وكان يلقّب بكرمان شاه، لأن سابور ولّاه «كرمان»، فمضت أيّامه محمودة، وكان جميل السياسة محبّبا [٢] . ثم قام بالملك:
يزدجرد المعروف بالأثيم ابن بهرام بن سابور ذى الأكتاف [٣]
ومن الفرس من يقول: هو أخو بهرام وهو يزدجرد بن سابور ذى الأكتاف.
وكان فظّا غليظا ذا عيوب كثيرة، وكان من أشدّ عيوبه وضعه ذكاء ذهن وحسن أدب كانا فيه، غير موضعهما. وذلك أنّه كان كثير الرؤية في الضارّ [٤] من الأمور، واستعمل علمه الذي أوتيه، في الدهاء والختل، واستخفّ بكلّ علم كان عند الناس، واحتقر آدابهم واستطال بما عنده، وكان من ذلك معجبا، غلقا، سيئ الخلق، ردىء الطعمة [٥]، حتى بلغ من شدة غلقه وحدّته أن يستعظم صغير الزلّات ولا يرضى في عقوبتها إلّا بما لا يستطاع أن يبلغ مثلها. ثم لم يقدر أحد من بطانته- وإن كان لطيف المنزلة منه- أن يشفع لمن ابتلى به، وإن كان ذنب
_________________
(١) . ما في [] تكملة من مط.
(٢) . مط: مجيبا.
(٣) . أنظر الطبري ٢: ٨٤٧.
(٤) . مط: الصغار من الأمور.
(٥) . ردىء الطعمة: ردىء السيرة في الأكل.
[ ١ / ١٥٥ ]
المبتلى [١٤٣] به يسيرا. ولم يكن يأتمن أحدا على شيء من الأشياء. ولم يكن يكافئ على حسن البلاء. وكان يعتدّ بالخسيس من العرف إذا أولاه ويستجزل ذلك. فإن جسر على كلامه أحد في أمر قال له:
- «ما قدر جعالتك [١] في هذا الأمر الذي كلّمتنا فيه، وما الذي بذل لك؟» وما أشبه ذلك. فلقى الناس منه عنتا. فلما اشتدّت بليّته، وكثر إهانته للعظماء، وحمل على الضعفاء، وأكثر من سفك الدماء، اجتمعوا وتضرّعوا إلى ربّهم في تعجيل إنقاذهم منه.
فتزعم الفرس: أنه كان مطّلعا من قصره ذات يوم إذ رأى فرسا عائرا [٢] لم ير مثله قطّ في الخيل، حسن صورة وتمام خلق، حتى وقف على بابه، فتعجّب الناس منه، لأنه كان متجاوز الأمر [٣] . فأمر يزدجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه. فحاول ساسته وأصحاب مراكبه إلجامه وإسراجه، فلم يمكّن أحدا منهم من نفسه. فخرج بنفسه إلى الموضع الذي فيه الفرس، فألجمه بيده وأسرجه ولّينه [٤] فلم يتحرّك، فلمّا استدار به [١٤٤] ورفع ذنبه ليثفره [٥]، رمحه الفرس على فؤاده رمحة هلك منها مكانه، ثم لم يعاين ذلك الفرس. فأكثرت الفرس في حديثه وظنّت الظنون. وكان أحسنهم مذهبا من قال: «إنما استجاب الله دعاءنا» .
ثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه: