- «باسم ولىّ الرحمة. [١] من ملك الملوك أردشير بن [٢] بابك، إلى من يخلفه [٣] بعقبه من ملوك فارس، السلام والعافية. أمّا بعد [٤]، فإنّ صيغ [٥] الملوك على غير صيغ [٦] الرعية، فالملك يطبعه [٧] العزّ والأمن والسرور والقدرة، على طباع الأنفة والجرأة والعيث [٨] والبطر. ثم كلّما ازداد في العمر تنفّسا وفي الملك سلامة، زاده [٩] في هذه الطبائع الأربع [١٠]، حتّى يسلمه [١١] إلى سكر السلطان الذي هو أشدّ من سكر الشراب، فينسى النكبات والعثرات [١٢] والغير
_________________
(١) . ر: بدون بسملة. ٦: بسم الله الرحمن الرحيم.
(٢) . غ: من أردشير ملك الملوك.
(٣) . غ: يخلف.
(٤) . غ: بدون «أما بعد» .
(٥) . مط: منع.
(٦) . مط: منع.
(٧) . غ: بطبعه.
(٨) . غ: البطر والعيث.
(٩) . غ: «ثم له كلما ازداد زيادة» بدل «ثم كلما ازداد زاده» .
(١٠) . في الأصل: الأربعة. والتصحيح من غ.
(١١) . غ: يسلّمه ذلك منه.
(١٢) . غ: بدون «العثرات» .
[ ١ / ١٢٢ ]
والدوائر وفحش تسلّط الأيام، ولؤم غلبة الدهر، فيرسل يده ولسانه بالفعل والقول. وقد قال الأوّلون منّا: عند حسن الظنّ بالأيّام تحدث الغير. وقد كان من الملوك من يذكّره عزّه الذلّ، وأمنه الخوف، وسروره الكآبة، وبطره [السوقة] [١]، [وقدرته المعجزة] [٢]، ولا حزم إلّا في جميعها.
- «اعلموا أنّ الذي أنتم [١٠٠] لاقون بعدي، هو الذي لقيني [٣] من الأمور، وهي بعدي واردة عليكم [بمثل الذي وردت به علىّ] [٤]، فيأتيكم السرور والأذى في الملك من حيث أتيانى، وأن منكم من سيركب الملك صعبا فيمنى من شماسه [٥] وجماحه وخبطه واعتراضه بمثل الذي منيت به. [٦] ومنكم من سيرث الملك عن الكفاة المذلّلين له مركبه، وسيجرى على لسانه ويلقى فيه قلبه [٧] أن قد فرع [٨] له، وكفى، واكتفى وفرغ للسعي في العبث والملاهي [٩]، وأنّ من قبله من الملوك إلى التوطيد له أجروا، وفي التمكين له سعوا، وأن قد خصّ بما حرموا، وأعطى ما منعوا، فيكثر أن يقول مسرّا ومعلنا: خصّوا بالعمل وخصصت بالدعة، وقدّموا
_________________
(١) . في الأصل: بالسوقة، مهملة، فاعجمناها وحذفنا الباء. في مط أيضا: بالسوقة.
(٢) . زيادة من غ. وقدرته المعجزة، فإذا هو قد جمع مهجة («بهجة» - رسائل البلغاء) الملوك، وفكرة السوقة («وحذر الرعية- رسائل البلغاء) ولا حزم إلّا في جمعها» بدل: «بطره جميعها» .
(٣) . غ: لقبته.
(٤) . زيادة من غ.
(٥) . الشماس: الإباء.
(٦) . غ: منيت به منه. يقال: منى الله (يمنى منيا) فلانا بكذا. أى ابتلاه وأصابه.
(٧) . غ: أمنيته.
(٨) . غ: فرغ، بالغين المعجمة. وفرع (بالعين المهملة) الفرس: كبحه.
(٩) . غ: في السعى في الملاهي واللعب.
[ ١ / ١٢٣ ]
قبلي إلى الغرر، وخلّفت في الثقة.
وهذا الباب من الأبواب التي تكسر سكور [١] الفساد، ويهاج بها قربات [٢] البلاء، ويغنى البصير اللطيف ما ينتهك من الأمور في ذلك [٣] . فإنّا قد رأينا الملك الرشيد السعيد المنصور المكفىّ المظفر [١٠١] الحازم في الفرصة، البصير بالعورة، اللطيف [للشبهة] [٤] المبسوط له في العلم والعمر، يجتهد فلا يعدو [٥] صلاح ملكه حياته [٦]، إلّا أن يتشبّه به متشبّه. ورأينا الملك القصير عمره، القريبة مدّته، إذا كان سعيه بإرسال اللسان بما قال، واليد بما عملت، بغير تدبير [٧] يدرك، أفسد جميع ما قدّم له من الصلاح قبله، ويخلّف المملكة خرابا على من بعده [٨] .
- «وقد علمت أنكم ستبلون [٩] مع الملك بالأزواج والأولاد والقرناء والوزراء والأخدان والأنصار والأصحاب والأعوان والمتنصّحين والمتقربين والمضحكين والمزيّنين [١٠]: كلّ هؤلاء- إلّا قليلا- أن يأخذ لنفسه أحبّ إليه من أن يعطى منها، وإنّما عمله لسوق يومه وحياة غده. فنصيحته الملوك [١١] فضل نصيحته لنفسه، وغاية الصلاح عنده صلاح نفسه، وغاية الفساد عنده فسادها.
_________________
(١) . جمع مفرده السكر: ما يسدّ به النهر ونحوه.
(٢) . ر: دواهم، بدل: «قربات» .
(٣) . غ: بدل «تكسر في ذلك»: يكثر بها فنون البلاء، وتعيى البصر عن لطيف ما يتهتك من الأمور في ذلك» .
(٤) . زيادة من غ.
(٥) . في الأصل: يعدو.
(٦) . حياته: مهملة في الأصل والتصحيح من مط.
(٧) . غ: صواب تدبير.
(٨) . غ: بدل «أفسد من بعده»: أفسد واستفسد جميع ما قدّم له من قبله، وخلّف المملكة خرابا من بعده.
(٩) . غ: ستبتلون.
(١٠) . المزيّن: الحلّاق. غ: المتزيّنين.
(١١) . غ: لملوك.
