اخْتلفُوا هَل كَانَ فِي عهد النَّبِي ﷺ مُلْصقًا بِالْبَيْتِ، أَو فِي مَوْضِعه الْآن؟ وَالصَّحِيح أَنه كَانَ فِي عهد النَّبِي ﷺ مُلْصقًا بِالْبَيْتِ. روى الْأَزْرَقِيّ عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي قَالَ: كَانَت السُّيُول تدخل الْمَسْجِد الْحَرَام من بَاب بني شيبَة قبل أَن يردم عمر بن الْخطاب الرَّدْم الْأَعْلَى، وَكَانَ يُقَال لهَذَا الْبَاب: بَاب السَّيْل، وَكَانَت السُّيُول رُبمَا رفعت الْمقَام عَن مَوْضِعه وَإِلَى وَجه الْكَعْبَة. حَتَّى جَاءَ سيل فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب يُقَال لَهُ: سيل أم نهشل، وَسمي بذلك؛ لِأَنَّهُ ذهب بِأم نهشل ابْنة عُبَيْدَة ابْن أبي حجيجة فَمَاتَتْ فِيهِ، فَاحْتمل الْمقَام من مَوْضِعه هَذَا فَذهب بِهِ حَتَّى وجد بِأَسْفَل مَكَّة، فَأتى بِهِ فَربط فِي أَسْتَار الْكَعْبَة فِي وَجههَا، وَكتب فِي ذَلِك إِلَى عمر ﵁ فَأقبل عمر فَزعًا، فَدخل بِعُمْرَة فِي شهر رَمَضَان وَقد عُفيَ مَوْضِعه وعفاه السَّيْل، فَدَعَا عمر بِالنَّاسِ فَقَالَ: أنْشد الله عبدا عِنْده علم فِي هَذَا الْمقَام أَيْن مَوْضِعه؟ فَقَالَ الْمطلب بن أبي ودَاعَة: عِنْدِي ذَلِك فقد كنت أخْشَى عَلَيْهِ
[ ١٢٨ ]
هَذَا، فَأخذت قدره فِي مَوْضِعه إِلَى الرُّكْن، وَمن مَوْضِعه إِلَى بَاب الْحجر وَمن مَوْضِعه إِلَى زَمْزَم بميقاط وَهُوَ عِنْدِي فِي الْبَيْت. فَقَالَ لَهُ عمر: فاجلس عِنْدِي وَأرْسل إِلَيْهَا. فَأتى بهَا فَمدَّهَا فَوَجَدَهَا مستوية إِلَى مَوْضِعه هَذَا، فَسَأَلَ النَّاس وشاورهم فَقَالُوا: نعم هَذَا مَوْضِعه. فَلَمَّا استثبت ذَلِك عمر وَحقّ عِنْده أَمر بِهِ فَاعْلَم بِبِنَاء ربضه تَحت الْمقَام ثمَّ حوله فَهُوَ فِي مَكَانَهُ هَذَا إِلَى الْيَوْم. وروى الْأَزْرَقِيّ أَيْضا عَن ابْن أبي مليكَة أَنه قَالَ: مَوضِع الْمقَام هُوَ الَّذِي بِهِ الْيَوْم، وَهُوَ مَوْضِعه فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي عهد النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر ﵄ إِلَّا أَن السَّيْل ذهب بِهِ فِي خلَافَة عمر فَجعل فِي وَجه الْكَعْبَة حَتَّى قدم عمر ﵁ فَرده بِمحضر من النَّاس. وَنقل الْأَزْرَقِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير أَن الْمقَام كَانَ عِنْد صقع الْبَيْت فَأَما مَوْضِعه الَّذِي هُوَ مَوْضِعه فموضعه الْآن، وَأما مَا يَقُول النَّاس: إِنَّه كَانَ هُنَالك مَوْضِعه فَلَا. انْتهى كَلَام الْأَزْرَقِيّ. وَقَالَ مَالك فِي الْمُدَوَّنَة: كَانَ الْمقَام فِي عهد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ فِي مَكَانَهُ الْيَوْم، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة ألصقوه