قد تقدم أَنه زنى رجل من جرهم بِامْرَأَة فِي الْكَعْبَة وقبّلها فِيهَا فمسخا حجرين، وَاسم الرجل إساف بن بغه، وَقيل: إساف بن عَمْرو، وَاسم الْمَرْأَة نائلة بنت ذِئْب، وَقيل: بنت سُهَيْل، فأخرجا من الْكَعْبَة وَعَلَيْهِمَا ثيابهما فنصب أَحدهمَا على الصَّفَا وَالْآخر على الْمَرْوَة، فَلم يزل الْأَمر يدرس ويتقادم حَتَّى صَار يمسحهما من وقف على الصَّفَا والمروة ثمَّ صَارا وثنين يعبدان، فَلَمَّا كَانَ عَمْرو بن لحي أَمر النَّاس بعبادتهما والتمسح بهما حَتَّى كَانَ قصيّ فَصَارَت إِلَيْهِ الحجابة وَأمر مَكَّة فحولهما من الصَّفَا والمروة، فَجعل أَحدهمَا بلصق الْكَعْبَة وَجعل الآخر فِي مَوضِع زَمْزَم، وَكَانَ ينْحَر عِنْدهمَا وَكَانَ يطْرَح بَينهمَا مَا يهدى للكعبة، وَلم تكن تَدْنُو مِنْهُمَا امْرَأَة طامث وَكَانَ الطَّائِف إِذا طَاف بِالْبَيْتِ بَدَأَ بإساف فاستلمه، وَإِذا فرغ من طَوَافه ختم بنائلة فاستلمها، حَتَّى كَانَ يَوْم الْفَتْح فكسرهما رَسُول الله ﷺ مَعَ مَا كسر من الْأَصْنَام. فَخرج من نائلة عَجُوز سَوْدَاء شَمْطَاء حبشية تخمش وَجههَا عُرْيَانَة نَاشِرَة الشّعْر تَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور، فَقيل لرَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك: فَقَالَ: " تِلْكَ نائلة قد أَيِست أَن تعبد ببلادكم ". وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة يَوْم الْفَتْح وَإِن بهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ صنمًا قد سدها لَهُم إِبْلِيس بِالطَّعَامِ وَفِي رِوَايَة: حول الْكَعْبَة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ صنمًا وَكَانَ بيد رَسُول الله ﷺ قضيب فَطَافَ على رَاحِلَته وَجعل يطعنها
[ ٧٢ ]
وَيَقُول: " جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقًا " فَمَا مِنْهَا صنم أَشَارَ إِلَى وَجهه إِلَّا وَقع على دبره، وَلَا أَشَارَ إِلَى دبه إِلَّا وَقع على وَجهه حَتَّى وَقعت كلهَا وَأمر بهبل فَكسر وَهُوَ وَاقِف عَلَيْهِ. فَقَالَ الزبير بن الْعَوام ﵁ لأبي سُفْيَان: يَا أَبَا سُفْيَان بن حَرْب قد كسر هُبل أما إِنَّك قد كنت مِنْهُ يَوْم أحد فِي غرور حِين تزْعم أَنه قد أنعم عَلَيْك، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: دع هَذَا عَنْك يَا ابْن الْعَوام فقد أرى أَن لَو كَانَ مَعَ إِلَه مُحَمَّد غَيره لَكَانَ غير مَا كَانَ. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لما صلى النَّبِي ﷺ الظّهْر يَوْم الْفَتْح أَمر بالأصنام الَّتِي حول الْكَعْبَة فَجمعت ثمَّ حرقت بالنَّار وَكسرت، وَلم يكن فِي قُرَيْش رجل بِمَكَّة إِلَّا وَفِي بَيته صنم. وَيُقَال: إِن إِبْلِيس رن ثَلَاث رنات: رنة حِين لعن فتغيرت صورته عَن صُورَة الْمَلَائِكَة، وَرَنَّة حِين رأى رَسُول الله ﷺ قَائِما بِمَكَّة، وَرَنَّة حِين افْتتح رَسُول الله ﷺ. