بنظرة إلى مقدمة تجارب الأمم، يتّضح أنّ التاريخ في رأى مسكويه، يشتمل على أحداث يمكن للإنسان أن يستفيد منها تجربة في حياته الفردية والاجتماعية، في أمور لا تزال يتكرّر مثلها، وينتظر حدوث أشباهها، وإذا عرف الإنسان تلك الأحداث وقيمتها التجريبيّة ثم اتّخذها إماما لنفسه، يقتدى به، فهذا يجعله يحذر ممّا ابتلى به قوم، ويتمسّك بما سعدوا به. والنظرة هذه تبتنى على رأيه القائل: إنّ أمور الدنيا متشابهة، وأحوالها متناسبة.
فباستطاعة الإنسان أن يقارن الحاضر بالماضي، ويهتدى بهدى التجارب التي حصلت فيه للأسلاف. ثم إنّ ما يحفظه الإنسان من التاريخ، كأنه تجارب له، باشرها بنفسه، فأصبح خبيرا بالأمور التي لم يجرّبها فعلا في حياته، حتى إنّه يعرفها بعد ذلك قبل وقوعها، فيستقبلها استقبال الخبر، فيفعل في علاجها الأنسب والأجدى، فيحلّ مشاكله، وينجح في مشاريعه نجاح الخبير الواعي.
[ ١ / ٢٧ ]
بيد أنّ مسكويه لا حظ أنّ تلك الأخبار التاريخيّة الحقّة مغمورة بالأسمار، متبدّدة في الخرافات والأساطير التي ليست لها فائدة إلّا استجلاب النوم بها، والتأنّس بالمستطرف منها. فأخذها بالنقد واستخراج ذات القيمة منها، وضرب صفحا عمّا لم يجد فيها قيمة تاريخيّة تجريبيّة وتركها وهو يرى أنّ للأحداث التاريخيّة الحقّة أيضا أنس السمر الذي يوجد في الخرافات والأساطير. إنّ مسكويه لم يثق بروايات ما قبل الطوفان، لفقدانها القيمة التاريخيّة التي ينشدها هو، كما لم يجد في المعجزات تجربة إنسيّة يستطيع الجميع أن يمارسوا مثلها، أو يعتبروا بها، وهذا لا يعنى أنّه ترك ما كان للأنبياء من تدابيرهم البشريّة التي ليست مقرونة بالإعجاز، لأنّ هذا النمط من أخبارهم وارد في صميم ما اهتمّ به مسكويه في كتابة التاريخ. مع العلم بأنّ لمسكويه كتابا في صفات الأنبياء السالفين تحت عنوان: أحوال الحكماء وصفات الأنبياء السالفين (أنظر التصدير: الآثار) . وهذا ردّ على المستشرق كرادى فو (I،١٠٦) في ما اتّهمه به من أنّه لم يحترم السنّة. وأخيرا، عمد مسكويه إلى أحداث تجرى على البخت والاتّفاق، ممّا هو خارج عن نطاق تدبير الإنسان وقدرته، حتى تكون في حسبانه، ولا تسقط من ديوان الحوادث عنده، وما ينتظر وقوع مثله، وإن لم يستطع تحرّزا من مكروهه.
إنّه لن ينسى ما ضمنه في مقدّمة الكتاب، بل نراه يؤكد هنا وهناك وبمناسبات شتّى، على أغراضه ويصرّ على المضىّ في النهج الذي نهجه لنفسه في عمله. فحينا نراه يبرّر تركه ذكر بعض الأشياء بقوله: «لخروجها عمّا بنينا عليه غرض هذا الكتاب (٢٦٤ بن ١)، وحينا يؤكّد على هذا الغرض حتى في عنوان حدث أراد ذكره. ففي عنوان الحديث عن الشورى يقول:
«ذكر ما يجب ذكره من حديث الشورى وما يليق منه بهذا الكتاب.» وكذلك، وبعد أن ينقل الحوار الذي جرى بين الإمام على بن أبى طالب والزبير: الحوار الذي أثّر في الزبير حتى أقسم لا يحارب عليّا- لولا وسوسة ابنه له واقتراحه التكفير عن اليمين بعتق غلام له يقال له: مكحول- وبعد إيراده هذا الحدث نراه يقول: «وإنّما حكينا هذه الحكاية لأنّ فيها تجربة تستفاد، وإن ذهب على قوم فإنّا ننبّه عليه، وذلك أنّ المحنق ربما سكن بالكلام الصحيح، والساكن ربما أحنق بالزور من الكلام، وذلك بحسب تأتّى من يريد ذلك، وإتيانه من وجهه.»
