عاش مسكويه حوالى مائة سنة، ووصل إلى أرذل العمر الذي امتدّ من سنة ٣٢٠ هـ على الأقوى، إلى التاسع من صفر سنة ٤٢١ هـ. بالتحديد على ما ذكره ياقوت نقلا عن يحيى بن مندة. ويبدو أن مرجليوث هو أوّل من حاول تحديد مولد مسكويه، وذلك في المقدمة التي قدّمها لترجمته الإنجليزية للجزأين الأخيرين من تجارب الأمم وذيل الروذراورى له (أنظر. (LEcl.،Pref.،P.ii:فنراه وقد حدّد مولد مسكويه «مؤقتا» سنة ٣٣٠ هـ.، ثم يعود قائلا: «أو أسبق بقليل» . ثم يحاول الدكتور عزّت (ص ٧٩- ٨٠) تقديم هذا التاريخ من ٣٣٠ إلى ٣٢٥ هـ. كما يقدّمه الدكتور عبد الرحمن بدوي (ص ٢٠- ٢١) أكثر من ذلك ويجعله سنة ٣٢٠ هـ. قائلا: «إن لم يكن قبل ذلك» . وأمّا الدلائل أو الأمارات الموجودة لتحديد مولد مسكويه فهي:
١. ما قاله مسكويه نفسه في تجارب الأمم في مقدمة حوادث سنة ٣٤٠ هـ. فصاعدا، ذاكرا مصادره في تقرير تلك الحوادث، قال:
«أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة، [أى بعد سنة ٣٤٠ هـ.] فهو عن مشاهدة وعيان، أو خبر محصّل يجرى عندي خبره مجرى ما عاينته. وذلك أنّ مثل الأستاذ الرئيس أبى الفضل محمد بن الحسين بن العميدرضي الله عنه- خبّرنى عن هذه الواقعة وغيرها بما دبّره وما اتّفق له فيها، فلم يكن إخباره لى دون مشاهدتى في الثقة والسكون إلى صدقه، ومثل أبى محمد المهلّبى﵀- خبّرنى بأكثر ما جرى في أيّامه، وذلك بطول الصحبة وكثره المجالسة، وحدّثنى كثير من المشايخ في عصرهما بما يستفاد منه تجربة، وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره، وما شاهدته وجرّبته بنفسي فسأحكيه أيضا بمشيئة الله.» ٢. ما قاله مسكويه في تجارب الأمم أيضا عن نفسه، (أنظر حوادث سنة ٣٤١)، وذلك
[ ١ / ١١ ]
عند ذكر معزّ الدولة بالحدّة والبذاءة، وموقف الوزير المهلّبى من أخلاقه. قال مسكويه:
«وكان معزّ الدولة حديدا سريع الغضب بذيء اللسان، يكثر سبّ وزرائه والمحتشمين من حشمه، ويفترى عليهم، فكان يلحق المهلّبى﵀- من فحشه وشتمه عرضه ما لا صبر لأحد عليه، فيحتمل ذلك احتمال من لا يكترث له وينصرف إلى منزله، وكنت أنادمه في الوقت، فلا أرى لما يسمعه فيه أثرا، ويجلس لأنسه نشيطا مسرورا» أمّا في الدليل الأوّل فيحدّثنا مسكويه عن «طول الصحبة وكثرة المجالسة» التي كانت بينه وبين الوزير المهلبي، وفي الدليل الثاني يقول: «وكنت أنادمه في الوقت.» والمعروف أنّ المهلّبى قد تولّى الكتابة لمعزّ الدولة سنة ٣٣٩ هـ. وخوطب بالوزارة سنة ٣٤٥ هـ. وتوفّى في شعبان سنة ٣٥٢ هـ. (أنظر التجارب، حوادث سنة ٣٣٩، ٣٤٥، ٣٥٢)، والفترة الواقعة بين سنتي ٣٣٩ و٣٥٢ هي التي كانت فيها تلك المنادمة والصحبة والمجالسة التي وصفها مسكويه بالكثرة والطول. نعم صحيح أنّه «قد صحب الوزير المهلّبى في أيّام شبيبته» - كما صرّح به أبو سليمان أيضا في الصوان (ص ٣٤٦- ٣٤٧) - ولكنّ مسكويه في هذه الشبيبة، لا يمكن أن تكون سنّة أقلّ من ٢٥ سنة، وخاصّة بالنظر إلى أنّه «كان من خواصّه ووجوه المختصّين به» - كما أضاف أبو سليمان- وكان من الحنكة والبصيرة على مستوى جعل المهلّبى يتخذه نديما له و«يخبره بأكثر ما جرى في أيّامه»، كما جعل مسكويه بالذات يعدّ نفسه مصدرا من مصادر تاريخ سنة ٣٤٠ فصاعدا، وذلك في قوله: «وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره، وما شاهدته وجرّبته بنفسي، فسأحكيه بمشيئة الله.» فبذلك لا يصحّ أن يكون مولده بعد سنة ٣٢٠، كما تكون منادمته وصحبته الطويلة ومجالسته الكثيرة للوزير المهلّبى ابتداء من عام ٣٤٥ أى دون احتساب الخمس السنوات الأولى (٣٣٩- ٣٤٤ هـ.) من وزارة المهلّبى وذلك لبعض الاحتمالات السلبيّة التي قد تعترى هذا الافتراض.
٣. وهناك دليل آخر، وهو دليل على طول عمره أكثر من كونه دليلا على تحديد سنواته أو تحديد ميلاده، وهو أنّ لمسكويه أبياتا يشكو فيها «سوء أثر الهرم وبلوغه أرذل العمر»
[ ١ / ١٢ ]
(أنظر الثعالبي، التتمة ص ٩٦) .
فبهذا لا نستبعد أن يكون مسكويه قد عمّر مائة سنة كاملة (٣٢٠- ٤٢١) إن لم نقل أكثر من ذلك، وعاش قرنا كاملا هو ألمع القرون الإسلاميّة حضارة، وهو عصر النهضة في الإسلام كما سمّاه آدم متز. وإذا عرفنا أنّ دولة البويهيين قد بدأت في سنة ٣٢٠ هـ، فيكون مسكويه والدولة البويهية، تربين، أو، لدتين، تعاصرا قرنا كاملا. والسنوات المائة هذه كانت قمّة ازدهار تلك الدولة، وأمّا السنوات المتبقّية من عمر الدولة (٢٧ ٤٢١- ٤٤٨ هـ.) فهي سنوات تنحدر الأسرة البويهيّة فيها، إلى حضيض الضعف والاضمحلال. فبذلك، يصبح مسكويه وثيقة حيّة من أوثق وثائق تلك الحقبة التاريخية التي لها خصائص وميزات في تاريخ الفكر والعلم الإسلاميين، وإن كانت بالنسبة للخلافة العباسية عصر تفكّك وتعدّد في مراكز الحكم، مع العلم بأنّ هذا بالذات، أدّى إلى تعدّد مراكز العلم أيضا، كما أدّى إلى ازدهار تلك المراكز، ونبوغ العلماء المنتمين إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامى آنذاك، وذلك لتنافس الأمراء وتفاخرهم فيما بينهم باجتذاب العلماء والأدباء إلى بلاطاتهم. فنبغ في غضون ذلك رجال علم وحكمة وأدب وسياسة عاصرهم مسكويه وعاصروه، وكان مسكويه على اتّصال وثيق بكثير منهم.