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: نصب عَمْرو بن لحي الخلصة بِأَسْفَل مَكَّة، وَكَانُوا يلبسونها القلائد ويهدون لَهَا الشّعير وَالْحِنْطَة ويصبون عَلَيْهَا اللَّبن ويذبحون لَهَا ويعلقون عَلَيْهَا بيض النعام، وَنصب على الصَّفَا صنمًا يُقَال لَهُ: نهيك مجاود الرّيح، وَنصب على الْمَرْوَة صنمًا يُقَال لَهُ: مطعم الطير. وَأما مَنَاة وَكَانَت صَخْرَة لهذيل وخزاعة فَأول من نصبها عَمْرو بن لحي على سَاحل الْبَحْر مِمَّا يَلِي قديد، وَكَانَت الْأَوْس والخزرج وغسان من الأزد وَمن دَان دينهَا من أهل يثرب وَأهل الشَّام كَانُوا يحجونها ويعظمونها، فَإِذا طافوا بِالْبَيْتِ
[ ٧٣ ]
وأفاضوا من عَرَفَات وفرغوا من منى لم يحلقوا رؤوسهم إِلَّا عِنْد مَنَاة، وَكَانَ يهلون لَهَا وَمن أهل لَهَا لم يطف بَين الصَّفَا والمروة مَكَان الصنمين اللَّذين عَلَيْهِمَا، وهما نهيك مجاود الرّيح ومطعم الطير، وَكَانَ هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار يهلون بمناة، وَكَانُوا إِذا أهلوا بِحَجّ أَو عمْرَة لم يظل أحد مِنْهُم سقف بَيته حَتَّى يفرغ من حجه أَو عمرته، فَكَانَ الرجل إِذا أحرم لم يدْخل بَيته، وَإِن كَانَت لَهُ فِيهِ حَاجَة تسور من ظهر بَيته لِئَلَّا يحف رتاج الْبَاب رَأسه، فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وَهدم أَمر الْجَاهِلِيَّة أنزل فِي ذَلِك: " وَلَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا ". وَأما اللات والعزى فَكَانَ بَدْء أَمرهمَا فِيمَا روى ابْن عَبَّاس: أَن رجلا مِمَّن مضى كَانَ يقْعد على صَخْرَة لثقيف يَبِيع السّمن من الْحَاج إِذا مروا فتلت سويقهم وَكَانَ ذَا غنم فسميت الصَّخْرَة اللات فَمَاتَ، فَلَمَّا فَقده النَّاس قَالَ لَهُم عَمْرو: إِن ربكُم كَانَ اللات فَدخل فِي جَوف الصَّخْرَة، وَكَانَت الْعُزَّى ثَلَاث شجرات سمُرَات بنخلة، وَكَانَ أول من دعى إِلَى عبادتها عَمْرو بن ربيعَة والْحَارث بن كَعْب، وَقَالَ لَهُم عَمْرو: إِن ربكُم يصيف بِاللات لبرد الطَّائِف ويشتو بالعزى لحر تهَامَة، وَكَانَ فِي كل وَاحِدَة شَيْطَان يعبد ثمَّ بعث رَسُول الله ﷺ بعد الْفَتْح خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى الْعُزَّى يقطعهَا فقطعها ثمَّ جَاءَ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: " مَا رَأَيْت فِيهِنَّ؟ " فَقَالَ: لَا شَيْء قَالَ: " مَا قطعتهن فَارْجِع فاقطع " فَرجع فَقطع فَوجدَ تَحت أَصْلهَا امْرَأَة نَاشِرَة شعرهَا قَائِمَة عَلَيْهِم كَأَنَّهَا تنوح عَلَيْهِنَّ فَرجع فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت كَذَا وَكَذَا قَالَ: " صدقت ". ويروى أَن خَالِد بن الْوَلِيد خرج إِلَى الْعُزَّى يَهْدِمهَا فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا من أَصْحَابه حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا فَهَدمهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " أهدمت؟ " قَالَ: نعم يَا رَسُول الله. قَالَ: " هَل رَأَيْت شَيْئا؟ " قَالَ: لَا.
