فعقد التاج على رأسه، وخطب رعيّته خطبة بليغة، أعلمهم فيها أنّه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب. ثم كتب إلى [٣٩] جوذرز بإصبهان وكان
_________________
(١) . الإقطاع يكون تمليكا وغير تمليك (لع) .
(٢) . مط: كاتب.
(٣) . مط: مموهة.
(٤) . قاظ بالمكان: أقام فيه في زمن القيظ أى الحرّ.
(٥) . وفت: تمّت.
(٦) . بالفهلوية) KaiHusrave:حب) .
(٧) . سياوش. بالفهلوية.Siavaxsh:
[ ١ / ٧٦ ]
إصفهبذه [١] على خراسان، يأمره بالمصير إليه، وأمره أن يعرض جنده وأن [ينتخب] [٢] ثلاثين ألف رجل، وضمّهم إلى طوس، [٣] وكان في من أشخص معه برزافره [٤] عمّ كيخسرو، وابن لجوذرز، وجماعة من إخوته. وتقدّم [٥] كيخسرو إلى طوس أن يكون قصده لفراسياب وطراخنته [٦]، وحذّره من ناحية ببلاد الترك فيها أخ له يقال له: فروذ بن سياوخش، من بعض نساء الأتراك، كان سياوخش تزوّجها أيام صار إلى فراسياب، فولدت له فروذ، وأقام بموضعه إلى أن شبّ.
فكان من غلط طوس أن خالف كيخسرو، وذاك أنّه لمّا صار بالقرب من المدينة التي فيها فروذ، هاجت الحرب، وقتل فروذ. واتصل خبره بكيخسرو.
فكتب إلى برزافره عمّه كتابا غليظا يعلمه فيه ما ورد عليه من خبر طوس، ومحاربته فروذ، وقتله إيّاه. وأمره بتوجيه طوس إليه مقيّدا مغلولا. وتقدّم إليه في القيام بالعسكر، [٤٠] والتوجه إليه لوجهه [٧] . ففعل برزافره ذلك، وتولّى أمر العسكر، وعبر النهر المعروف ب «كاسرود» [٨]، وانتهى خبره إلى فراسياب. فوجّه إلى برزافره جماعة من إخوته وطراخنته لمحاربته. فالتقوا وفيهم فيران واخوته.
فاقتتلوا قتالا شديدا، وظهر من برزافره في ذلك اليوم فشل لما اشتدّ الحرب، وكثر القتلى، فهرب وانحاز بالعلم إلى رؤوس الجبال، واضطرب على ولد جوذرز أمرهم، فقتل منهم في تلك الملحمة، في وقعة واحدة، سبعون رجلا، وقتل بشر
_________________
(١) . الإصفهبذ: لقب لملوك، جبال طبرستان (البيروني: ١٠٩) .
(٢) . الأصل غير واضح، وما أثبتناه من مط.
(٣) . قال نولدكه: طوس (توس) إن كان اسم شخص فأصله،Tus:وإن كان اسم مكان فأصله.Tos:ثم حصل الخلط بينهما في الكتابة، وهذا أدّى إلى وحدة التلفّظ بينهما، فقيل لكليهما) Tus:يد) .
(٤) . شا: فريبرز.
(٥) . تقدم إلى فلان بكذا: أمره به، أو طلبه منه.
(٦) . الطراخنة: جمع مفرده طرخان (ترخان): ملك الترك (لف)، اسم عام لأمراء سمرقند (لد) . يقال لملوك سمرقند: طرخون (البيروني ١٠١١) .
(٧) . مط: التوجه لوجهه.
(٨) . شا: كاسه رود. اسم قديم لنهر يسمى: «چرم»، أو: «لائين» (حب ٥: ٢٥٥) .
[ ١ / ٧٧ ]
كثير.
وانصرف برزافره ومن أفلت معه إلى كيخسرو. فرئيت الكآبة في وجهه، وامتنع من الطعام والشراب، إلى أن مضت أيام. ثم راسل جوذرز. ولمّا دخل عليه شكا إليه برزافره، وأعلمه أنّه كان سبب الهزيمة بالعلم وخذلانه ولده.
فقال كيخسرو:
- «إنّ حقّك لازم لنا لخدمتك أبانا [١]، وهذه جنودنا وخزائننا [٢] مبذولة لك.
