فَإِنَّهُ ﷺ لم يستصحب سوى أبي بكر وَمِنْهَا أَنه يجوز لأحد الْفَرِيقَيْنِ أَن يظْهر لصَاحبه خَوفه مِمَّا يخَاف مِنْهُ ليخفف عَن نَفسه ببث الشكوى وليكون صَاحبه وَاقِفًا على الْحَال مستعدًا لما عساه أَن يعرض. وَمِنْهَا: أَنه يَنْبَغِي للمشكو إِلَيْهِ أَن يسكن جأش الشاكي ويعده الْجَمِيل من الله تَعَالَى ويحثه على حسن الظَّن بِهِ وَمِنْهَا: اسْتِعْمَال الْأَدَب فِي المخاطبات بِذكر الْإِنْسَان بكنيته وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يتَضَمَّن الْإِكْرَام لقَوْله ﷺ: يَا أَبَا بكر. وَمِنْهَا: جَوَاز التكنية بِأبي فلَان وَإِن لم يكن للمكنى ابْن مُسَمّى بذلك إِذْ لم يكن لأبي بكر ابْن يُسمى بكرا. وَعَن غَالب بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده أَنه قَالَ: شهِدت مَعَ رَسُول الله ﷺ قَالَ لحسان بن ثَابت: " قلت فِي أبي بكر شَيْئا قل: حَتَّى أسمع " قَالَ: قلت: وَثَانِي اثْنَيْنِ فِي الْغَار المنيف وَقد طَاف الْعَدو بِهِ إِذْ صاعد الجبلا وَكَانَ حب رَسُول الله قد علمُوا من الْخَلَائق لم يعدل بِهِ بَدَلا فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَفِي الحَدِيث: بَيَان فضل جبل ثَوْر بِمَا خصّه الله بِهَذِهِ المزية الْكَرِيمَة والمنقبة الْعَظِيمَة من بَين سَائِر الأطواد والأعلام حَيْثُ جعله متحصن خير الْأَنَام وقلعة رَسُول الله وحبيبه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَفِيه: بَين فَضِيلَة هَذَا الْغَار الشريف على سَائِر المغائر حَيْثُ كَانَ صدفًا لأشرف الْجَوَاهِر، وكهفًا لكهف الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وكنفًا لكنف الْخَلَائق من الْأَوَّلين والآخرين وَأنْشد للرافعي: فَخص بِذكر الله خير مغار وَلَا تتغافل عَن هجوم مغار وَكن حذرا من غيرَة الله واستقم لَدَيْهِ لِئَلَّا تبتلى بصغار
[ ٢٠٤ ]
وَقلت فِي " تَخْلِيص الزبدة فِي تخميس الْبردَة " عِنْد قَوْله: وَمَا حوى الْغَار من خير وَمن كرم. . الأبيات: فَهُوَ الَّذِي رِيقه يشفي من السقم بتفله حلت الْآبَار فِي الطّعْم فاعجب لتغريد كالدر مُنْتَظم وَمَا حوى الْغَار من جود وَمن كرم وكل طرف من الْكفَّار عَنهُ عمى لما رَأَوْا غَار ثَوْر كلهم عميا وَصَارَ بدر الدجى باللطف مختفيا وَقَالَ يَا صَاح لَا تحزن فَلَنْ يريَا فالصدق فِي الْغَار وَالصديق لم يريَا وهم يَقُولُونَ مَا بِالْغَارِ من أَدَم باض الْحمام بِهِ والعشب قد لمندلا وَالْعَنْكَبُوت أجادت نسجها حللا وشجرة الرَّاء رمت فِي قلبهم عللا ظنُّوا الْحمام وظنوا العنكبوت على خير الْبَريَّة لم تنسج وَلم يحم فكم أسود بِنَار الْحَرْب عارفة وَفِي مثاقفة بل فِي مسابقة وَفِي الدروع مَعَ التجفاف خائفة وقاية الله أغنت عَن مضاعفة من الدروع وَعَن عَال من الأطم قَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": وَذكر بعض الحمالين أَنه عرف رجلا كَانَ لَهُ جمَاعَة بَنِينَ وأموال كَثِيرَة وَأَنه أُصِيب فِي ذَلِك كُله فَلم يحزن على شَيْء من ذَلِك لقُوَّة صبره، قَالَ: فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنَّه روى أَن من دخل غَار ثَوْر الَّذِي آوى إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر ﵁ وَسَأَلَ الله تَعَالَى أَن يذهب عَنهُ الْحزن لم يحزن على شَيْء من مصائب الدُّنْيَا وَقد فعلت ذَلِك فَمَا ترى مِنْهُ. قَالَ الْمرْجَانِي: والخاصة فِي ذَلِك من قَوْله تَعَالَى: " ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا ". قَالَ: وَرَأَيْت بِهَذَا الْجَبَل حَيَوَانا يُسمى الْحُلْقُوم لَهُ ألف كرَاع فِي مِائَتي رجل، ورأيته أَيْضا بِأَرْض الطَّائِف ونخله بالقدس من أَرض فلسطين. انْتهى. وَالنَّاس يدْخلُونَ غَار جبل ثَوْر من بَابه الضّيق وَمن بَابه المتسع وَبَعض النَّاس يتَجَنَّب دُخُوله من بَابه الضّيق وَيَقُولُونَ: من لم يدْخل مِنْهُ لَيْسَ لِأَبِيهِ. وَقد وسع الْبَاب الضّيق فِي زَمَاننَا لِأَن بعض النَّاس انحبس فِيهِ لما ولج فَلم يقدر أَن يخرج وَلَا يدْخل وَمكث على ذَلِك قَرِيبا من لَيْلَة فراح عَلَيْهِ المجاورون ووسعوا لَهُ وَقَطعُوا عَنهُ الْحجر
[ ٢٠٥ ]
من الجوانب فانفتح حَتَّى اتَّسع الْموضع. وَمِنْهَا: جبل ثبير وَهُوَ جبل الْمزْدَلِفَة الَّذِي على يسَار الذَّاهِب كَمَا عرفه الْأَزْرَقِيّ وَغَيره وَقد تقدم فِي أول الْبَاب الْحَادِي عشر ضَبطه وتعريفه وَهُوَ جبل مَشْهُور عِنْد أهل مَكَّة. قَالَ الْقزْوِينِي: إِنَّه جبل مبارك يَقْصِدهُ الزوار وَتقدم النَّقْل عَن ابْن النقاش أَنه يُسْتَجَاب الدُّعَاء بِهِ وَتقدم أَيْضا قبيل هَذَا أَنه تَعَالَى لما تجلى للجبل تشظى مِنْهُ شظايا فَوَقَعت بِمَكَّة ثَلَاثًا مِنْهَا ثبير قَالَ السُّهيْلي: ذكرُوا أَن ثبيرًا كَانَ رجلا من هُذَيْل مَاتَ فِي ذَلِك الْجَبَل فَعرف الْجَبَل فِيهِ. وَمِنْهَا: الْجَبَل الَّذِي يلْحقهُ مَسْجِد الْخيف وَفِيه غَار المرسلات ياثره الْخلف عَن السّلف كَمَا ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ وعَلى ذَلِك أدركنا النَّاس فِي عصرنا يَقُولُونَ فِي أمره وَيدل لَهُ الحَدِيث الثَّابِت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَار بمنى إِذْ نزلت عَلَيْهِ: " والمرسلات عرفا " الحَدِيث. وَقد تقدم ذكره فِي الْفَضَائِل أول هَذَا الْفَصْل.