[ ١ / ١٢٤ ]
يجعل نفسه هي العامّة، والعامّة [١] هي الخاصّة: فإن [٢] خصّ بنعمة دون الناس فهي عنده نعمة عامّة، وإذا عمّ [١٠٢] الناس بالنصر على العدوّ، والعدل في البيضة، والأمن على الحريم، والحفظ للأطراف، والرأفة من الملك، والاستقامة من الملك، ولم يخصص من ذلك بما يرضيه، سمّى تلك النعمة نعمة خاصّة. ثم أكثر شكيّة [٣] الدهر، ومذمّة الأمور. يقيم للسلطان سوق المودّة ما أقام له سوق الأرباح، ولا يعلم ذلك الوزير والقرين أنّ في التماس الربح على السلطان فساد جميع الأمور [٤]، وقد قال الأوّلون منّا: رشاد الوالي خير للرعيّة من خصب الزمان [٥] .
- «واعلموا أنّ الملك والدين أخوان توأمان. لا قوام لأحدهما إلّا بصاحبه، لأنّ الدين أسّ الملك وعماده، [٦] وصار الملك بعد حارس الدين، فلا بدّ للملك من أسّه، ولا بدّ للدين من حارسه، فإنّ [٧] ما لا حارس له ضائع، وإنّ ما [٨] لا أسّ له مهدوم. وإنّ رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إيّاكم إلى دراسة الدين [وتلاوته والتفقّه فيه، فتحملكم الثقة بقوّة السلطان] [٩] على التهاون بهم [١٠]، فتحدث في الدين رئاسات مستسرّات في من قد وترتم [١١] وجفوتم
_________________
(١) . غ: ويجعل العامة.
(٢) . غ: فإذا.
(٣) . غ: شكاية.
(٤) . غ: بدل «ولا يعلم ذلك الوزير فساد جميع الأمور»: «ولا يعلم ذلك الوزير أنّ الوضيعة عنده في التماس الربح على السلطان» .
(٥) . في رسائل البلغاء: رشاد الملك. في كامل المبرّد: عدل السلطان.
(٦) . غ: بدون «عماده» .
(٧) . غ: لأنّ.
(٨) . غ: بدون «إنّ» .
(٩) . ما بين [] زيادة من ر، غ.
(١٠) . مط: به.
(١١) . وتره: قتل حميمه وأدركه بمكروه.
[ ١ / ١٢٥ ]
وحرمتم وأخفتم وصغّرتم من سفلة [١] الناس والرعيّة وحشو العامّة، ولم يجتمع [٢] رئيس في الدين مسرّ، ورئيس في الملك معلن، في مملكة واحدة قطّ، إلّا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك، لأنّ الدين أسّ والملك عماد، وصاحب الأسّ أولى بجمع [٣] البنيان من صاحب العماد.
- «وقد مضى قبلنا ملوك كان الملك منهم يتعهد الجملة بالتفسير [٤] والجماعات بالتفصيل [٥]، والفراغ بالأشغال، كتعهّده جسده بقصّ فضول الشعر والظفر وغسل الدرن والغمر [٦] ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن. وقد كان من أولئك الملوك من صحّة ملكه أحبّ إليه من صحّة جسده، وكان بما يخلّفه من الذكر [الجميل [٧]] المحمود، أفرح وأبهج منه بما يسمعه بأذنه في حياته.
فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد، وكأنّ أرواحهم روح واحدة، يمكّن أوّلهم لآخرهم، ويصدّق آخرهم أوّلهم بجميع أنباء أسلافهم، ومواريث آرائهم [٨]، وصياغات عقولهم، عند الباقي منهم بعدهم، فكأنّهم جلوس [١٠٤] معه، يحدّثونه، ويشاورونه [٩]، حتى كان على رأس دارا بن دارا ما كان، وغلبة [١٠] الإسكندر على ما غلب [١١] من ملكنا. فكان إفساده أمرنا، وتفريقه جماعتنا، وتخريبه عمران مملكتنا، أبلغ له في ما أراد من سفك دمائنا. فلمّا أذن الله في
_________________
(١) . السّفلة والسّفلة من الناس: أسافلهم وغوغاؤهم.
(٢) . غ: واعلموا أنه لن يجتمع.
(٣) . غ: بجميع.
(٤) . ر. بالتفتيش.
(٥) . مط: والجماعة بالتحصيل.
(٦) . الغمر: الحقد والغلّ. نتن العرق.
(٧) . زيادة من غ.
(٨) . غ: آبائهم.
(٩) . غ: ويشاورهم.
(١٠) . غ: من غلبة.
(١١) . غ: غلب عليه.
[ ١ / ١٢٦ ]
جمع مملكتنا ودولة أحسابنا، كان من ابتعاثه [١] إيّانا ما كان، وبالاعتبار [٢] تتّقى الغير، ومن يخلفنا أوجد للاعتبار، منّا، لما استدبروا من أعاجيب ما أتى علينا.
- «واعلموا أنّ سلطانكم إنّما هو على أجساد الرعيّة، وأنّه لا سلطان للملوك على القلوب. واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ذات [٣] أيديهم، فلن تغلبوهم على عقولهم. واعلموا أنّ العاقل [المحروم] [٤] سالّ عليكم لسانه، وهو أقطع سيفيه، وإنّ أشدّ ما يضربكم [٥] به من لسانه، ما صرف الحيلة فيه إلى الدين: فكأنّ بالدين يحتجّ وللدين- فيما يظهر- يغضب، فيكون للدين بكاؤه، وإليه دعاؤه، و[٦] هو أوجد للتابعين والمصدّقين والمناصحين والمؤازرين [١٠٥] منكم. لأنّ بغضة الناس هي موكّلة بالملوك، ومحبّتهم ورحمتهم موكلّة بالضعفاء المغلوبين. وقد كان من قبلنا من الملوك يحتالون لعقول من يحذرون، بتخريبها، فانّ العاقل لا تنفعه [جودة] [٧] نحيزته [٨] إذا صيّر عقله خرابا [مواتا] [٩]، وكانوا يحتالون للطاعنين بالدين على الملوك، فيسمّونهم المبتدعين.
فيكون الدين هو الذي يقتلهم ويريح الملوك منهم. ولا ينبغي للملك أن يعترف للعبّاد والنسّاك [والمتبتّلين] [١٠] أن يكونوا أولى بالدين، ولا أحدب [١١] عليه، ولا أغضب له منه. ولا ينبغي للملك أن يدع
_________________
(١) . غ: ابتعاث الله.
