ثمّ إنّ تبّعا أمضى شمرا ذا الجناح إلى خراسان، ووجّه ابنه حسّان إلى السغد [٢] وقال:
- «أيّكما سبق إلى الصين فهو عليها.» وكان كلّ واحد منهما في جيش عظيم يقال: إنهما كانا ستمائة ألف وأربعين ألفا. وبعث ابن أخيه الآخر واسمه: «يعفر» إلى الروم.
فأمّا يعفر فإنّه سار حتى أتى قسطنطينية. فأعطوه الطاعة والإتاوة. ثم مضى إلى روميّة فحاصرها. ثم أصابهم جوع، ووقع فيهم طاعون فرقّوا [٣] . وعلم الروم بذلك، فوثبوا عليهم فلم يفلت منهم أحد.
وأمّا شمر ذو الجناح فانّه سار حتّى انتهى إلى سمرقند، فحصرها، فلم يظفر
_________________
(١) . مط: ابن أخته.
(٢) . مط: السفه. الطبري: الصغد.
(٣) . رقّ: نحف ولطف.
[ ١ / ١٧٧ ]
منها بشيء. فلمّا رأى ذلك، أطاف [١] بالحرس حتى أخذ رجلا من أهلها، فاستمال بقلبه، ثم سأله عن المدينة وملكها.
فقال: «أمّا ملكها فأحمق الناس ليس له همّ إلّا الشرب والأكل والجماع، ولكن له بنت [١٧٤] هي التي تقضى أمر الناس.» فمنّاه ووعده حتى طابت نفسه. ثم بعث معه هديّة إليها وقال:
- «أخبرها أنّى إنّما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها، لتنكحنى نفسها، فأصيب منها غلاما يملك العرب والعجم، وأنّى لم أجئ التماس المال، وأنّ معى من المال أربعة آلاف تابوت ذهبا وفضّة هاهنا، وأنا أدفعها إليها وأمضى إلى الصين، فإن كانت لى الأرض، كانت امرأتى، وإن هلكت كان المال لها.» فلمّا انتهت رسالته إليها قالت:
- «قد أجبته، فليبعث بالمال.» فأرسل إليها بأربعة آلاف تابوت، وفي كلّ تابوت رجلان. وكان لسمرقند أربعة أبواب، على كلّ باب منها أربعة آلاف رجل. وجعل شمر العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل. وتقدّم في ذلك إلى رسله الذين وجّه معهم. فلمّا صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل. فخرجوا، فأخذوا بالأبواب ونهد [٢] شمر في الناس فدخل المدينة، وقتل أهلها وحوى ما فيها [٣] .
ثم سار إلى الصين. فلقى زحوف الترك [١٧٥] فهزمهم، وانتهى إلى الصين.
فوجد حسّان [بن] [٤] تبّع قد كان سبقه إليها ثلاث سنين. فأقاما بها- في بعض الروايات- حتى ماتا، وكان مقامهما إحدى وعشرين سنة. وفي بعض الروايات- وهو المجمع عليه-: أنّ شمرا وحسّانا انصرفا في الطريق التي كانا أخذا فيه،
_________________
(١) . مط: أطاق. أطاف بالشيء: ألمّ به، وأحاط به. طرقه ليلا.
(٢) . نهد: نهض ومضى. نهد لعدوه: صمد، وشرع في قتاله.
(٣) . أنظر الطبري ٢: ٨٩٠.
(٤) . زيادة من الطبري ٢: ٨٩٢.
[ ١ / ١٧٨ ]
حتّى قدما على تبّع بما حازا من الأموال بالصين وصنوف الجوهر والطيب والسبي، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم. وذلك أنّه كانت همّة ملوك العرب الغزو والغنيمة ولم يطمعوا في الملك الثابت. وكان أحدهم إذا ملأ يده من الغنائم وأرضى جنده وظفروا بما في نفوسهم، انكفأوا إلى بلادهم.
وكانت وفاة تبع باليمن ولم يخرج أحد من ملوك اليمن بعده غازيا إلى شيء من البلاد. وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة.
وأمّا في الرواية الأخرى: فإنّه أقام تبّع وواطأ ابن أخيه شمرا وابنه حسّانا أن يملكا الصين، ويحملا إليه الغنائم، ونصب بينه وبينهم المنار. فكان إذا حدث [١٧٦] حدث أوقدوا النار، فأتى الخبر في ليلة. وكان جعل آية ما بينه وبينهم [أنه] [١]:
- «إن أنا أوقدت نارين من عندي فهو هلاك يعفر، وإن أوقدت ثلاثا فهو هلاك تبّع. وإن كانت من عندهم نار فهو هلاك حسّان، وإن كانت نارين فهو هلاكهما» .
فمكثوا بذلك. ثم إنه أوقد نارين فكان هلاك يعفر، ثم أوقد ثلاثا فكان هلاك تبّع.
وقد ذكر بعض الرواة: أنّ الذي سار إلى المشرق من التبابعة، تبّع الآخر وهو:
تبّع تبان أسعد أبو بكر بن مليكيكرب بن زيد بن عمرو ذى الأذعار وهو أبو حسّان.