كنّا حكينا من أمر بختنصّر أنّه أنزل الحيرة من العرب جماعة، فانتقلوا بعد موته إلى الأنبار، وبقي الحير خرابا يبابا، زمانا طويلا، لا تطلع [عليهم] [١] طالعة من بلاد العرب، ولا يطمع [٢] أحد فيهم من الريف، بعد ما قصدهم [٨١] بختنصّر.
فلمّا غلب الإسكندر على مملكة الفرس، وجعلها مقسومة في ملوك الطوائف، ضعف كل واحد منهم في نفسه، وصار عدوّه بالقرب منه من الأرض، ولكلّ واحد خندق [٣] يقصده الآخر، فيغير بعضهم على بعض، ثمّ يرجع كالخطفة.
وقد كان كثر في ذلك الزمان أولاد معدّ بن عدنان، ومن كان معهم من قبائل العرب، وملأوا بلادهم من تهامة وما يليهم، وحدثت بينهم أحداث وحروب، فتفرّقوا، وخرجوا يطلبون متّسعا في بلاد اليمن ومشار [ف] [٤] الشام، وأقبلت منهم قبائل حتّى نزلوا البحرين وبها جماعة من الأزد، وكانوا نزلوها في زمان ابن ماء السماء، وتحالف القوم الذين خرجوا من تهامة على التنوخ بالبحرين- التّنوخ: المقام- وكان منهم قوم من قضاعة، وقوم من معدّ، وقوم من إياد.
فتعاقدوا على التوازر والتناصر، وصاروا يدا على الناس وصار اسمهم: «تنوخ» .
ثمّ لمّا بلغهم انتشار [٨٢] أمر الفرس واختلاف كلمتهم، تطلّعت نفوسهم إلى ريف العراق، وطمعوا في الفرس وفيما يلي بلاد العرب من أعمالهم، أو مشاركتهم فيها، واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف، فأجمع رؤساؤهم على
_________________
(١) . التكملة من الطبري. والعبارة في الطبري: لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ولا يقدم عليهم قادم (٢: ٧٤٥) .
(٢) . مط: ولا طمع أحد.
(٣) . معرّب «هندك»، كنده (لد) .
(٤) . في الأصل: «مشارق، والتصحيح من الطبري (٢: ٧٤٥) . والمشارف، جمع مشرف: قرى قرب حوران منها بصرى من الشام، ثمّ من أعمال دمشق. والمشارف من المدن: على مثل مسافة الأنبار من بغداد، والقادسية من الكوفة (يا) .
[ ١ / ١٠٨ ]
المسير الى العراق. فلمّا ساروا، وجدوا الإرمانيّين- وهم القوم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل- يقاتلون الأردوانيّين، وهم: ملوك الطوائف، وهم فيما بين نفّر [١]- قرية من سواد العراق- إلى الأبلّة [٢] وأطراف البادية. فلم تدن لهم، فدفعوهم عن بلادهم. وإنما قيل: «الإرمانيّين» لأنّه كان يقال لعاد: «إرم»، فلمّا هلكت، قيل لثمود: «إرم»، ثمّ سمّوا: «الإرمانيّين» وهم بقايا «إرم»، وهم نبط السواد. ويقال لدمشق: «إرم» .
ثمّ طلع قوم من تيم الله، وغطفان في من تنخ معهم من الحلفاء والعشائر على الأنبار، على ملك الإرمانيّين. وطلع قوم من كندة وبنى فهم مع من حالفهم. وتنخ بعضهم على نفّر على [٨٣] ملك الأردوانيّين، فأنزلوا الحير، فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة نفّر على ذلك، لا يدينون للأعاجم، ولا تدين لهم الأعاجم، حتّى قدمها تبّع- وهو أسعد بن مليكيكرب- في جيوشه، فخلّف بها من لم تكن به قوّة ومن لم يقو على الغزو معه، ولا الرجوع إلى بلاده. فانضمّوا إلى أهل الحيرة، وخرج تبّع في حمير سائرا، ثمّ رجع إليهم، فأقرّهم على حالهم، وانصرف إلى اليمن وفيهم من كلّ القبائل من بنى لحيان- وهم بقايا جرهم- وطيّء، وكلب، وتميم، وغيرهم، واتّصلت جماعتهم وقووا، وكانوا بين الأنبار والحيرة إلى طفّ [٣] الفرات في المظالّ والأبنية، وكانوا يسمّون [٤]: «عرب الضاحية» .