فمن وجوه المكائد الغريبة [٨] ما تمّ على رجل من الجرامقة [٩] يقال له:
الساطرون، وهو الذي تسمّيه العرب: الضيزن، وكان ينزل بجبال تكريت بين دجلة والفرات في مدينة يقال لها: الحضر [١٠] . وزعم هشام بن الكلبي أنّه من العرب من قضاعة، وأنّه ملك أرض الجزيرة، وكان معه من قبائل قضاعة [١٢٨] ما لا يحصى، وبلغ ملكه الشام.
ثم إنه تطرّف [١١] بعض السواد في غيبة لسابور إلى ناحية خراسان. فلمّا قدم من غيبته، شخص إليه حتى أناخ على حصنه، وتحصّن الضيزن، كما قال الأعشى ميمون بن قيس، سنتين، لا يقدر سابور على الوصول إليه، وهو قوله:
ألم تر للحضر إذ أهله بنعمى، وهل خالد من نعم
_________________
(١) . زيادة من غ.
(٢) . من مط. وما في الأصل: إلّا.
(٣) . غ: زواله. الزيال: الفراق.
(٤) . زيادة من غ.
(٥) . غ: هذا العهد.
(٦) . غ: بعدي إلى يوم القيامة.
(٧) . أنظر الطبري (٢: ٨٢٣) .
(٨) . في الأصل ومط: «القريبة» .
(٩) . جمع مفرده: الجرمقانى. قوم من العجم هبطوا الموصل أوائل الإسلام.
(١٠) . الحضر: باليونانية حترا (هترا): شيّدها الفرتيّون على بعد أربعة كيلو مترات من وادي الثرثار بين دجلة والفرات في القرن الأول، كانت حصنا دفاعيا لهم ضد التوسع الرومانى ومركزا تجاريا (لج، مع، أم) .
(١١) . مط: تطرق. في الطبري: تطرّف السواد.
[ ١ / ١٤٤ ]
أقام به شاهبور الجنو د [١] حولين يضرب فيه القدم [٢]
وكان للضيزن هذا ابنة يقال لها: النضيرة، عركت [٣] فأخرجت إلى ربض المدينة- وكذلك كان يفعل بالنساء إذا عركن- وكانت من أجمل نساء زمانها، وكان سابور أيضا من أجمل رجال زمانه. فاطّلعت عليه يوما، فرأته، فعشقته، وأرسلت إليه:
- «ما تجعل لى، إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة، وتقتل أبى؟» قال:
- «حكمك، وأرفعك على نسائي، وأخصّك بنفسي دونهن» .
فاحتالت للحرس حتى سقتهم الخمر وصرعتهم، وأظهرت علامة ذلك لسابور.
فنصب للسور حتى [تسوّر] [٤] وفتحها عنوة [١٢٩]، وقتل الحرس والضيزن، وأباد قضاعة الذين كانوا مع الضيزن، فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم، وأخرب سابور المدينة، وفي ذلك يقول عمرو بن إله:
ألم يحزنك والأنباء تنمى بما لاقت سراة بنى العبيد
ومصرع ضيزن وبنى أبيه وأحلاس الكتائب من تزيد [٥]
أتاهم بالفيول مجلّلات وبالأبطال سابور الجنود
فهدّم من أواسى الحصن صخرا كأنّ ثفاله زبر الحديد
_________________
(١) . والعرب تلقّبه: سابور الجنود (المسعودي ١: ١١٣) .
(٢) . في بعض الأصول: القمم. والأبيات تجدها ستة في الطبري (٢: ٨٢٨) .
(٣) . عركت: حاضت.
(٤) . في الأصل غموض، وما أثبتناه من مط. تسوّر السور أو الحائط: صعد عليه.
(٥) . من تزيد بن حلوان (الطبري ٢: ٨٢٩) .
[ ١ / ١٤٥ ]
واحتمل سابور النضيرة بنت الضيزن، فأعرس بها بعين التمر. فذكر أنّها لم تنم، وتضوّرت [١] ليلتها من خشونة فرشها وهي من حرير محشوّة بالقزّ. فالتمس ما كان يؤذيها. فإذا ورقة آس، ملتزقة بعكنة [٢] من عكنها قد أثّرت فيها من لين بشرتها.
فقال لها سابور: «ويحك! بأىّ شيء كان يغذوك أبوك؟» فقالت: «بالزبد، والمخّ، وشهد الأبكار من النحل، وصفو الخمر.» قال: «وأبيك لأنا أحدث عهدا بك، وأوتر [٣] لك من أبيك، الذي غذّاك بما تذكرين.» فأمر رجلا، فركب فرسا جموحا، ثم عصب غدائرها بذنبه، ثم استركضها، فقطّعها قطعا. [١٣٠] وقد أكثر الشعراء في ذكر الضيزن هذا، وإيّاه عنى عدىّ بن زيد بقوله:
وأخو الحضر [٤]، إذ بناه وإذ دج لة تجبى إليه، والخابور
شاده مرمرا، وجلّله كل سا، فللطّير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ملك عنه، فبابه مهجور [٥]