وبمقارنة بسيطة بين هذه المخطوطات التي وصفناها، يتّضح أنّ المخطوطة الكاملة الوحيدة التي عرفت في العالم حتى الآن، هي مخطوطة أيا صوفيا، وهي التي يؤهّلها تاريخها المتقدّم (٦٠٥- ٦٠٦ هـ) وأصالتها وصحتها نسبيّا لأن تكون أساسا لعملنا في تحقيق نصّ الكتاب، وإخراجه بجميع أجزائه. لأنّ سائر المخطوطات، كما أشرنا إليه، ناقصة تشمل أجزاء متقطعة من الكتاب، وحتى لو سنح لنا جمع أشتاتها من مكتبات العالم، وضمّ بعضها إلى بعض، لا تعطينا النصف من نصّ الكتاب. لأنّها إمّا تكرار لبعض أجزاء الكتاب وإمّا متقطّعة لا صلة بين بعضها والبعض الآخر (أنظر السنوات التي تشتمل عليها هذه الأجزاء) .
وأمّا مخطوطة (مط) فهي برغم اشتمالها على كلّ الكتاب، فهي مخطوطة متأخرة (أنظر
[ ١ / ٤١ ]
تاريخ الانتساخ) من ناحية، ومليئة بأخطاء الاستنساخ من ناحية أخرى. وأمّا كثرة الأخطاء والتصحيفات فيها فترجع في ما نظنّ، إلى أمرين: أولهما عدم وضوح الخطّ في الأصل الذي نقل عنه الكاتب، وثانيهما عدم الثقافة اللازمة لمثل هذا العمل عند هذا الكاتب. ولذلك بالذات، ظهرت في هذه المخطوطة أخطاء فادحة وتصحيفات عجيبة كثيرة تبلغ عشرين إلى ثلاثين خطأ في صفحة واحدة، وهي وصلت فعلا حوالى الخمسين في الصفحة الأولى من الكتاب من خطأ وبياض.
وهنا لا بأس في أن نذكر نماذج من أخطاء هذه المخطوطة ليقف القارئ على نوعيّة الأخطاء، ومن ثمّ على قيمة هذه المخطوطة السلبيّة: لقد كتب الناسخ خطأ «عمر بن خان» بدل «غزا برجان»، و«عهته» ! بدل «عرضه»، و«على حاله مؤخرا» ! بدل «على خاله سوخرا» ! و«أبوال» ! بدل «أموال» ! و«يعرضوا السن» بدل «صغير السنّ» ! و«فطرر بن» بدل «وضرار بن» ! و«ما قدر جمعا إنّك في هذا الأمر» ! بدل «ما قدر جعالتك في هذا الأمر»، و«قبالة بخطه» ! بدل «قبالة لحظه» ! و«ناش» ! بدل «باشر»، و«وكان سعد هذا تزوّج أمّه خدمة لجذيمة» ! بدل «تزوّج أمة تخدم لجذيمة» ! و«خر شدن» بدل «خر شيدان» ! وأخطاء كثيرة أخرى، لا جدوى لذكر جميعها.
وبالنظر إلى الحالة هذه، فإنّا اعتمدنا أساسا على نسخة أياصوفيا (الأصل) ثم (مط) كما استعنّا بالأصول التاريخية خاصة بالطبرى، وبالمخطوطات الناقصة الموجودة في متناولنا مثل: مح، آ، تد، (والأخيرة عن طريق نشرة دى خويه) كما استعنّا بصورة غير مباشرة بالمخطوطتين اللتين استفاد منهما الدكتور احسان عباس في نشرته لعهد أردشير التي رمز إليها ب: ر، غ، خصيصا لتحقيق العهد (أنظر مقدمته لنشرته) .
ونعنى بالأصول التاريخية، تاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير، والآثار الباقية للبيرونى، وسير الملوك للثعالبي، والمروج للمسعودي، وحمزة والدينوري وغيرها. وهذه- ما خلا الطبري- استفدنا منها في قسم ما قبل الإسلام، أى ما يخصّ بالتاريخ الإيرانى القديم، لا سيّما في تحقيق الأعلام الإيرانية.