فاطلب ترتك [٣]، واستعدّ [٤١] وتهيّأ للتوجّه إلى فراسياب.
فنهض جوذرز، فقبّل يده وقال:
- «أيها الملك، نحن رعيّتك وعبيدك. فإن كانت آفة، أو نازلة، فلتكن بالعبيد، دون الملوك. وأولادى المقتولون فداؤك، ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاشتفاء من الترك.» وكتب كيخسرو إلى رؤساء أجناده ووجوه عسكره يأمرهم بموافاته في صحراء تعرف بشاه اسطون [٤] من كورة بلخ، في وقت وقّته لهم. فوافت رؤساء الأجناد في ذلك اليوم، وشخص إليه كيخسرو بإصبهبذيه وأصحابهم وفيهم برزافره عمه، وجوذرز وبقية ولده. فتولى كيخسرو بنفسه عرض الجند، حتى عرف مبلغهم، وفهم أحوالهم. ثم دعا بجوذرز وثلاثة نفر معه، فأعلمهم أنه يريد إدخال العساكر على الترك من أربعة وجوه، حتى يحيطوا بهم برّا وبحرا، وقوّد على تلك العساكر، وجعل أعظمها إلى جوذرز وجماعة من الإصهبذين [٤٢] كثيرة. ودفع إليه يومئذ العلم الأكبر الذي يسمونه: درفش كابيان، ولم يكن يدفع قبل ذلك إلى أحد من القواد، وإنّما كانوا يسيّرونه مع أولاد الملوك [٥]، وأمر أحد
_________________
(١) . مط: إيانا.
(٢) . مط: وخزانتنا.
(٣) . الترة: الثأر.
(٤) . شاهستون: كانت ناحية من أعمال بلخ (لد) .
(٥) . وانما الملوك: سقطت من مط.
[ ١ / ٧٨ ]
القواد [١] بالدخول مما يلي الصين، وضمّ إليه جماعة كبيرة، وأمر آخر بالدخول من ناحية الخزر، وضمّ إلى آخر ثلاثين ألف رجل وأمرهم بالدخول من طريق بين [٢] جوذرز، وبين الذي دخل من طريق الصين.
ودخل جوذرز من ناحية خراسان، وبدأ بفيران. فالتحمت بينهما حرب مذكورة، تحكى فيها الفرس عجائب، بارز فيها بيزن [٣] بن بيب خمان وهو أخو فيران، فقتله مبارزة وقتل جوذرز فيران مبارزة أيضا. وقصد جوذرز فراسياب، وألحّت عليه العساكر من كل وجه، واتّبع القوم كيخسرو بنفسه، وجعل قصده للوجه الذي كان فيه جوذرز، وصيّر مدخله منه. فوافى عسكر جوذرز، وقد أثخن [٤] [٤٣] في القتل. وقتل فيران إصهبذ فراسياب والمرشّح للملك بعده، وجماعة كبيرة من إخوته وأولاده، وأسر بروين [٥] قاتل سياوخش، ووجد جوذرز قد أحصى القتلى والأسرى وما غنم من الكراع [٦] والأموال، فوجد مبلغ ما في يده من الأسرى ثلاثين ألفا ومن القتلى خمسمائة ألف ونيفا وستين ألفا على ما تزعم الفرس، وحاز من الكراع والأموال ما لا يحصى كثرة، وأمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه، أن يجعل أسيره أو قتيله عند علمه، لينظر إليه كيخسرو عند موافاته.
فلمّا وافى كيخسرو العسكر موضع الملحمة، اصطفّت الرجال له وتلقاه جوذرز. فلمّا دخل العسكر، جعل يمرّ بعلم علم. فكان أول قتيل رآه جثّة فيران.
فنظر إليه، وخاطبه بما يجرى مجرى الاشتفاء، ولم يزل يفعل ذلك حتى وقف على علم بيب بن جوذرز، ووجد تحته بروين حيّا أسيرا، فسأل [٤٤] عنه، فأخبر
_________________
(١) . مط: «وأمره» بدل «وأمر أحد القوّاد» .
(٢) . مط: بنى جوذرز.
(٣) . بيژن، ويژن، ويجن. الطبري: بيزن بن بىّ خمان (٢: ٦١٠) . مط: بيزن بن كيب خمان.
(٤) . أثخن في الأمر: بالغ فيه.