[ ١ / ٢٨ ]
(٥٥٠ بن ١) . ولا يهمّه في ذلك شخصيّة القائل أو الفاعل، ولا ينظر إلى من قال أو فعل، بل يهمّه مغزى ما قال أو فعل، من حيث تلاؤمه وأغراضه في كتابه تجارب الأمم. فنراه يستحسن موقفا من مواقف الضحّاك الشهير بالسفك والقتل والظلم، وينقل كلاما منه حيث قال في الإجابة على أمّه البذيئة: «فلمّا هممت بالسطوة بهم (أى: بكابى الاصبهانى وأصحابه عند ما زاروه للتأتّى له واستعطافه- ١٥- ١٤ بن ١) وقف الحقّ بيني وبينهم كالجبل، فحال بيني وبين ما أردت.» ثم يعلّق مسكويه على هذا الكلام بقوله: «فهذا ما استحسن من فعل الضحّاك وقوله ولا يعرف له شيء مستحسن غيره.» إنّ هذا الالتزام الواعي الذي يبديه مسكويه تجاه منهجه، هو ما لا نراه عند كثير من المصنّفين. فمسكويه، كما قال روزنتال (١٩٦، ١٩٧) يمثّل مستوى عاليا في الكتابة التاريخيّة، فهو قلّما يهتمّ بالأمور التافهة، بل يدرك كلّ ما له قيمة تاريخيّة جوهريّة، ويعرض الأحداث الهامّة بشكل معقول متماسك.
إنّ المؤرخين المسلمين- ومعظمهم ممّن تأخّر عن مسكويه وتأثّر به بالذات- نظروا إلى التاريخ من حيث هو درس وعظة وعبرة، ولكنّ مسكويه، السابق في هذا المضمار، هو المؤرّخ الوحيد الذي نهج منهج الاستدلال الفلسفي مع ما كان له من نظرة أخلاقية عمليّة برغماتية (Pragmatic) إلى حوادث التاريخ (زرياب: ١٨٠- بتصرّف) . إنّك لا تجد بين المؤرّخين المسلمين مؤرّخا عمد إلى التاريخ عن وعى وجدّ، نشدانا للفوائد التي تنطوى عليها أحداثه، بالمستوى الذي عمد إليه مسكويه. إنّه حكيم أخلاقىّ، ومصنّف كتاب حكيم باسم تجارب الأمم. كما هو رائد في الكتابة العلميّة للتاريخ، وأوّل من شقّ الطريق إلى فلسفة التاريخ، ليكون أسوة حسنة فيما بعد، لأمثال رشيد الدين فضل الله (٦٤٥- ٧١٨ هـ) في جامع التواريخ، وابن خلدون (٧٣٢- ٨٠٦ هـ) في مقدمته، ثم الكافيجي (القرن التاسع) في كتابه: المختصر في علم التاريخ، والسخاوي (٨٣٠- ٩٢٠ هـ) في كتابه: الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التاريخ (زرين كوب: ٧١، ٧٤- بتصرف) . وهناك ميزة أخرى أشار إليها كيتانى في مقدمته حيث قال: إنّ الأثر الذي بقي لنا من مسكويه، بنى على أساس منهج قريب جدا من المبادئ المتّبعة عند مؤرّخى العالم الغربي والمؤرّخين المتأخّرين، ومسكويه خلافا لسلفه الشهير الطبري الذي استهدف- أساسا- جمع المواد التاريخيّة،
[ ١ / ٢٩ ]
وعرضها على ترتيب تاريخىّ لائق، عزم على أن يصنّف تاريخه كبناء عضوي يكون الفكر الأساسى المحدّد عنصرا بنّاء في الكتاب بأسره، رابطا كلّ أجزاء التصنيف بعضها ببعض.
يرى القارئ على صفحات هذا الكتاب عنصرا شخصيا لا يجده في المصنّفات التاريخيّة الأخرى المؤلّفة في تلك الحقبة.
إنّ تجارب الأمم- وبصورة جلّية- عمل فكرى نتج عن ذهن استدلالى بنّاء، يسوده انطباع سام من غرض المؤرّخ وواجبه، وبهذا، يبدى مسكويه فضلا كبيرا على من سبقه أو عاصره من المؤرّخين الذين كتبوا آثارهم باللغة العربية. إنّه لا يرضيه مجرّد جمع المادة التاريخيّة وعرضها في ترتيب تاريخىّ، لأنّه يعتقد أنّ أحداث الماضي تترابط في ما بينها بشبكة من المصالح الإنسيّة. وفي الحقيقة، فإنّ التاريخ- كما يراه مسكويه- ليس غير هذا، كما يرى العاقل في رواية التاريخ الحقّة ينبوعا من العلم الثمين (كيتانى، المقدمة. (IIX- IXL:
إنّ مسكويه لا يميل إلى أحد في كتابة التاريخ، ولا يحيد به عن المنهج القويم أىّ انتماء.
«لقد كتب تاريخه- كما نبّه عليه مرجوليوث أيضا- في حياد تامّ، مع أنّه عاش في خدمة الأمراء والوزراء البويهيّين، وكان من المتوقع أن يشيد بهم ويمدحهم، ولا يتعرّض لنقدهم أبدا، في حين نراه لم يمل إليهم في كتابة التاريخ،» ولم يراع جانبهم في ما كتبه عنهم، بل نراه يؤاخذهم على أشياء في سلوكهم وتدابيرهم.