(٢) . غ: العثار.
(٣) . غ: ما في.
(٤) . زيادة من غ.
(٥) . غ: ما يضرّكم.
(٦) . غ: «ثم» بدل «و» .
(٧) . زيادة من غ.
(٨) . النحيزة: الطبيعة.
(٩) . زيادة من غ.
(١٠) . زيادة من غ.
(١١) . حدب عليه: عطف.
[ ١ / ١٢٧ ]
النسّاك بغير الأمر والنهى لهم في نسكهم [ودينهم] [١] فإنّ خروج النساك وغير النسّاك من الأمر والنهى عيب على الملوك وعيب على المملكة. وثلمة يتسنّمها الناس بنيّة [٢] الضرر للملك ولمن بعده.
- «واعلموا أنّ مصير الوالي إلى [٣] غير أخدانه، وتقريبه غير وزرائه، فتح لأبواب [الأنباء] [٤] المحجوب [٥] عنه علمها. وقد قيل: إذا استوحش الوالي ممّن لم [١٠٦] يوطّن [٦] نفسه عليه، أطبقت عليه ظلم الجهالة [٧]، وقيل: أخوف ما تكون العامّة آمن ما يكون الوزراء.
- «اعلموا أنّ دولتكم تؤتى من مكانين: أحدهما غلبة بعض الأمم المخالفة لكم، والآخر فساد أدبكم [٨] . ولن يزال حريمكم من الأمم محروسا، ودينكم من غلبة الأديان محفوظا، ما عظّمت فيكم الولاة، وليس تعظيمهم بترك كلامهم، ولا إجلالهم بالتنحّى عنهم، ولا المحبّة لهم بالمحبّة لكل ما يحبّون. ولكن تعظيمهم تعظيم أديانهم وعقولهم، وإجلالهم إجلال منزلتهم من الله، ومحبّتهم محبّة إصابتهم، وحكاية الصواب عنهم.
_________________
(١) . زيادة من غ.
(٢) . غ: بينة الضرر.
(٣) . مط: على.
(٤) . الأنباء: زيادة من غ.
(٥) . ر: لأبواب محجوب.
(٦) . ص: مما يوطّن.
(٧) . قس هذه السطور بما جاء في رسائل البلغاء: «وإذا أذن الملك للعقلاء من مناصحى دولته، في إنهاء ما يتجدّد عندهم من النصائح التي لا يعلمها خواصه، أو يعلمونها ويكتمونها، انفتحت له أبواب من الأخبار المحجوبة عنه، فيحذر وزراؤه وخواصه من الاتفاق على أمر يكرهه، خوفا من أن يطالع به، فيأمن مكايدهم، وتسلم الرعية من ظلمهم، ومن غلبت عليه خواصه، حتى منعوا عنه الناس، فلا يصل إليه إلّا من يحبّون، أطبقت ظلم الجهالة عليه» .
(٨) . ص: رأيكم.
[ ١ / ١٢٨ ]
- «واعلموا أنه لا سبيل إلى أن يعظّم الوالي إلّا بالإصابة في السياسة، ورأس إصابة السياسة أن يفتح الوالي لمن قبله من الرعية بابين: أحدهما باب رقّة ورحمة [ورأفة وتضرّع وبذل وتحنّن وإلطاف ومواساة ومؤانسة] [١] وبشر وتهلل [وعفو] [٢] وانبساط وانشراح، والآخر: باب غلظة وخشية [٣] وتعنّت [١٠٧] وتسدّد وإمساك ومباعدة وإقصاء ومخالفة ومنع وقطوب [٤] وانقباض [وتضييق وعقوبة] [٥] ومحقرة إلى أن يبلغ القتل. واعلموا انّى لم أسمّ [هذين البابين] [٦] باب رفق وباب عنف، ولكنّى [سمّيتهما] [٧] جميعا «بابى رفق»، لأنّ [٨] فتح باب المكروه مع باب السرور هو أو شك لغلقه [٩]، حتّى لا يبتلى به أحد. و[١٠] في الرعيّة من الأهواء الغالبة للرأى والفجور المستثقل للدين والسفلة الحنقة على الوجوه بالنفاسة والحسد، ما لا بدّ معه أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة، وبباب الاستبقاء باب القتل، وقد يفسد الوالي بعض الرعيّة من حرصه على صلاحها، ويغلظ [١١] عليها من رقّته لها [١٢]، ويقتل [١٣] فيها من حرصه على حياتها.
- «واعلموا أنّ قتالكم الأعداء من الأمم قبل قتالكم الأدب من أنفس رعيّتكم، ليس بحفظ، ولكنّه إضاعة. وكيف يجاهد العدوّ
_________________
(١) . زيادة من غ.
(٢) . زيادة من غ.
(٣) . غ: وخشنة وتعصب وتشديد وجفاء، بدل «وخشية وتعنّت وتسدد وإمساك» .
(٤) . غ: «عبوس» بدل «قطوب» .
(٥) . زيادة من غ.
(٦) . في الأصل: هذا الباب، والتصحيح من غ.
(٧) . في الأصل: سميتها، والتصحيح من غ.
(٨) . غ: واعلموا أنّ.
(٩) . غ: لإغلاقه.
(١٠) . غ: واعلموا أنّ.
(١١) . غ: وقد يغلط.
(١٢) . غ: من شدة رأفته بها.
(١٣) . غ: وقد يقتل.
[ ١ / ١٢٩ ]
بقلوب مختلفة، وأيد متعادية. وقد علمتم أنّ الذي بنى عليه الناس، [١٠٨] وجبلت عليه الطباع [١]، حبّ الحياة وبغض الموت، [وأنّ الحرب تباعد من الحياة وتدنى من الموت] [٢]، فلا دفع ولا منع [٣] ولا صبر ولا محاماة مع هذا، إلّا بأحد وجهين: إمّا بنيّة، والنيّة ما لن يقدر على الوالي عند الناس بعد النيّة التي تكون في أوّل الدولة، وإمّا بحسن الأدب وإصابة السياسة.