بِالْبَيْتِ خيفة السَّيْل وَكَانَ ذَلِك فِي عهد النَّبِي ﷺ وعهد أبي بكر، فَلَمَّا ولي عمر ﵁ رده بعد أَن قَاس مَوْضِعه بخيوط قديمَة قيس بهَا حِين أَخْبرُوهُ. وَحكى سَنَد عَن أَشهب عَن مَالك: أَن الَّذِي حمل عمر على ذَلِك وَالله أعلم مَا كلن النَّبِي ﷺ يذكرهُ من كَرَاهِيَة تَغْيِير مراسيم إِبْرَاهِيم ﵇ وَمِنْه قَوْله ﷺ لعَائِشَة: " لَوْلَا حدثان قَوْمك بِكفْر لنقضت الْكَعْبَة ". فَرَأى عمر أَن ذَلِك لَيْسَ فِيهِ تَغْيِير لمَكَان مَا رَآهُ من مراسيم إِبْرَاهِيم ﵇ انْتهى. وَفِي هَذَا مناقضة ظَاهِرَة لما ذكره الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن أبي مليكَة، وَأما مَا ذكره الْمطلب
[ ١٢٩ ]
ابْن أبي ودَاعَة فَيحْتَمل أَمريْن؛ أَحدهمَا: أَن يكون قَول عمر: أنْشد الله عبدا عِنْده علم فِي هَذَا الْمقَام أَيْن مَوْضِعه؟ أَي: الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي عهد النُّبُوَّة وَهُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم؛ لِأَنَّهُ كَانَ بحاثًا عَن السّنة وقافًا عِنْدهَا، وَكَذَلِكَ فهمه ابْن أبي مليكَة فَأثْبت لذَلِك أَن مَوْضِعه الْيَوْم هُوَ الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ فِي عهد النُّبُوَّة، وَأَن إلصاقه بِالْبَيْتِ إِنَّمَا كَانَ لعَارض السَّيْل. الِاحْتِمَال الثَّانِي: أَن يكون عمر سَأَلَ عَن مَوْضِعه فِي زمن إِبْرَاهِيم ﵇ ليَرُدهُ إِلَيْهِ لعلمه أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُؤثر مراسيم إِبْرَاهِيم ﵇ وَيكرهُ تغييرها، وَيكون سَبيله ﷺ فِي تَقْرِير الْمقَام مُلْصقًا بِالْبَيْتِ إِلَى أَن توفّي ﷺ سَبيله فِي تَقْرِير مَا كَانَ من الْكَعْبَة فِي الْحجر تأليفًا لقريش فِي عدم تَغْيِير مراسيمهم، فَلذَلِك سَأَلَ عمر عَن مَكَان الْمقَام فِي زمن إِبْرَاهِيم ﵇ ليَرُدهُ إِلَيْهِ. وعَلى هَذَا التَّأْوِيل فَلَا مناقضة بَين مَا رَوَاهُ الْمطلب وَالْإِمَام مَالك فَيكون الْجمع بَينهمَا أولى من ترك أَحدهمَا وَيكون ابْن أبي مليكَة قَالَ مَا قَالَه فهما من سِيَاق مَا رَوَاهُ الْمطلب وَالْإِمَام مَالك أثبت مَا أثْبته جَازِمًا بِهِ، فَلَا يكون ذَلِك إِلَّا عَن تَوْقِيف فَكَانَ الْجمع أولى قَالَه الْمُحب الطَّبَرِيّ. ويروى أَن رجلا يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا كَانَ بِمَكَّة فَأسلم يُقَال لَهُ: جريج ففقد الْمقَام ذَات لَيْلَة فَوجدَ عِنْده أَرَادَ أَن يُخرجهُ إِلَى ملك الرّوم فَأخذ مِنْهُ وَضربت عُنُقه. وَعَن عبد الله بن السَّائِب وَكَانَ يُصَلِّي بِأَهْل مَكَّة قَالَ: أَنا أول من صلى خلف الْمقَام حِين رد فِي مَوْضِعه هَذَا، ثمَّ دخل عمر ﵁ وَأَنا فِي الصَّلَاة فصلى خَلْفي صَلَاة الْمغرب.