يرْوى أَنه لما أخرج الله مَاء زَمْزَم لأم إِسْمَاعِيل بَيْنَمَا هِيَ على ذَلِك مر ركب من جرهم قافلين من الشَّام فِي الطَّرِيق السُّفْلى، فَرَأى الركب الطير على المَاء، فَقَالَ بَعضهم: مَا كَانَ بِهَذَا الْوَادي من مَاء وَلَا أنيس، فأرسلوا جريين لَهُم حَتَّى أَتَيَا أم إِسْمَاعِيل فكلماها، ثمَّ رجعا إِلَى ركبهما فأخبراهم بمكانهما، فَرجع الركب كلهم حَتَّى حيوها فَردَّتْ عَلَيْهِم، فَقَالُوا: لمن هَذَا " المَال "؟ قَالَت أم إِسْمَاعِيل: هُوَ لي. قَالُوا لَهَا: أَتَأْذَنِينَ لنا أَن ننزل مَعَك عَلَيْهِ؟ قَالَت: نعم. قَالَ النَّبِي ﷺ: " ألفى ذَلِك أم إِسْمَاعِيل، وَقد أحبت الْأنس ". فنزلوا وبعثوا إِلَى أَهَالِيهمْ فقدموا وَسَكنُوا تَحت الدوح، واعترشوا عَلَيْهَا الْعَرْش فَكَانَت مَعَهم هِيَ وَابْنهَا حَتَّى ترعرع الْغُلَام ونفسوا فِيهِ وأعجبهم، وَتوفيت أم إِسْمَاعِيل. وطعامهم الصَّيْد يخرجُون من الْحرم وَيخرج مَعَهم إِسْمَاعِيل فيصيد، فَلَمَّا بلغ أنكحوه جَارِيَة مِنْهُم. فَأقبل إِبْرَاهِيم من الشَّام يَقُول: حَتَّى أطالع تركتي، فَقدم مَكَّة فَوجدَ امْرَأَة إِسْمَاعِيل فَسَأَلَهَا عَنهُ، فَقَالَت: هُوَ غَائِب وَلم تكن لَهُ فِي
[ ٣٤ ]
القَوْل، فَقَالَ لَهَا: قولي لإسماعيل: قد جَاءَ بعْدك شيخ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك: غير عتبَة بَيْتك فَإِنِّي لم أرْضهَا لَك. وَكَانَ إِسْمَاعِيل كلما جَاءَ يسْأَل أَهله هَل جَاءَكُم أحد بعدِي؟ فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلَ أَهله، فَقَالَت امْرَأَته: قد جَاءَ بعْدك شيخ فنعتته لَهُ، فَقَالَ لَهَا إِسْمَاعِيل: قلت لَهُ شَيْئا. قَالَت: لَا. قَالَ: فَهَل قَالَ لَك شَيْئا. قَالَت: نعم، اقرئي ﵇ وَقَوْلِي لَهُ: غير عتبَة بَيْتك فَإِنِّي لم أرْضهَا لَك. قَالَ إِسْمَاعِيل: أَنْت عتبَة بَيْتِي فارجعي إِلَى أهلك، فَردهَا إِسْمَاعِيل فأنكحوه امْرَأَة أُخْرَى اسْمهَا سامة بنت مهلهل، وَقيل: عَاتِكَة ثمَّ لبث إِبْرَاهِيم مَا شَاءَ الله أَن يلبث، ثمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيم فَوجدَ إِسْمَاعِيل غَائِبا وَوجد امْرَأَته الْأُخْرَى، فَوقف فَسلم فَردَّتْ ﵇ واستنزلته وَعرضت عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب، فَقَالَ: مَا شرابكم وطعامكم، قَالَت: اللَّحْم وَالْمَاء. فَقَالَ: هَل من حب أَو غَيره من الطَّعَام؟ قَالَت: لَا. قَالَ: بَارك الله لكم فِي اللَّحْم وَالْمَاء. قَالَ النَّبِي ﷺ: " لَو وجد عِنْدهَا يَوْمئِذٍ حبا لدعا لَهُم بِالْبركَةِ فِيهِ؛ فَكَانَت تكون أَرضًا ذَات زرع ". ثمَّ ولى إِبْرَاهِيم وَقَالَ: قولي لَهُ: قد جَاءَ بعْدك شيخ فَقَالَ: إِنِّي وجدت عتبَة بَيْتك صَالِحَة فأقرّها.