[ ١ / ٤٢ ]
وأمّا بالنسبة للطبري (طبعة أوروبا) فانّنا استفدنا منه الكثير سواء بالنسبة للاعلام، أو بالنسبة لإزاحة الشكوك في قراءة الكلمات والعبارات، وملأ الفراغ الناتج عن البياض والسقط والانمحاء والخرم وغيرها، ولا سيما من حواشي الطبري في نشرة دى خويه المليئة باختلاف النسخ، حيث إنّ الطبري منهل كبير ارتوى منه جلّ المؤرخين الآتين بعده ومنهم مسكويه. وهذا بالنسبة للفترة التاريخية الطويلة التي اشترك فيها الطبري ومسكويه في ذكر أحداثها، وأمّا بالنسبة للزمن الزائد عليها (العصر البويهي عند مسكويه) فرأينا أن نقارن النصّ مع أصول أخرى متأخرة عن الطبري حسب إلحاح الحاجة لأنّ الطريق كان معبّدا في هذا القسم من العمل وإلى حدّ ما، بعد أن نشر آمد روز الجزأين الخاصّين بهذا العصر مع الذيل، فذلّل لنا بعض الصعاب مشكورا.
والجدير بالذكر أنّنا ذكرنا صفحات الإرجاع في كلّ مقارنة عملناها بين الأصل والطبري، مع ما في هذه المقارنة من صعوبات، لأنّ المقارنة بين نصّ ما، ونصّ يخالفه في الحجم وترتيب الموادّ، تتطلّب أناة، ولكنّها في نفس الوقت عمل فيه نفع كبير للباحثين.
وفي تاريخ ما قبل الإسلام، أى أوائل الجزء الأول، يوجد كثير من الأعلام الإيرانيّة القديمة ذات جذور في اللغات الفهلويّة والأفستائيّة وغيرها، ضبطت وصحّفت في الأصول التاريخيّة ومنها تجارب الأمم، بصور شتّى، أوّلا: بسبب غرابة أشكالها في أصلها القديم، ثانيا: اللعب الذي لعبته اللغة العربيّة في تعريبها ثالثا: عبث الكتّاب والنساخ بها. وهذا هو ما أدّى إلى أشكال غريبة من التحريف والتصحيف. لذلك أرجعنا- قدر المستطاع- مثل هذه الأعلام إلى أصولها في الحواشي، بعد إثبات اختلاف صور الضبط فيها، مستفيدين من عمل سابق قمنا به بهذا الصدد، معوّلين على قواميس اللغات الإيرانيّة القديمة ودراسات الإخصائيين في هذا المجال. وممّا هو جدير بالذكر هنا، أنّه، لمّا كانت الأعلام كثيرة متوالية في الصفحات الأولى من الجزء الأوّل، وذلك لاختصار تقارير مسكويه لتلك الفترة، لذلك، نرى حواشي تلك الصفحات مكثّفة، مع أنّنا حاولنا- قدر المستطاع- تلخيص تعاليقنا وإثباتها بأوجز وجه. وكذلك حاولنا شرح الأعلام الجغرافية، أو بعض الكلمات، قدر ما
[ ١ / ٤٣ ]
تيسّر وسنحت لنا فرص البحث والتتبع، أو بدافع حاجتنا في تحقيق الكلمة وضبطها، دون أن نكون قد وفّقنا في شرح كلّ تلك الأعلام أو المفردات. كما استعملنا لهذا الغرض الرموز الصوتية الدولية، ولكن بشيء من التغيير الذي دفعتنا إليه الظروف المطبعيّة، فأصبحت الرموز كما يلي:
