فلما انتظمت له هذه الأمور واستوسق ملكه ووثق بجنده وقوّته، سار نحو أنطاكية فافتتحها وأمر أن تصوّر له المدينة على ذرعها وطرقها وعدّة منازلها، وأن يبنى على صورتها له مدينة إلى جانب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالروميّة.
ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إيّاها. فلمّا دخلوا باب المدينة مضى أهل كلّ بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية. ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها، ثم الاسكندرية، وأذعن له قيصر، وحمل إليه الفدية.
ثم انصرف من الروم وأخذ نحو الخزر، فأدرك فيهم تبله [٣]، وما كانوا وتروه به [١٨٢] في رعيّته، ثم نحو عدن، فسكر [٤] هناك ناحية من البحر بين [٥] جبلين بالصخور وعمد الحديد. ثم سار إلى الهياطلة مطالبا لهم بدم فيروز، بعد أن صاهر خاقان واستعان به. فأتاهم، فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته، وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل جنوده فرغانة [٦] . ثم انصرف إلى المدائن، وبعث قوما إلى الحبشة في جند من الديلم. فقتلوا مسروقا الحبشي باليمن. وأقام مظفّرا منصورا
_________________
(١) . تقدم إليه: أمره.
(٢) . ومن وصاياه، وعهده الذي تركه للملوك الآتين بعده. أنظر: ص ١٢٢ إلى ١٤٤.
(٣) . التبل: الحقد والعداوة.
(٤) . سكره: سدّه.
(٥) . في الطبري: بين جبلين مما يلي أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل (٢: ٨٩٨) .
(٦) . فرغانة: ولاية على ساحل جيحون (لج: ٥١٩) .
[ ١ / ١٨٣ ]
يهابه جميع أمرائهم، ويحضر بابه وفود الترك والصين والخزر ونظرائهم. وكان مكرما للعلماء. وقد كان غزا برجان [١] . ثم رجع فبنى الباب [٢] والأبواب.
وفي زمانه ولد عبد الله أبو النبيﷺ-. والنبي أيضا﵇- وملك ثماني [٣] وأربعين سنة. أمّا عبد الله بن عبد المطلب فانّه ولد لأربع وعشرين سنة من ملكه. وبعث إلى المنذر بن النعمان- وأمّه ماء السماء امرأة من اليمن [٤]- فملّكه الحيرة وما كان يليه آل الحارث بن عمرو، وردّ الأمر إلى نصابه.