«واعلموا أنّ بدء ذهاب الدول [٤] من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة، ولا أعمال معلومة. فإذا فشى الفراغ [في الناس] [٥]، تولّد منه النظر في الأمور، والفكر في الأصول. فإذا نظروا في ذلك، نظروا فيه بطبائع مختلفة، فتختلف بهم المذاهب، ويتولّد من اختلاف مذاهبهم، تعاديهم وتضاغنهم وتطاعنهم [٦]، وهم في ذلك مجتمعون- في اختلافهم- على بغض الملوك، لأنّ كل صنف منهم إنما يجرى إلى فجيعة الملك بملكه، ولكنهم لا يجدون سلّما إلى ذلك [٧] أوثق من الدين، ولا أكثر أتباعا، ولا أعزّ امتناعا، ولا أشدّ على الناس صبرا [٨] . ثم يتولّد من تعاديهم [١٠٩] أنّ الملك لا يستطيع جمعهم على هوى واحد، فإذا انفرد ببعضهم، فهو عدوّ بقيّتهم، ثم تتولّد من عداوتهم [للملك] [٩] كثرتهم، فإنّ من شأن العامّة الاجتماع على استثقال الولاة والنفاسة [١٠] عليهم. لأنّ في
_________________
(١) . غ: الطبائع.
(٢) . ما في [] زيادة من غ.
(٣) . ليس في غ: فلا دفع ولا منع.
(٤) . غ: واعلموا أنّ ذهاب الدول يبدو.
(٥) . زيادة من غ.
(٦) . غ: بدون «تطاعنهم» .
(٧) . غ: مع ذلك مجمعون.
(٨) . غ: صوابا.
(٩) . زيادة من غ.
(١٠) . النفاسة: الحسد.
[ ١ / ١٣٠ ]
الرعيّة المحروم، والمضروب، والمقام عليه وفيه وفي حميمه الحدود، والداخل عليه بعزّ الملك الذلّ في نفسه وخاصّته. فكلّ هؤلاء يجرى إلى متابعة أعداء الملك. ثمّ يتولّد من كثرتهم أن يجبن الملك عن الإقدام عليهم، فإنّ إقدام الملك على جميع الرعيّة تغرير [١] بملكه ونفسه، ويتولّد من جبن الولاة عن تأديب العامة تضييع الثغور التي فيها الأمم من ذوى الدين والبأس، لأنّ الملك إن سدّ الثغور بخاصّته المناصحين له، وخلت [٢] به العامّة الحاسدة المعادية [٣]، لم يعد بذلك تدريبهم في الحرب، وتقويتهم في السلاح، وتعليمهم المكيدة مع البغضة، فهم عند ذلك أقوى عدو [وأضرّه، وأحنقه] [٤]، وأحضره، وأخلقه بالظفر، ولا بدّ من استطراد [١١٠] هذا كله إذا ضيّع أوّله.
- «فمن ألفى منكم الرعيّة بعدي وهي على حال أقسامها الأربعة التي هي: أصحاب الدين، والحرب، والتدبير، والخدمة- من ذلك:
الأساورة صنف، والعبّاد والنسّاك وسدنة النيران صنف، والكتّاب والمنجّمون والأطبّاء صنف، والزرّاع والمهّان والتجار صنف- فلا يكوننّ بإصلاح جسده أشدّ اهتماما منه بإحياء تلك الحال، وتفتيش ما يحدث فيها من الدخلات [٥]، ولا يكوننّ لانتقاله عن الملك بأجزع منه من انتقال صنف من هذه الأصناف إلى غير مرتبته. لأنّ تنقّل الناس عن مراتبهم سريع في نقل الملك عن ملكه: إمّا إلى
_________________
(١) . غرر به: عرّضه للهلكة.
(٢) . خلت به: خادعته.
(٣) . غ: المعادية المنافسة، وإن التمس سدّ الثور بالعامة الحاسدة ولم يعد.
(٤) . زيادة من غ.
(٥) . الدخلات: النيات. دخلة الأمر: بطانته. الدخلة: المذهب.
[ ١ / ١٣١ ]
خلع، وإمّا إلى فتك. فلا يكوننّ من شيء من الأشياء أوحش بتّة [١] من رأس صار ذنبا، أو ذنب صار رأسا، أو يد مشغولة أحدثت فراغا، أو كريم ضرير، أو لئيم مرح. فانّه يتولّد من تنقّل الناس عن حالاتهم، أن يلتمس كلّ امرئ منهم أشياء فوق مرتبته. [١١١] فإذا انتقل أو شك أن يرى أشياء أرفع مما انتقل إليه، فيغبط وينافس. وقد علمتم أنّ من الرعيّة أقواما هم أقرب الناس من الملوك حالا. وفي تنقّل الناس عن حالاتهم مطمعة للذين يلون الملوك في الملك، ومطمعة للذين دون الذين يلون الملوك في تلك الحال، وهذا لقاح بوار الملك.
- «ومن ألفى منكم الرعيّة وقد أضيع [٢] أوّل أمرها، فألفاها في اختلاف من الدين، واختلاف [٣] من المراتب، وضياع من العامّة، وكانت به على المكاثرة قوّة، فليكاثر [٤] بقوّته ضعفهم، وليبادر بالأخذ بأكظامهم قبل أن يبادروا بالأخذ بكظمه [٥]، ولا يقولنّ:
أخاف العسف [٦] . فإنّما يخاف العسف من يخاف جريرة العسف على نفسه، فأمّا إذا كان العسف لبعض الرعيّة صلاحا لبقيّتها، وراحة له ولمن بقي معه من الرعيّة، من النغل [٧] والدغل والفساد، فلا يكوننّ إلى شيء بأسرع منه إلى [١١٢] ذلك، فإنّه ليس نفسه ولا أهل موافقته يعسف، ولكنّما [٨] يعسف عدوّه.
- «ومن ألفى منكم الرعيّة في حال فسادها، ولم ير بنفسه عليها
_________________
(١) . بتّة: قطعا. غ: منه بدل: بتّة. مط: نية.
(٢) . غ: ضاع.
(٣) . غ: واختلال.
(٤) . كاثره: غالبه بالكثرة.
(٥) . أخذ بكظمه: كربه وغمّه.
(٦) . العسف: الظلم.
(٧) . النغل: الإفساد بين القوم. نغلت نيته: ساءت.
(٨) . غ: ولكنه.
[ ١ / ١٣٢ ]
قوّة في [إ] صلاحها [١]، فلا يكوننّ لقميص قمل [٢] بأسرع خلعا منه لما لبس من ذلك الملك، وليأته البوار- إذا أتاه- وهو غير مذكور بشؤم، ولا منوّه به في دنياه [٣]، ولا مهتوك به ستر ما في يديه.