(الفارسيّة V (هـ) h الكسرة العربية) إ Ai ا a خ x ش) sh بالمدّ) اى I آ a ى y ث th ج ch چ j ز z أو u ا o ذ zh ژ dh وw غ gh گ g وقد اتبعنا في رسم الكلمات وكذلك في إثبات الحوار الوارد في النصّ وما إلى ذلك، معدّل الطرق الحديثة المقترحة في تحقيق النصوص، ممّا يتلاءم وطبيعة نصّ تاريخىّ مثل تجارب الأمم، وبالنتيجة، فقد غيّرنا ضبط رهط من الكلمات نثبت هاهنا نماذج منها: أثبتنا:
أثنائها بدل أثنايها، وبقاؤه، بقاءه، بقائه بدل بقاه، والحياة بدل الحيوة، وتدنو بدل تدنوا، وإساءة بدل إسآة، وجاءت بدل جآت، وابنة بدل ابنت، وثمانين بدل ثمنين، وحارث بدل حرث، ورؤوس بدل رؤس، وسبعة آلاف بدل سبعة ألف، وأربعة آلاف بدل أربعة ألف، وأيّة، بدل أيّت، وما إليها.. وأمّا، بشأن إثبات الحوار فقد اتبعنا المناهج المألوفة ليكون النصّ عند القراءة، أوضح وأنطق، ووضعنا العبارات المنقولة بين «»، كما جعلنا كلّ كلمة دخيلة مقحمة ممّا نقلناها عن الأصول الأخرى، أو اقترحناها نحن، جعلناها بين []، حفظا للأمانة وحرصا على أصالة النصّ، وأثبتنا رقم صفحات مصورة كيتانى، أى صفحات المخطوطة، بين []، أوّلا: لتسهل على القارئ المقارنة بين نشرتنا وبين الأصل إن شكّ في صحّة ما أثبتناه، ثانيا:
لسهولة المراجعة حسب الإرجاعات الموجودة في دراسات الباحثين، ثالثا: لسهولة
[ ١ / ٤٤ ]
الإرجاعات الداخلية التي احتجنا نحن إليها، خصيصا بالنظر إلى ثبوت مواضعها قبل الطبع وبعده. ثم يرى القارئ أنّنا أوردنا النصوص الطويلة الهامّة بسطور أقصر تمييزا بينها وبين النصّ العادي، وما إلى ذلك من القواعد المألوفة.
وفي الختام أشكر الله على أن وفّقنى لإتمام هذا العمل الملتوى المضنى، الذي طالما فكّرت في إنجازه، كما أقدّر الجهود التي بذلتها دار سروش للنشر، بمن فيها من أصحاب القرار، والمباشرين، والمتعاملين معهم من خارجها، منذ بدء هذا العمل حتى الآن، أشكرها على تحمّلها أعباء مراحل طبع هذا السفر التراثىّ الكبير، علما منها بأنّ جهدها هذا سينعكس في إثراء المكتبة العالمية، وذلك في حقل الدراسات الإسلاميّة الإيرانيّة، التاريخيّة، والحضاريّة.
وأشكر أخيرا- وهل يبرئ الشكر ذمّة المدين؟ أشكر قرينتي الفاضلة التي وقفت بجانبي في أشدّ اللحظات واستظهرت بها وبدورها المشجّع في آناء التواني والفتور، فلولا ذلك لما أمكننى إنجاز هذا العمل، كما أشكر ابنىّ العزيزين آرش ومازيار، الذين حرموا وفي أغلب الأحيان من كامل حضورى بينهم، حيث طال ما انزويت في مكتبتى بمنأى عنهم وعن الإسهام معهم في تفاصيل الحياة العائليّة. فلا أقلّ من أنّ أهديهم حصيلة هذا الجهد، رمزا لأداء ما فاتنى من الواجب تجاههم، متمنّيا أن يعوّضهم الله حياة طويلة عريضة، ملؤها السلامة والسعادة والهناء. والله ولىّ التوفيق.
الدكتور ابو القاسم امامى شتاء ١٣٧٩ ش./ ١٤٢١ ق./ ٢٠٠١ م..
[ ١ / ٤٥ ]