[ ٧٤ ]
قَالَ ﷺ: " فَإنَّك لم تَهدمهَا فَارْجِع فَاهْدِمْهَا " فَخرج خَالِد وَهُوَ متغيظ فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهَا جرد سَيْفه فَخرجت إِلَيْهِ امْرَأَة عُرْيَانَة نَاشِرَة شعرهَا فَجعل السادن يَصِيح بهَا فَأقبل خَالِد بِالسَّيْفِ إِلَيْهَا فضربها فجزلها بِاثْنَتَيْنِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ، قَالَ: " تِلْكَ الْعُزَّى قد أَيِست أَن تعبد ببلادكم ". فَقَالَ خَالِد: يَا رَسُول الله، الْحَمد لله الَّذِي أكرمنا بك وأنقذنا بك من الهلكة، لقد كنت أرى أبي يَأْتِي إِلَى الْعُزَّى بِخَير مَاله من الْإِبِل وَالْغنم فيذبحها للعزى وَيُقِيم عِنْدهَا ثَلَاثًا ثمَّ ينْصَرف إِلَيْنَا مَسْرُورا، وَنظرت إِلَى مَا مَاتَ أبي وَإِلَى ذَلِك الرَّأْي الَّذِي يعاش فِي فَضله، وَكَيف خدع حَتَّى صَار يذبح لما لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يضر وَلَا ينفع، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: " إِن هَذَا الْأَمر إِلَى الله فَمن يسره للهدى تيَسّر لَهُ وَمن يسره للضلالة كَانَ فِيهَا ". وَكَانَ هدمها لخمس لَيَال بَقينَ من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان، وَكَانَ سادنها أَفْلح بن النَّضر السّلمِيّ من بني سليم، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ أَبُو لَهب يعودهُ وَهُوَ حَزِين، فَقَالَ: مَا لي أَرَاك حَزينًا " قَالَ: أَخَاف أَن تضيع الْعُزَّى من بعدِي. فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهب: لَا تحزن فَأَنا أقوم عَلَيْهَا بعْدك. فَجعل أَبُو لَهب يَقُول لكل من لقِيه: إِن تظهر الْعُزَّى كنت قد اتَّخذت عِنْدهَا يدا، وَإِن يظْهر مُحَمَّد ﷺ على الْعُزَّى وَمَا أرَاهُ يظْهر فَابْن أخي. فَأنْزل الله ﷿ " تبت يدا أبي لَهب وَتب ". وَأما ذَات أنواط: فَكَانَت شَجَرَة عَظِيمَة خضراء بحنين، يُقَال لَهَا: " ذَات أنواط " لكفار قُرَيْش وَمن سواهُم من الْعَرَب، كَانُوا يعظمونها ويذبحون بهَا ويعكفون عِنْدهَا يَوْمًا، وَكَانَ من حج مِنْهُم وضع زَاده عِنْدهَا وَيدخل بِغَيْر زَاد تَعْظِيمًا للحرم، فَلَمَّا ذهب رَسُول الله ﷺ إِلَى حنين قَالَ لَهُ رَهْط من أَصْحَابه فيهم الْحَارِث بن مَالك: يَا رَسُول الله اجْعَل لنا ذَات أنواط كَمَا لَهُم ذَات أنواط فَكبر رَسُول الله ﷺ وَقَالَ: " هَكَذَا قَالَ قوم مُوسَى ": " اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة قَالَ إِنَّكُم قوم تجهلون ".
[ ٧٥ ]