- «واعلموا أنّ فيكم من يستريح إلى اللهو والدعة، ثم يديم من ذلك ما يورثه خلقا وعادة. فيكون ذلك لقاح جدّ لا لهو فيه، وتعب لا خفض [٤] فيه [٥]، مع الهجنة في الرأى والفضيحة في الذكر. وقد قال الأولون منّا: لهو رعيّة الصدق بتقريظ الملوك، ولهو ملوك الصدق بالتودّد إلى الرعيّة.
- «واعلموا أنّ من شاء منكم ألّا يسير بسيرة إلّا [٦] قرّظت له فعل، ومن شاء منكم بعث العيون على نفسه فأذكاها، فلم تكن الناس بعيب نفوسهم بأعلم منه بعيبه.
- «ثم إنه ليس منكم [١١٣] ملك إلّا كثير الذكر لمن يلي الأمر بعده، ومن فساد الرعيّة [٧] نشر أمور ولاة العهود، فإنّ في ذلك من الفساد أنّ أوّله دخول عداوة ممضّة [٨] بين الملك، وولى عهده، وليس يتعادى متعاديان بأشدّ من أن يسعى كلّ واحد منهما في قطع سؤل [٩] صاحبه. وهكذا الملك، وولى عهده: لا يسرّ الأرفع أن يعطى الأوضع سؤله في فنائه. ولا يسرّ هذا الأوضع أن يعطى الآخر سؤله في البقاء، ومتى يكن فرح أحدهما في الراحة من صاحبه،
_________________
(١) . الهمزة، زدناها.
(٢) . القميص قمل إذا كثر عليه القمل.
(٣) . غ: دناءة.
(٤) . الخفض: لين العيش وسعته.
(٥) . غ: معه.
(٦) . مط: بدون «إلّا» .
(٧) . غ: الملك.
(٨) . أمضّه الأمر: أخرقه وشقّ عليه.
(٩) . غ: شوكة.
[ ١ / ١٣٣ ]
تدخل كل واحد منهما وحشة من صاحبه في طعامه وشرابه، ومتى تداينا [١] بالتهمة، يتّخذ كلّ واحد منهما [أحبّاء وأخدانا وأهلا، ثم يدخل كلّ واحد منهما] [٢] وغر [٣] على أحبّاء صاحبه. ثم تنساق الأمور إلى هلاك أحدهما لما لا بدّ منه من الفناء، فتفضى الأمور إلى الآخر وهو حنق على جيل من الناس، يرى أنه موتور إن لم يحرمهم ويضعهم، وينزل بهم التي كانوا يريدون إنزالها به لو ولوا.
فإذا وضع بعض الرعية وأسخط بعضا على هذه الجهة، [١١٤] تولّد من ذلك ضغن وسخط من الرعيّة، ثم ترامى ذلك إلى بعض ما أحذر عليكم بعدي. ولكن ليختر الوالي منكم لله، ثم للرعيّة، ثم لنفسه، وليّا للعهد من بعده، ثمّ ليكتب اسمه في أربع صحائف، فيختمها بخاتمه، فيضعها عند أربعة نفر [٤] من خيار أهل المملكة. ثم لا يكوننّ [٥] منه في سرّ ولا في علانية أمر يستدلّ به على ولىّ ذلك العهد، لا في إدناء وتقريب يعرف به، ولا في إقصاء وتنكّب يستراب له، وليتّق ذلك في اللحظة والكلمة. فإذا هلك، جمعت تلك الكتب التي عند الرهط الأربعة، إلى النسخة التي عند الملك، ففضضن جميعا، ثم نوّه بالذي وضع اسمه في جميعهن. فيلقى الملك- إذا لقيه- بحداثة عهده بحال السوقة [٦]، فلبس ذلك الملك- إذا لبسه- ببصر السوقة، وسمعها، ورأيها. فإنّ في سكر السلطان الذي
_________________
(١) . تداينا: تحاكما.
(٢) . زيادة من غ.
(٣) . الوغر والوغر: الحقد والضغن والعداوة.
(٤) . النفر: الجماعة من الرجال من ثلاثة إلى عشرة أنفار. ويقال: ثلاثة نفر، أو: ثلاثة أنفار.
(٥) . في الأصل: لا يكون. ونون التأكيد من غ.
(٦) . السوقة للمفرد والجمع: الرعية، ويقال للجمع: سوق كغرف.
[ ١ / ١٣٤ ]
سيناله [١]، ما يكتفى به له [٢] من سكر ولاية العهد مع سكر الملك.
فيصمّ ويعمى قبل لقاء الملك لصمم الملوك وعماهم، ثم يلقى الملك، فيزيده صمما وعمى مع ما يلقى في ولاية [١١٥] العهد من بطر السلطان، وحيلة العتاة، وبغى الكذّابين و[ترقية] [٣] النمّامين وتحميل الوشاة بينه وبين من فوقه.
- «ثم اعلموا أنّه ليس للملك [أن يبخل، لأنه لا يخاف الفقر، وليس له] [٤] أن يكذب، لأنه لا يقدر أحد على استكراهه، وليس له أن يغضب، لأنّ الغضب والعداوة لقاح الشرّ والندامة، وليس له أن يلعب ولا يعبث، لأنّ العبث واللعب من عمل الفرّاغ، وليس له أن يفرغ، لأنّ الفراغ من أمر السّوق، وليس له أن يحسد إلّا ملوك الأمم على حسن التدبير، وليس له أن يخاف، لأنّ الخوف من المعور [٥]، وليس له أن يتسلّط، إذ هو معور [٦] .
- «واعلموا أنّ زين الملوك، في استقامة الحال: أن لا تختلف منه ساعات العمل والمباشرة، وساعات الفراغ والدعة، وساعات الركوب والنزهة، فإنّ اختلافها منه خفّة، وليس للملك أن يخفّ.
- «اعلموا أنّكم لن تقدروا على ختم أفواه الناس من الطعن والإزراء عليكم، ولا قدرة بكم [٧] على أن تجعلوا القبيح حسنا [١١٦] .
_________________
(١) . غ: «بينّاه»، بدل «سيناله» . مط: نسبنا له.
(٢) . غ: بدون «له» .
(٣) . رقى في الحديث: زاد فيه. مط: «وتتبع الكذابين» بدل «وترقية النمامين» .
