وكان سبب هلاكه سوء رأيه، وفساد عقيدته، وضعف ملكه. وذلك أنّه لمّا التقى الحارث بن عمرو بن حجر الكندي والنعمان بن المنذر بن إمرئ القيس، قتله، وأفلت المنذر بن النعمان الأكبر، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك النعمان. فبعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندي أنّه:
- «قد كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد وإنّى أحبّ لقاءك» . [١٧١] وكان قباذ زنديقا يظهر الخير، ويكره سفك الدماء، ويدارى أعداءه في ما يكره من سفك الدماء، وكثرت الأهواء في زمانه واستضعفه الناس.
فخرج إليه الحارث بن عمرو في عدد وعدّة، حتى التقيا بقنطرة الفيّوم. فأمر
_________________
(١) . مط: ايرانشهر. وأبرشهر اسم لنيسابور في أوائل الحكم الإسلامي، وكان يقال لها ايرانشهر أيضا (لج: ٤٠٩) .
(٢) . أعصرت المرأة: أدركت وكأنّها دخلت شبابها فهي معصر.
(٣) . آمد: أكبر مدن ديار بكر على الدجلة العليا (لج: ٩٣) .
(٤) . الأصل ومط: بملك سنى أخيه. والباء بمعنى مع. أنظر الطبري ٢: ٨٨٨. وابن الأثير ١: ٤١٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
قباذ بطبق من تمر، فنزع نواه، وأمر بطبق آخر، فجعل فيه تمر بنواه. ثم وضعا بين أيديهما، وجعل الذي فيه النوى بين يدي الحارث بن عمرو، والذي لا نوى فيه بين يدي الملك قباذ. فكان الحارث يأكل التمر ويلقى النوى، والملك يأكل التمر ولا يحتاج إلى إلقاء النوى.
فقال الحارث: «ما لك لا تأكل كما آكل؟» فقال الحارث: «إنّما يأكل النوى إبلنا وغنمنا.» وعلم أنّ قباذ يهزأ به. ثم افترقا على الصلح وعلى أن لا يتجاوز الحارث وأصحابه الفرات.
إلّا أنّ الحارث استضعفه وطمع فيه، فأمر أصحابه أن يعبروا الفرات ويغيروا على قرى السواد. فأتى قباذ الصريخ وهو بالمدائن، فقال:
- «هذا من تحت كنف ملكهم» .
ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو: أنّ لصوصا من العرب قد أغاروا على السواد [١٧٢] وأنه يحبّ لقاءه.
فلقيه، فقال قباذ كالعاتب:
- «لقد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك.» فطمع الحارث في لين كلامه فقال:
- «ما علمت ولا شعرت، ولا أستطيع ضبط لصوص العرب، وما كلّ العرب تحت طاعتي، وما أتمكّن منهم إلّا بالمال والجنود.» فقال له قباذ: «فما الذي تريد؟» قال: «أريد أن تطعمني من السواد ما أتّخذ به سلاحا [١] .» فأمر له بما يلي جانب الغرب من أسفل الفرات وهي ستّة طساسيج.
_________________
(١) . مط: ملاجا!
[ ١ / ١٧٦ ]
فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبّع وهو باليمن:
- «إنّى قد طمعت في ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ستّة طساسيج، فأجمع الجنود وأقبل، فانّه ليس دون ملكهم شيء، لأنّ الملك عليهم لا يأكل اللحم، ولا يستحلّ هراقة الدماء، وله دين يمنعه من ضبط الملك، فبادر بعدّتك وجندك.» فجمع تبّع الجنود، وسار حتى نزل الحيرة، وقرب من الفرات، فآذاه البقّ، فأمر الحارث بن عمرو أن يشقّ له نهرا إلى النجف، ففعل وهو نهر الحيرة، فنزل عليه، ووجّه ابن أخيه [١] شمرا ذا الجناح [١٧٣] إلى قباذ. فقاتله، فهزمه شمر، حتى لحق بالرىّ، ثم أدركه بها فقتله.