وهو أخو طهمورت، وتفسير «شيذ» الشعاع. لأنه كان وضيئا، جميلا. وملك الأقاليم، وسلك [٩] السيرة المتقدمة، وزاد عليها بأن صنّف الناس وطبّقهم ورتّب منازل الكتّاب، وأمر أن يلزم كل أحد طبقته. وعمل أربعة خواتيم: خاتما للحروب والشرط، وكتب عليه «الأناة»، وخاتما للخراج، وجباية الأموال، وكتب عليه «العمارة»، وخاتما للبريد [١]، وكتب عليه «الوحا» [٢] وخاتما للمظالم، وكتب عليه «العدل» . فبقيت هذه الرسوم في ملوك الفرس إلى أن جاء الإسلام، وألزم من غلبه من أهل الفساد والشياطين الأعمال الصّعبة، وأذلّهم بقطع الحجارة والصخور من الجبال، وعمل الكلس والجصّ والبناء والطين، وعمل المعادن، وغير ذلك من الأمور الصعبة. فحسنت سيرته، وخافه أهل العيث [٣] والفساد، بما ألزمهم من الأعمال الشاقّة. وأحدث النوروز [٤]، وجعله عيدا وأمر الناس بالتنعم فيه. [١٠] ثم إنّه بعد ذلك، بدّل سيرته. فكان من نتيجة فعله وسوء عاقبته، أن دخل الوهن في الممالك، وتجاسر أهل الفساد عليه.
فمما حكى من تبديل سيرته، إظهار الكبر والجبرية على وزرائه وكتّابه وقوّاده، وإيثار التخلّى والإغرام باللذّات، وترك مراعاة كثير من السياسيات التي
_________________
(١) . البريد: عربي (ابن دريد) . فارسي معرّب من «دم بريده» [أى: «محذوف الذّنب» حسب تعبير المؤرخين- أنظر ص ٩٣ وما علّقناه على تلك الصفحة] . أو معرّب من «بردن» أى: الذهاب بالشيء (باللغة الفارسية) . أو معرّب للكلمة اليونانية veredus:ومعناها: الحيوان ذو القوائم الأربع، ثمّ تحوّل إلى معنى «فرس البريد»، ثم إلى «البريد» بالذات (لد، حب) .
(٢) . الوحا: السرعة. والمكتوب على الخواتم عند ابن الأثير. الرفق والمداراة العمارة والعدل الصدق والأمانة السياسة والانتصاف (١: ٦٤) .
(٣) . وفي مط: أهل العبث (بالباء الموحّدة) .
(٤) . في الطبري: نوروز (١: ١٨٠) . الثعالبي: النوروز (ص ١٤) . ابن الأثير: نيروز (١: ٤٩٧) . أبو نواس في شعره: النوكروز. بالفهلوية nok -roch:أو) Lnoghroz حب) . مف.nik -roch:
[ ١ / ٥٣ ]
كان يتولّاها بنفسه. فأحسّ بذلك بيوراسب [١]- وهو الذي تسمّيه العرب الضحّاك [٢]- وعلم استيحاش الناس منه، وتنكّر خواص أصحابه له، فدسّ إلى رجاله [٣] من استصلحه [٤] لنفسه، ودبّر عليه حتى قوى، ثمّ قصده، فهرب منه جمّ وتبعه حتى ظفر به، فنكل به، وأشره بمئشار [٥] . وقد كان جمّ تنقّل في البلدان قبل ذلك، إلى أن جرى عليه ما جرى.
وكان الضحّاك هذا- على ما تزعم الفرس- من ولد جيومرت، وبينه وبين جيومرت من الآباء «تاج» [٦] وإليه تنتسب العرب، فيقال لهم: «تاجى» [٧] وهم
_________________
(١) . مط: هوراسب.
(٢) . الضحّاك: معرّب «ده آك» (حمزه: ٢٤) .
(٣) . مط: رحاله.
(٤) . مط: من استخلصه.
(٥) . في الطبري: ونشره بمنشار (١: ١٨١) . أشر الخشبة وغيرها: نشرها. المئشار: المنشار.
(٦) . في الطبري: تاز (١: ٢٠٢) . البيروني: غار (قار) وهو أبو العرب العاربة (ص ١٠٤) . حمزة: تاج، ولذلك قيل لهم: تاجيان (ص ٣٤) . ابن الأثير: يارين (١: ٧٤) .
(٧) . بالفهلوية) LTazhik فم) Tazik،tajik، (ف): المنسوب إلى قبيلة طىء أو العرب. تاجيك، تاجك، تازيك،- وبأحد المعاني- تاژيك: شيء واحد. باللغة التركية: تات (الرعيّة) چيك (في الأصل وبأحد المعاني: الولد، أو بمعنى التصغير): ١- غير الترك عامة، ومن ليس بترك أو مغولى. ٢- الإيراني خاصة. ٣- أهل تاجيكستان (فم) . أما الوجوه التي ذكرها الباحثون في تسمية العرب ب «تازى» فهي: ١- أن تكون الكلمة من المصدر الفارسي: «تازيدن» أى: شنّ الإغارة لأن العرب كانت تكثر ذلك في غابر الزمن. ٢- لفظة «تاژ» معناها الخيمة، والعرب كانت تسكن الخيام فسمّاهم الإيرانيون ب «تاژيك» تازى، ثم تبع الصينيّون الايرانيين في هذه التسمية، فقالوا للعرب: «تاش» (لد) . ٣- كان الإيرانيون، في عصر أنوشيروان، على اتصال باليمن، وكانوا يسمون طيّئا ب «تاژ»، فقالوا للمنسوب إلى هذه القبيلة «تاژيك»، ثم أطلقوا الاسم على كل العرب (حب)، وهذا التعميم نراه أيضا في التلمود والموارد اليهودية السريانية الأخرى، حيث أطلق على العرب: طييعه، طييه، طيايه، وأصلها: طىء Obermeyer،s.٢٣٣.ff.) نقلا عن المفصّل ١: ٦٦٠) . ٤- ان لفظة: «تازى» هي الشكل الفارسي للفظة: «طائى» العربية التي تطلق على المنسوب إلى قبيلة «طىء» (لش) . ٥- كان الايرانيون منذ القديم يسمون غير الايرانيين ب «تاجيك» أو «تاژيك»، كما سمّت الإغريق غيرهم «بربرا»، وسمّت العرب غيرهم «أعجميا»، فتحول هذا اللفظ إلى «تازى» في اللغة الفارسية الحديثة، ثم اختص بالعرب قليلا قليلا، بينما بقي في بلاد الترك وما وراء النهر بشكله
[ ١ / ٥٤ ]
يلقّبون بيوراسب ب «الازدهاق» [١] . [١١] وقوّم منهم يزعمون أن جمّ شيذ زوّج أخته من بعض أشراف أهل بيته وملّكه اليمن، فولدت له الضحّاك. وأما العرب فينسبون الضحّاك غير هذه النسبة. ورغم قوم أنّه نمرود. وزعم آخرون أنّ نمرود كان عاملا من قبله على كثير من أعماله، ولا ينبغي أن نذكر من أمره فيما قصدنا له، أكثر من هذا النّبذ، لئلّا ننقطع عن غرضنا.