(٤) . ما بين [] زيادة من غ، ورسائل البلغاء.
(٥) . مط: المعوز. غ: من أمر المعور. رجل معور: قبيح السيرة. أعور الرجل والمرأة: بدت عورتهما.
(٦) . غ: إن هو أعور. مط: إذ هو معوز.
(٧) . غ: لكم.
[ ١ / ١٣٥ ]
- «واعلموا أنّ لباس الملك ومطعمه مقارب للباس السوقة ومطعمهم، وبالحرىّ أن يكون فرحهما بما نالا من ذلك واحدا.
وليس فضل الملك على السوقة إلّا بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم. فإنّ الملك إذا شاء أحسن، وليس السوقة كذلك.
- «واعلموا أنّه يحقّ على الملك منكم أن يكون ألطف ما يكون نظرا، أعظم ما يكون خطرا، وألّا يذهب حسن أثره في الرعيّة خوفه لها، وألّا يستغنى بتدبير اليوم عن تدبير غد، وأن يكون حذره للملاقين أشدّ من حذره للمباعدين، وأن يتّقى بطانة السوء أشدّ من اتّقائه عامّة السوء، ولا يطمعنّ ملك في إصلاح العامّة إذا لم يبدأ بتقويم الخاصّة.
- «واعلموا أنّ لكل ملك بطانة، وأنّ لكل رجل من بطانته بطانة، ثم لكلّ امرئ من بطانة البطانة بطانة، حتى يجتمع في ذلك [جميع] [١] أهل المملكة! فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب، أقام كل امرئ منهم بطانته [١١٧] على مثل ذلك حتى يجتمع على الصلاح عامّة الرعيّة.
- «اعلموا أنّ الملك منكم قد تهون عليه العيوب، لأنّه لا يستقبل بها إن [٢] عملها حتى يرى أنّ الناس يتكاتمونها بينهم كمكاتمتهم إيّاه تلك العيوب. وهذا من الأبواب الداعية إلى طاعة الهوى، وطاعة الهوى داعية إلى غلبته، فإذا غلب الهوى اشتدّ علاجه من السوقة المغلوب [٣] فضلا عن الملك الغالب.
- «اتّقوا بابا واحدا طالما أمنته فضرّنى، وحذرته فنفعني: احذروا
_________________
(١) . ما في [] زيادة من غ.
(٢) . في الأصل: وإن (بزيادة الواو) .
(٣) . يبدو أنّ تذكير الصفة باعتبار معنى «السوقة» المفرد. في مط أيضا: المغلوب.
[ ١ / ١٣٦ ]
إفشاء السرّ عند الصغار من أهليكم وخدمكم، فانّه لا يصغر أحد منهم [عن] [١] حمل ذلك السرّ كاملا! لا يقول منه شيئا حتى يضعه حيث تكرهون، إمّا سقطا وإما غشّا [٢]، والسقط أكثر ذلك. اجعلوا حديثكم لأهل المراتب، وحباءكم [٣] لأهل الجهاد، وبشركم لأهل الدين، وسرّكم عند من يلزمه خير ذلك وشرّه وزينه وشينه. [١١٨] «واعلموا أنّ صحة الظنون مفاتيح اليقين، وأنكم ستستيقنون من بعض رعيّتكم بخير وشرّ، وستظنّون ببعضهم خيرا وشرّا، فمن استيقنتم منه بالخير والشرّ، فليستيقن منكم بهما، ومن ظننتموهما به [٤]، فليظنّهما بكم في أمره، فعند ذلك يبدو من المحسن إحسانه، فيخالف الظنّ فيغتبط [٥]، ومن المسيء إساءته، فيصدق الظنّ به فيندم.
«واعلموا أنّ للشيطان في ساعات من الدهر طمعا في السلطان عليكم، منها: ساعات الغضب والحرص والزهو، فلا تكونوا له في شيء من ساعات الدهر أشدّ قتالا منكم عندهنّ حتّى يتقشّعن.
وكان يقال: اتّق مقارنة الحريص الغادر، فإنّه إن رءاك في القرب، رأى منك أخبث حالاتك، وإن رءاك في الفضول، لم يدعك وفضولك.
أسعدوا [٦] الرأى على الهوى، فإنّ ذلك تمليك للرأى. واعلموا أنّ
_________________
(١) . في الأصل: «على» ولم نجد لها وجها من الصحة.
(٢) . الغشّ: اسم للغش.
(٣) . الحباء: العطاء.
(٤) . مط: منه.
(٥) . مط: فيسقط.
(٦) . أسعدوا: ساعدوا. غ: استعدوا: استعينوا. (الأول من الإسعاد والثاني من الاستعداء) .
[ ١ / ١٣٧ ]
من شأن الرأى الاستخذاء [١] للهوى، إذا جرى الهوى على عادته.
وقد عرفنا [١١٩] رجالا كان الرجل منهم يؤنس من قوّة طباعه، ونبالة رأيه ما تريه نفسه أنّه على إزاحة الهوى عنه، وإن جرى على عادته، ومعاودته الرأى، وإن طال به عهده قادر، لثقة يجدها بقوّة الرأى. فإذا تمكّن الهوى منه، فسخ عزم رأيه، حتى يسمّيه كثير من الناس ناقصا في العقل. فأمّا البصراء فيستبينون من عقله عند غلبة الهوى عليه ما يستبان من الأرض الطيّبة الموات.
- «واعلموا أنّ في الرعية صنفا من الناس هم بإساءة الوالي أفرح منهم بإحسانه، وإن كان الوالي لم يترهم، وكان الزمان لم ينكبهم، وذلك لاستطراف حادثات الأخبار، فإنّ استطراف الأخبار معروف من أخلاق حشو الناس. ثمّ لا طرفة عندهم فيما اشتهر، فجمعوا في ذلك سرور كلّ عدو لهم ولعامّتهم مع ما وتروا به أنفسهم وولاتهم.
فلا دواء لأولئك إلّا بالأشغال. وفي الرعية صنف وتروا [٢] الناس [١٢٠] كلّهم وهم الذين قووا على جفوة الولاة، ومن قوى على جفوتهم فهو غير سادّ ثغرا ولا مناصح [٣] إماما، ومن غشّ الإمام فقد غشّ العامّة وإن ظنّ أنه للعامة مناصح، وكان يقال: لم ينصح عملا من غشّ عامله.
