ولما ملك بيوراسب [٢] ظهر منه خبث شديد وفجور كثير، وملك الأرض كلّها، فسار فيها بالجور والعسف، وبسط يده بالقتل والصلب، ليهابه الناس، وليمحو عن صدور الناس سياسة من تقدّمه وذكرهم وسنّتهم. فسنّ العشور، واتخذ المغنّين والملهين. وكان على منكبه سلعتان [٣] يحركهما [٤] إذا شاء، كما يحرّك يديه.
فادّعى أنهما حيّتان، تهويلا على [١٢] ضعفاء الناس، وأغبيائهم، وكان يسترهما بثيابه.
فلما طالت أيامه وعمّ الناس جوره، كان من سوء عاقبة ذلك أن ظهر بإصبهان
_________________
(١) [()] القديم وبمعناه العام (مطلق الأجانب)، ثم بعد أن اختلطت الترك الألتائيون والفرس في تلك التخوم، دخلت كلمة «تاجيك» في لغة الترك فسمّت الترك الإيرانيين ب «تاجيك» فقيل: «ترك وتاجيك» (بس ٣: ٥٠ الحاشية) .
(٢) . في الأصول: أزدهاق، أژدهاك، ده آك. شا: أژدها، أژدهافش، بالأفستائية.LAgi -Ldahaka:بالفهلوية: ) Azhi -dahak ف) .
(٣) . في سائر الأصول: بيوراسب، بيوراسف، بهراسب. بالفهلوية) Bevarasp:ف)، أى: من له عشرة آلاف حصان (فم) .
(٤) . السلعة: زيادة تحدث في الجسد.
(٥) . مط: حركهما.
[ ١ / ٥٥ ]
رجل يقال له: «كابى» [١] من أثناء [٢] العامة، وكان الضحّاك قتل له ابنين. فلما بلغ الجزع من كابى هذا على ولديه ما بلغ، أخذ عصا، فعلّق بطرفها [٣] جرابا [٤] .- ويقال: إنّه كان حدّادا وإنّ الذي علّقه نطع [٥] كان يتوقّى به من النار- فجعله علما ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب [٦]، فأجابه خلق كثير، لما كانوا فيه من البلاء وفنون الجور. فاستفحل [٧] أمره وقوى، وتفأل الفرس بذلك العلم، وعظّموا أمره، وزادوه ورصّعوه بعد ذلك بالجوهر، حتى جعله ملوك العجم علمهم الأكبر الذي يتبرّكون به، وسمّوه «درفش كابيان» . فكانوا لا يسيّرونه إلّا في الأمور العظام.
ولما استعلى كابى الإصبهانى، وأشرف على بيوراسب، هرب [١٣] عن منازله.
واجتمع أشراف الناس على كابى، وناظروه في الملك. فقال لهم كابى: إنّه لا يتعرّض للملك، لأنه ليس من أهله. وأمرهم أن يملّكوا بعض ولد جمّ. وكان أفريذون [٨] بن أثفيان [٩] مستخفيا من الضحّاك في بعض النواحي، فوافى هو ومن معه إلى كابى، فاستبشر الناس به، لأنّه كان مرشّحا للملك. فصار كابى أحد أعوان أفريذون حتى احتوى [١٠] على منازل بيوراسب [١١]، وحتى تبعه وأسره
_________________
(١) . كذا في الطبري (١: ٢٠٧)، وابن الأثير (١: ٧٥)، الثعالبي (ص ٣٤) . في الفارسية الحديثة: كاوه. بالفهلوية) LKavagh:حب) .
(٢) . مط: من أبناء العامة.
(٣) . في الأصل: بأطرافها، والتصحيح من مط.
(٤) . الجراب: الوعاء، أو: المزود من إهاب الشاء.
(٥) . النطع: بساط من الأدم أى من الجلود المدبوغة.
(٦) . مط: هوراسب.
(٧) . استفحل أمره: تفاقم واشتدّ.
