وكان سعد هذا تزوّج أمة تخدم لجذيمة [٢]، فولدت له قصيرا، وكان حازما، أريبا، أثيرا عند جذيمة. فخالفهم في ما [٨٧] أشاروا به عليه، وقال:
- «رأى فاتر [٣] وغدر [٤] حاضر.» - فذهب مثلا.
فنازعوه الرأى، فقال لجذيمة:
- «أكتب إليها: فلتقبل إليك إن كانت صادقة. فإن لم تفعل. لم تسر إليها ممكّنا [إيّاها] [٥] من نفسك وقد وترتها، وقتلت أباها.» فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير، وقال جذيمة:
- «أنت امرؤ رأيك في الكنّ [٦]، لا في الضحّ [٧]» - فذهبت مثلا.
دعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدىّ، فاستشاره، فشجّعه على المسير، وقال:
- «هناك نمارة [٨] قومي، ولو قد رأوك [٩]، صاروا معك.» فأطاعه وعصى قصيرا. فقال قصير:
- «لا يطاع لقصير أمر.» وفي ذلك يقول الشعراء ما حذفناه طلب الإيجاز.
واستخلف جذيمة عمرو بن عدىّ على ملكه وسلطانه. وسار في وجوه
_________________
(١) . أنظر الطبري (٢: ٧٥٨) .
(٢) . مط: تزوّج أمّه خدمة لجذيمة!
(٣) . الفاتر: الضعيف.
(٤) . مط: عذر.
(٥) . إيّاها: تكملة منّا.
(٦) . الكنّ: كل ما يردّ الحرّ والبرد من الأبنية والغيران ونحوها.
(٧) . الضّحّ: الشمس أو ضوؤها إذا استمكن من الأرض. ما أصابته الشمس. البراز الظاهر من الأرض.
(٨) . نمارة: بطن من إياد من العدنانية (كحّالة) .
(٩) . في الطبري: ولو قدروا لصاروا معك. بدل: ولو قد رأوك صاروا معك (٢: ٧٥٩) .
[ ١ / ١١٢ ]
أصحابه، فأخذ على الفرات من الجانب الغربىّ. فلمّا نزل رحبة [١] مالك بن طوق- وكان تدعى في ذلك الزمان «الفرضة» - دعا قصيرا، فقال:
- ما الرأى؟» فقال:
«ببقّة [٢] تركت الرأى.» - فذهبت مثلا. [٨٨] واستقبلته رسل الزبّاء بالهدايا والألطاف، فقال:
- «يا قصير كيف ترى؟» قال:
- «خطر يسير في خطب كبير- فذهبت مثلا- وستلقاك الخيل، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبتيك، فالقوم غادرون، فاركب العصا، فإنّى مسايرك عليها.» وكانت العصا فرسا لجذيمة لا تجارى، فلقيته الخيول والكتائب، فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير مولّيا على متنها، فقال:
- «ويل أمّه حزما على ظهر العصا.» - فذهبت مثلا.
ونجا قصير، وأدخل على الزبّاء. فلما رأته كشفت له عن إسبها [٣]، فإذا هو مضفور. فقالت:
- «يا جذيمة! أدأب عروس ترى؟» - فذهبت مثلا.
فقال: «بلغ المدى، وجفّ الثرى، وأمر غدر أرى.» - فذهبت مثلا.
فتمّت حيلتها على جذيمة، حتّى قتلته بأن قطعت راهشيه [٤]، في خبر طويل، وأمثال محفوظة. فهلك جذيمة، وخرج قصير حتى قدم على عمرو بن عدىّ
_________________
(١) . رحبة مالك بن طوق: على الفرات بين الرقّة والعانة، أحدثها مالك بن طوق في خلافة المأمون (مع) رحبة الشام (لج) .
(٢) . بقّة: اسم موضع قريب من الحيرة، وقيل: حصن كان على فرسخين من هيت كان نزله جذيمة الأبرش (مع) .
(٣) . الاسب: شعر الفرج، وقيل: شعر الاست. الشعر النابت على قبل المرأة والرجل.
(٤) . الراهشان: عرقان في باطن الذراعين.
[ ١ / ١١٣ ]
[٨٩] وهو بالحيرة.
فقال له قصير: «أداثر [١]، أم ثائر؟» فقال:- «بل ثائر سائر.» - فذهبت مثلا.