- «وفي الرعيّة صنف تركوا إتيان الملوك من قبل أبوابهم وأتوهم من قبل وزرائهم. فليعلم الملك منكم أنّ من أتاه من قبل بابه فقد آثره بنصيحته [٤] إن كانت عنده، ومن أتاه من قبل وزرائه فهو موثر للوزير على الملك في جميع ما يقول ويفعل.
_________________
(١) . استخذى له: انقاد واتّضع.
(٢) . غ: ضروب وتروا.
(٣) . غ: بدون «لا» .
(٤) . غ: بنصيحة.
[ ١ / ١٣٨ ]
- «وفي الرعيّة صنف دعوا إلى أنفسهم الجاه، بالإباء والردّ له، ووجدوا ذلك عند المغفّلين نافقا [١]، وربّما قرّب الملك الرجل من أولئك لغير نبل في رأى، ولا إجزاء [٢] في العمل، ولكن الإباء والردّ أغرياه به [٣] .
- «وفي الرعيّة صنف أظهروا التواضع، واستشعروا الكبر.
فالرجل منهم يعظ الملوك زاريا عليهم بالموعظة، يجد ذلك أسهل طريقي طعنه عليهم [١٢١] ويسمّى هو ذلك- وكثير ممن معه- تحرّيا [٤] للدين. فإن أراد الملك هو انهم لم يعرف لهم ذنبا يهانون عليه [٥]، وإن أراد إكرامهم فهي منزلة حبوا بها أنفسهم على رغم الملوك، وإن أراد إسكاتهم كان السماع في ذلك أنّه استثقل ما عندهم من حفظ الدين، وإن أمروا بالكلام قالوا [ما يفسد ولا يصلح] [٦] . فأولئك أعداء الدول وآفات الملوك. فالرأى للملوك تقريبهم من الدنيا، فإنّهم إليها أجروا [٧]، وفيها [٨] عملوا، ولها سعوا، وإيّاها أرادوا. فإذا تلوّثوا [٩] فيها بدت فضائحهم، وإلّا فإنّ فيما يحدثون ما يجعل للملوك سلّما إلى سفك دمائهم. وكان بعض الملوك يقول: القتل أقلّ للقتل.
- «وفي الرعيّة صنف أتوا الملوك من قبل النصائح لهم، والتمسوا صلاح منازلهم بإفساد منازل الناس. فأولئك أعداء الناس وأعداء
_________________
(١) . مط: نافعا. نفقت السوق: قامت وراجت تجارتها.
(٢) . الإجزاء: الكفاية والإغناء.
(٣) . به: الأصل مطموس، والمثبت من غ.
(٤) . غ: محرزا.
(٥) . وفي غ: به.
(٦) . الضبط من غ، وفي الأصل: إنما نفسد ولا نصلح. وفي رسائل البلغاء: وإن أطلق لسانه، قال بوعظه بين الملأ ما أفسد حال الدولة.
(٧) . أجرى إلى الشيء: قصده.
(٨) . غ: لها.
(٩) . مط: تكونوا.
[ ١ / ١٣٩ ]
الملوك، ومن عادى الملوك وجميع الرعيّة، فقد عادى نفسه.
- «واعلموا أنّ الدهر [١٢٢] حاملكم على طبقات، منهنّ: حال السخاء حتى تدنو من السرف، ومنهن: حال التقتير [١] حتى تقرب من البخل، ومنهنّ: حال الأناة، حتى تصير إلى البلادة، ومنهنّ: حال المناهزة للفرصة حتى تدنو من الخفّة، ومنهنّ حال الطلّاقة في اللسان حتى تدنو من الهذر، ومنهنّ: حال الأخذ بحكم الصمت حتى تدنو من العىّ، فالملك منكم جدير أن يبلغ من كلّ طبقة في محاسنها حدّها، فإذا وقف على الحدود التي ما وراءها سرف، ألجم نفسه عمّا وراءها.
- «واعلموا أنّ الملك منكم ستعرض له شهوات في غير ساعاتها. والملك إذا قدّر ساعة العمل، وساعة الفراغ، وساعة المطعم، وساعة المشرب، وساعة الفضيلة [٢]، وساعة اللهو، كان جديرا ألّا يعرف منه [٣] الاستقدام بالأمور، ولا الاستيخار عن ساعاتها. فإنّ اختلاف ذلك يورث مضرّتين: إحداهما السخف، وهي أشدّ الأمرين، [١٢٣] والأخرى نقص الجسد، بنقص أقواته وحركاته.
- «واعلموا أنّ من ملوككم من سيقول: لى الفضل على من كان قبلي من آبائي وعمومتي ومن ورثت عنه هذا الأمر، لبعض الإحسان يكون منه. فإذا قال ذلك، سوعد [٤] عليه بالمتابعة [٥] له.
_________________
(١) . غ: حال الإقتصاد. قتّر على عياله: بخل، وضيّق عليهم في النفقة.
(٢) . غ: الفضلة.
(٣) . مط: بدون «منه» .
(٤) . غ: وسوعد.
(٥) . مط: بالمبايعة.
[ ١ / ١٤٠ ]
فليعلم ذلك الملك والمتابعون [١]: إنما [٢] وضعوا أيديهم وألسنتهم في قصب [٣] آبائه من الملوك وهم لا يشعرون. ولبالحرىّ أن يشعر بعض المتابعين له فيغمّض [٤] على ما لا يحزنه من ذلك.
- «واعلموا أنّ ابن الملك وأخاه وعمّه [٥] وابن عمّه كلّهم يقول:
كدت أن أكون ملكا، وبالحرىّ ألّا أموت حتى أكون ملكا، فإذا قال ذلك، قال ما لا يسرّ الملك. فإن كتمه، فالداء في كلّ مكتوم، وإن أظهره كلم [٦] في قلب الملك كلما [٧] يكون لقاحا للتباين والتعادي.
وستجدون [٨] القائل ذلك من المتابعين والمحتملين [٩] والمتمنّين، ما تمنّى لنفسه ما يريده [١٠]، إلّا [١١] [١٢٤] ما اشتاق إليه شوقا. فإذا تمكّن في صدره الأمل، لم يرج النيل له، إلّا في اضطراب من الحبل [١٢]، وزعزعة تدخل على الملك وأهل المملكة. فإذا تمنّى ذلك فقد جعل الفساد سلّما إلى الصلاح، ولم يكن الفساد سلّما إلى صلاح قطّ. وقد رسمت لكم في ذلك مثالا لا مخرج لكم منه إلّا به.