(٥) . مط: روبن. الطبري: بروا بن فشنجان (٢: ٦١١) .
(٦) . الكراع: اسم يجمع الخيل والسلاح.
[ ١ / ٧٩ ]
أنه قاتل سياوخش الذي مثل به بعد قتله. فقرب منه كيخسرو، ثم طأطأ رأسه بالسجود، ثم قال: «الحمد لله الذي أمكننى منك.» ووبّخه طويلا. ثم أمر بقطع أعضائه حيّا. فلمّا لم يبق له طابق [١] ذبحه. ثم استقرّ في مضربه، وأجلس عمّه عن يمينه، ودعا بجوذرز [٢]، فأحسن صلته ومخاطبته، وحمد ما كان منه، وفوّض إليه الوزارة التي يقال لها: بزرج فرمذار [٣]، وهو مرتبة الوزارة، وجعل إليه مع ذلك إصبهان وجرجان، وفعل مثل ذلك من الحباء [٤] والكرامة بكلّ من أبلى [٥] من قوّاده ورجاله.
ثم أتته الأخبار من الوجوه الثلاثة الأخر: أنّهم قد أحاطوا بفراسياب. وبرز فراسياب، وما كان بقي من ولده إلّا شيذه، [٦] فتوجه نحو كيخسرو بعدّة وعتاد.
فيقال: إنّ كيخسرو أشفق يومئذ، وهابه، وظنّ أن لا طاقة له به، وإنّ القتال بقي متّصلا [٤٥] بينهما أربعة أيام، إلى أن انهزم شيذه واتّبعه كيخسرو، فلحقه وضربه بالعمود على رأسه فخرّ ميّتا، وغنم كيخسرو ماله.
وبلغ الخبر فراسياب، فأقبل في جمع عظيم. فلمّا التقى مع كيخسرو، نشبت بينهما حرب يقال: إنّه لم ير مثلها قطّ على وجه الأرض، حتى اختلط رجال إيرانشهر برجال الترك. ثم انهزم فراسياب وكثر القتل. فتزعم الفرس أنّه بلغ عدد القتلى أمرا عظيما، لم أستحسن ذكره لكثرته. وجدّ كيخسرو في طلبه، حتى لحقه بآذربيجان، فظفر به واستوثق منه بالحديد. ثم وبّخه، وسأله عن سبب قتله سياوخش. فلم تكن [٧] له حجّة، فذبحه كما ذبح سياوخش. ثم انصرف غانما
_________________
(١) . الطابق والطابق: العضو، كاليد والرجل.
(٢) . مط: ودعا بحق جوذرز.
(٣) . بالفارسية: بزرگ فرماندار: الوزير الأعظم (لد) . بالفهلوية) Va zurgFarmatar:ف) .
(٤) . في الأصل: الحبا. مط: الحبى، الحباء: العطاء.
(٥) . أبلى في الأمر: اجتهد فيه وبالغ.
(٦) . الطبري: شيده (٢: ٦١٥) .
(٧) . فلم تكن ذبح: سقطت من مط.
[ ١ / ٨٠ ]
مسرورا.
وكان لفراسياب أخ يقال له: كي شواسف [١]، صار إلى بلاد الترك بعد أخيه، وكان له ابن يقال له: خرزاسف [٢]، فملك البلاد بعد أبيه كي شواسف، وهو ابن أخى فراسياب الذي حارب منوشهر.
ولما فرغ كيخسرو [٤٦] من المطالبة بوتره [٣]، واستقرّ في ملكه، زهد في الملك، وتنسّك وأعلم الوجوه من أهل بيته ومملكته، أنّه على التخلّى. فاشتدّ جزعهم، وتضرّعوا إليه، وراودوه [٤] على المقام على تدبير ملكهم. فأبى عليهم، ولما يئسوا، قالوا:
- «فإذا قمت [٥] على ما أنت عليه، فسمّ من يقوم به.» وكان لهراسف حاضرا، فأشار بيده إليه، وأعلمهم أنّه خاصّته ووصيّه. فقبل لهراسف الوصية، وأقبل الناس عليه، وفقد كيخسرو. فبعض الناس يقول: إنّه غاب للتنسك، ولا يدرى أين مات. وبعضهم يقول غير ذلك. وكان ملكه ستين سنة. ثم ملك بعده لهراسب [٦] .