ومن أحسن ما دبّره أنوشروان في استغزار الأموال وتثميرها [١٨٣] أنّه بعد فراغه من الثغور وملوك الأطراف، وتوظيفه الوظائف على أقاصى الملوك من الترك والخزر والهند وغيرهم، وبيعه مدن الشام ومصر والروم على ملك الروم بأموال عظيمة، وإلزامه جزية يحملها في كلّ سنة على ألّا يغزو بلاده، نظر في الخراج وأبواب المال التي كان يستأديها الملوك قبله من بلاده. فإذا رسوم الناس كانت جارية على الثلث من الارتفاع خراجا، ومن بعض الكور الربع، ومن بعضها الخمس، ومن بعضها السدس، على حسب شربها [٥] وعمارتها، ومن جزية الجماجم [٦] شيئا معلوما.
وكان الملك قباذ بن فيروز تقدّم- في آخر ملكه- بمسح الأرض سهلها
_________________
(١) . في مط: «عمر بن خان» بدل «غزابرجان» ! برجان، بالفهلوية:LVarjan:بلد من نواحي الجزر (مع)، والجزر: مصحّف الجرز، والجرز: معرّب گرج. بالفارسية: گرجستان (مت) .
(٢) . الباب والأبواب، باب الأبواب، الدربند، دربند نوشروان: مدينة على بحر الخزر (مع) .
(٣) . في الطبري: سبعا (٢: ٨٩٩) .
(٤) . في الطبري: من النمر.
(٥) . الشرب: الماء. النصيب من الماء. وقت الشرب.
(٦) . الجماجم: جمع مفرده الجمجمة: البئر تحفر في السبخة، أو ضرب من المكاييل (مو) .
[ ١ / ١٨٤ ]
وجبلها، ليصحّ الخراج عليها، فمسحت. غير أنّ قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة. فلمّا ملك أنوشروان أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون وغير ذلك، والجماجم. ثم أمر الكتّاب فأخرجوا جمل ذلك غير مفصّلة، وأذن للناس إذنا عامّا، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ [١٨٤] عليهم الجمل المستخرجة من أصناف الغلّات وعدد النخل والزيتون والجماجم. فقرأ ذلك عليهم.
ثم قال لهم كسرى:
- «إنّا رأينا أن نضع على ما أحصى من جربان هذه المساحة ومن النخل والزيتون والجماجم وضائع، ونأمر بإنجامها [١] في السنة في ثلاثة أنجم. ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من الثغور، أو طرف من الأطراف، فتق أو شيء نكرهه واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالا، كانت الأموال عندنا معدّة موجودة، ولم نرد استيناف اجتبائها على تلك الحال. فما ترون في ما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟» فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة ولم ينبس بكلمة. فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات.
فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى:
- «أتضع أيّها الملك- عمّرك الله خالدا- من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج [٢]، ونهر يغيض، وعين أو قناة ينقطع ماؤها؟» فقال له كسرى: «يا ذا الكفلة المشؤوم! من أىّ طبقات الناس أنت؟» قال: «أنا رجل من الكتّاب.» [١٨٥] فقال كسرى: «اضربوه بالدوىّ [٣] حتى يموت.» فضربوه بها الكتّاب خاصّة تبرّيا منه إلى كسرى من رأيه وما جاء منه حتّى
_________________
(١) . الإنجام: تعيين مواقيت تأدية الدّين. والنجم: الوقت المضروب، أو القسط من الدّين (مو) .
(٢) . يهيج: ييبس ويصفر.
(٣) . الدوىّ جمع الدواة: المحبرة.
[ ١ / ١٨٥ ]
قتلوه.
وقال الناس:
- «نحن راضون أيّها الملك بما أنت ملزمنا من خراج.» وإنّ كسرى اختار رجالا من أهل الرأى والنصيحة. فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدد النخل والزيتون ورؤوس الجزية، ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون أنّ فيه صلاح الرعية ورفاغة [١] معايشهم، ورفع ذلك إليه.
فتكلّم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك وفي قدر الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم وهو:
الحنطة، والشعير، والأرز، والكرم، والرطاب [٢]، والنخل، والزيتون.
وكان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهما، وعلى كل جريب كرم ثمانية دراهم، وعلى كلّ جريب أرض رطاب سبعة دراهم، وعلى كلّ [١٨٦] أربع نخلات فارسية درهما، وعلى كلّ ست نخلات دقل [٣] مثل ذلك، وعلى كلّ ستّة أصول زيتون مثل ذلك. ولم يضعوا إلّا على كلّ نخل في حديقة، أو مجتمع غير شاذّ [٤]، وتركوا ما سوى ذلك من الغلّات السبع.
_________________
(١) . مط: رفاهة. في الطبري: رفاغة. نقطة الغين مطموسة في الأصل. الرفاغة: لين العيش وسعتها وبهذا المعنى تلائم ما في مط (رفاهة) .
(٢) . الرطاب: جمع رطبة (رطب): ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا. كل ما يؤكل من النبات غضّا طريّا.
(٣) . الدقل: أردأ التمر.
(٤) . الشاذّ: المنفرد الخارج عن الجماعة.
[ ١ / ١٨٦ ]
فقوى الناس في معايشهم، وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات، والعظماء، والمقاتلة، والهرابذة، والكتّاب، ومن كان في خدمة الملك. وصيّروها على طبقات:
اثنى عشر درهما، وثمانية، وستّة، وأربعة، على قدر إكثار الرجل وإقلاله. ولم يلزموا الجزية من كان أتى له من السنين دون العشرين، أو فوق الخمسين.