(٨) . في سائر الأصول: أفريدون، أفريذون، في بندهش.LFreton:بالأفستائيّة.Thraetaon:في فيدا: ) Traitana يد ١: ١٨٨) .
(٩) . مط: ايقبان. في سائر الأصول: أثقابان، أثقيان، أثقيال (حب) . يد: آسپيان (١: ١٨٨) بالأفستائية: .Atawya في فيدا) Aptya حص: ٤٦٥، يد ١: ١٩٩) . بالفهلوية) Asfian،Asvian ف) LAsviyan،Asfiyan (وب: ٣١) . بالفارسية الحديثة: آتبين، ثم آبتين.
(١٠) . احتوى الشيء وعليه: حواه: استولى عليه وملكه.
(١١) . مط: هوراسب.
[ ١ / ٥٦ ]
بدنباوند [١]، فقتله.
ولم يسمع من أمور الضحّاك بشيء يستحسن، ولا نقل من أخباره ما يكتب غير شيء واحد. وهو أنّ بليّته [٢] لما اشتدّت، وطالت أيّامه وتراسل وجوه الناس في أمره، وأجمعوا على المصير إليه من البلدان، وافى بابه العظماء والوجوه من النواحي والأقطار، وتناظروا في الدخول عليه والتأتّى له [٣] واستعطافه، وأجمعوا على تقديم كابى الإصبهانى، وذلك لما رأوا من تحرّقه على ولديه، [١٤] وجرأته على الكلام. فلما اجتمعوا ببابه أعلم بمكانهم، فأذن لهم، فدخلوا يقدمهم كابى.
فمثل بين يديه، وأمسك عن السلام.
ثم قال:
- «أسلّم عليك سلام من يملك الأقاليم كلّها، أم سلام من يملك هذا الإقليم؟» فقال: «بل سلّم سلام من يملك الأقاليم كلّها، فإنّى ربّ الأرض.» فقال له كابى: «فإن كنت مالك الأقاليم كلّها، فما بالك خصصت بتحاملك ومؤنك [٤] وإساءتك ناحية كذا؟ وهلّا قسمت أمر كذا بين الأقاليم؟» ثم عدّد أشياء، وجرّد له الصّدق، حتى انخزل [٥] له الضحّاك وأقرّ، ووعد الناس بما يحبّون، وأمرهم بالانصراف ليتّدعوا [٦]، ثم يعودوا إليه ليقضى حاجاتهم.
وكانت له أم فاحشة بذيئة [٧] جبّارة، وكانت تسمع كلامهم لمّا دخلوا عليه، فاغتاظت منهم وأنكرت إقراره للقوم. فكلّمت بيوراسب [٨] منكرة عليه وقالت:
- «هلّا دمّرت عليهم وأمرت بهم؟»
_________________
(١) . دنباوند، دمباوند، دباوند. دماوند: كورة من كور الرىّ. جبل عال جدّا، مستدير قرب الرىّ. سجن أفريذون بيوراسب في رأسه (مع) .
(٢) . مط: نكبته.
(٣) . تأتّى للأمر: ترفّق وأتاه من وجهه.
(٤) . المؤن: جمع مفرده: مؤنه: الشدّة والثقل.
(٥) . انخزل: انقطع. وفي مط: «تحرك» بدل «انخزل» .
(٦) . ليتّدعوا: لا توجد في مط. اتّدع: سكن واستقرّ.
(٧) . بذأ: فحش في قوله.
(٨) . مط: هوراسب.
[ ١ / ٥٧ ]
فقال لها [١٥] الضحّاك على عتوّه:
- «إنك لم تفكّرى في أمر، إلّا وقد سبقت إليه. إنّ القوم بدهونى [١] بالحق. فلما هممت بالسطوة بهم، وقف الحقّ بيني وبينهم، واعترض كالجبل، فحال بيني وبين ما أردت.» فهذا ما استحسن من فعل الضحّاك وقوله، ولا يعرف له شيء مستحسن غيره.