وهو سابور بن هرمز بن نرسى بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير. فكتب إليه الناس الكتب من الآفاق، ووجّه البرد إلى الأطراف، وقلّد الوزراء والكتّاب، والعمّال، الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه.
فممّا حدث في أيّامه: أنّ خبره لمّا فشا وشاع، وعلم أصحاب الأطراف أنّ ملك الفرس صبىّ يدبّر، ولا يدرى ما يكون منه، طمع فيهم وفي مملكتهم الروم، والترك، والعرب. وكانت أدنى بلاد الأعداء إلى فارس بلاد العرب، وكانوا من
_________________
(١) . الزنديق: المخالف لأوامر زند وپازند (بق) . بالفهلوية.LZandik في المانوية: فاسد العقيدة. في الأفستائية: قاطع الطريق، الساحر، ناقض العهد، الخادع. وفي العربية: المرتد، الدهري، من لا دين له (حب) .
(٢) . ما في [] تكملة منّا.
(٣) . ما في [] تكملة منّا. وتجد أخبار هؤلاء الملوك في الطبري (٢: ٨٣١- ٨٣٦) .
(٤) . في الأصل: أخو بهرام.
(٥) . لقبه: هوبه سنبا (البيروني: ١٢١، والطبري ٢: ٨٣٦، والمسعودي ١: ٢٧٩) .
[ ١ / ١٤٧ ]
أحوج الأمم إلى تناول شيء من المعايش، لسوء حالهم وشظف عيشهم. فسار جمع عظيم منهم في البحر، من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة [١]، حتى أناخوا براشهر [٢] وسواحل أردشير خرّه، وأسياف [٣] فارس، وغلبوا أهلها على [١٣٢] مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد، ومكثوا بذلك حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لقلّة الهيبة، وانتشار الأمر، وكثرة المدبّرين، ولأنّ الملك طفل، حتى ترعرع سابور، وجعل الوزراء يعرضون عليه أمر الجنود التي في الثغور، ووردت الأخبار بأنّ أكثرهم قد أحلّ. وعظّموا عليه الأمر بعد الأمر. وكان ممّن عرض عليه، أمر الجنود التي في الثغور، ومن كان منهم بإزاء الأعداء، وأنّ الأخبار وردت بإحلال أكثرهم. وهوّلوا عليه الخطب في ذلك.
فقال لهم سابور: «لا يكبرنّ عليكم هذا، فانّ الحيلة فيه يسيرة»، وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود بأنه:
- «انتهى إلىّ طول مكثكم في النواحي التي أنتم فيها، وعظم غناءكم عن إخوانكم وأوليائكم، فمن أحبّ منهم الانصراف إلى أهله، فلينصرف مأذونا له في ذلك، ومن أحبّ أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف له ذلك.» وتقدّم إلى من اختار الانصراف، في لزوم أهله وبلاده إلى وقت [١٣٣] الحاجة إليه.
فلمّا سمع الوزراء ذلك من قوله ورأيه، استحسنوه وقالوا: «لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود، ما زاد رأيه على ما سمعنا منه.» ثم تتابعت آراؤه في تقويم أصحابه وقمع أعدائه، حتى إذا تمّت له ست عشرة سنة، وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل، واشتدّ عظمه، جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده،
_________________
(١) . كاظمة: جوّ على سيف البحر في طريق البحرين من البصرة، بينها وبين البصرة مرحلتان (مع) .
(٢) . راشهر (ريشهر): مدينة إزاء بوشهر (لج) . ناحية من كورة أرجان (مع) .
(٣) . الأسياف: جمع مفرده السيف: ساحل البحر، ساحل الوادي.
[ ١ / ١٤٨ ]
ثمّ قام فيهم خطيبا. فذكر الله ﷿، وذكر ما أنعم به عليه وعليهم بآبائه، وما أقاموا من إربهم، ونفوا من أعدائهم، وما اختلّ من أمورهم في الأيّام التي مضت من أيّام صباه، وأعلمهم: أنّه يستأنف العمل في الذبّ عن البيضة، وأنّه يقدّر الشخوص [١] إلى بعض الأعداء لمحاربته، وأنّ عدّة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل. فنهض إليه القوم داعين متشكرين، وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجّه القواد والجنود ليكفوه ما قدّر من الشخوص فيه. فأبى أن يجيبهم إلى المقام.
فسألوه الإزدياد على العدة التي ذكرها، فأبى. ثم انتخب ألف فارس من صناديد [١٣٤] جنده وأبطالهم وأغنيائهم، وتقدّم إليهم في المضىّ لأمره، ونهاهم عن الإبقاء على العرب وعلى من لقوا منهم، ووصّاهم ألّا يعرّجوا [٢] على مال ولا غنيمة ولا يلتفتوا إليه.
ثم سار بهم، حتى أوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارّون [٣] . فقتل منهم أبرح القتل، وأسر أعنف الأسر، وهرب بقيّتهم. ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخطّ [٤]، واستبرى بلاد البحرين. فجعل يقتل أهلها ولا يقبل فداء ولا يعرّج على غنيمة. ثم مضى على وجهه، فورد هجر [٥] وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس. فسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر، حتى كان الهارب منهم يرى أن لن ينجيه غار ولا جبل ولا بحر ولا جزيرة. ثم عطف إلى بلاد عبد القيس، فأباد أهلها إلّا من هرب منهم. فلحق بالرمال، ثم أتى اليمامة [٦]،
_________________
(١) . يقدّر الشخوص: ينوي الخروج.
(٢) . عرّج: مال.
(٣) . مط: غازون. الغارّون: الغافلون.
(٤) . أرض تنسب إليها الرماح، وهو خطّ عمان في سيف البحرين، والسيف كلّه الخطّ، وفيه: القطيف، والعقير، وقطر (مع) .
(٥) . هجر: ناحية البحرين، وقيل: مدينة هي قاعدة البحرين (مع) .
(٦) . اليمامة: بلد كبير فيه قرى وحصون ونخل، وكان اسمها أولا جوّا (مع) .
[ ١ / ١٤٩ ]
فقتل بها مثل تلك المقتلة. ولم يمرّ بماء من مياه العرب إلّا عوّره [١] ولا جبّ من جبابهم إلّا طمّه. ثمّ أتى قرب المدينة، فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر. ثمّ عطف نحو [١٣٥] بلاد بكر وتغلب وفيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام. فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطمّ مياههم.
ثمّ أسكن قوما من بنى تغلب ومن سكن منهم البحرين، دارين [٢] والخطّ، ومن كان من عبد القيس وطوائف تميم، هجر، ومن كان من بكر بن وائل، كرمان،- وهم الذين يدعون بكر إياد- ومن كان منهم من بنى حنظلة، بالرميلة من بلاد الأهواز. وبنى بالسواد مدينة بزرج سابور [٣]، وبنى الأنبار، وبنى السوس والكرخ. وغزا بعد ذلك أرض الروم، فسبى سبيا كثيرا. وبنى بخراسان نيسابور.
ثمّ هادن قسطنطين [٤] ملك الروم الذي بنى قسطنطينيّة [٥]، وهو أوّل من تنصّر من ملوك الروم.