اجعلوا أولاد الملك من بنات عمومتهم. ثمّ لا يصلح من أولاد بنات الأعمام، إلّا كامل غير سخيف العقل، ولا عازب الرأى، ولا ناقص الجوارح، ولا معيوب عليه في الدين. فإنّكم إذا فعلتم ذلك، قلّ طلّاب الملك، وإذا قلّ طلّابه استراح كلّ امرئ على جديلته، وعرف
_________________
(١) . مط: المبالغون.
(٢) . مط: بدون «إنما» .
(٣) . قصبه: شتمه.
(٤) . غ: فيغضى.
(٥) . مط: «وابن أخى الملك» بدل «عمه وابن عمه» .
(٦) . الكلم: الجرح.
(٧) . غ: كلّ ما.
(٨) . في الأصل: وستجد. غ: وستجدون.
(٩) . غ: «والمخيلين له» بدل «المحتملين والمتمنين» .
(١٠) . غ: ما يزيده.
(١١) . في الأصل ومط: إلى، والتصحيح من غ.
(١٢) . الحبل: العهد والذمة.
[ ١ / ١٤١ ]
حاله [١]، وغضّ بصره، ورضى بمعيشته واستطاب زمانه.
- «واعلموا أنّه سيقول قائل من عرض [٢] رعيّتكم، أو من ذوى قرابتكم: ما لأحد علىّ فضل و[٣] لو كان لى ملك..، فإذا قال ذلك فإنّه قد تمنّى الملك [١٢٥] [٤] وهو لا يشعر، ويوشك أن يتمنّاه بعد ذلك وهو يشعر. فلا يرى ذلك من رأيه خطلا [٥]، ولا من فعله زللا، وإنّما يستخرج ذلك فراغ القلب واللسان ممّا يكلّف أهل الدين والكتّاب والحسّاب، أو فراغ اليد ممّا يكلّف الأساورة، أو فراغ البدن مما يكلّف التجّار، والمهنة، والخدم. واعلموا أنّ الملك ورعيّته جميعا يحقّ عليهم ألّا يكون للفراغ عندهم موضع، فإنّ التضييع في فراغ الملك، وفساد المملكة في فراغ الرعيّة.
- «واعلموا أنّا على فضل قوّتنا، وإجابة الأمور إيّانا، وحدّة دولتنا، وشدة بأس أنصارنا، وحسن نيّة وزرائنا، لم نستطع إحكام تفتيش الناس، حتى بلغنا من الرعيّة مكروهها، ومن أنفسنا مجهودها.
- «واعلموا أنّه لا بدّ من سخط سيحدث منكم على بعض أعوانكم المعروفين بالنصيحة لكم، ولا بدّ من رضى سيحدث لكم من بعض أعدائكم المعروفين بالغشّ لكم، فلا تحدثوا، عند ما يكون من ذلك، انقباضا عن المعروف [١٢٦] بالنصيحة، ولا استرسالا إلى
_________________
(١) . غ: «واقتصر على ما يليه، واستكثر كل امرئ حاله» بدل «على جديلته وعرف حاله» . الجديلة: الطريقة، والشاكلة.
(٢) . هو من عرض الناس: من العامة.
(٣) . غ: بدون «و» .
(٤) . حصل تقديم وتأثير بين صفحتي ١٢٥ و١٢٦ من مصورة ليدن، فصححناه.
(٥) . الخطل: الحمق. المنطق المضطرب الفاسد. الكلام الكثير الفاسد. الطول والاضطراب يكون في الإنسان والرمح والفرس.
[ ١ / ١٤٢ ]
المعروف بالغشّ.
- «قد خلّفت لكم رأيى، إذ لم أستطع تخليف بدني، وقد حبوتكم بما حبوت به نفسي وقضيت حقّكم فيما آسيتكم به من رأى.
فاقضوا حقّى بالتشفيع لى في صلاح أنفسكم والتمسك بعهدي إليكم. فإنّى قد عهدت إليكم عهدي، وفيه صلاح جميع ملوككم وعامّتكم وخاصّتكم. ولن تضيعوا ما احتفظتم بما رسمت لكم ما لم تصنعوا [١] غيره. فإذا تمسّكتم به، كان علامة في بقائكم ما بقي الدهر.
- «ولولا اليقين بالبوار النازل على رأس الألف من السنين [٢]، لظننت أنّى قد خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به، كان علامة في بقائكم الدهر. ولكن القضاء إذا جاءت أيّامه، أطعتم أهواءكم، واستثقلتم ولاتكم، وأمنتم وتنقّلتم عن مراتبكم وعصيتم خياركم [وأطعتم شراركم] [٣]، وكان أصغر ما تخطئون فيه سلّما إلى أكبر منه حتى تفتقوا ما رتقنا، [وتوهوا ما وثّقنا] [٤]، وتضيعوا ما حفظنا. والحقّ [٥] علينا وعليكم [١٢٧] ألّا نكون [٦] للبوار أغراضا، وفي الشؤم أعلاما. فإنّ الدهر إذا أتى بالذي تنتظرون، اكتفى بوحدته [٧] . ونحن ندعو الله لكم بنماء المنزلة، وبقاء الدولة، دعوة لا يفنيها فناء قائلها حتّى المنقلب [٨]، ونسأل الله الذي عجّل بنا وخلّفكم، أن يرعاكم رعاية يرعى بها ما تحت أيديكم [وأن يرفعكم رفعة يضع بها من
_________________
(١) . مط: ما لم تضعوا.
(٢) . غ: ألف سنة.
(٣) . زيادة من غ.
(٤) . زيادة من غ.
(٥) . غ: ويحق.
(٦) . نكون: من غ. وفي الأصل: ألّا تكونوا.
(٧) . غ: حدّته (بالتشديد) .
(٨) . المنقلب: المعاد.
[ ١ / ١٤٣ ]
عاداكم] [١]، ويكرمكم كرامة يهين بها من ناوأكم. ونستودعكم الله وديعة يكفيكم بها الدهر الذي يسلّمكم إلى [٢] زياله [٣] وغيره [وعثراته] [٤] وعداوته، والسلام على أهل الموافقة ممّن يأتى عليه العهد [٥] من الأمم الكائنة بعدي [٦] .»