فملّكوه، وانتهى هلاك يزدجرد وما كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام. [١٤٧] فدعا بالمنذر وبالنعمان ابنه وناس من علية العرب. فذكّرهم إحسان والده إليهم وإنعامه عليهم مع فظاظته وشدّته على الفرس، وأخبرهم بموت والده وما كان من الفرس من تمليك غيره، ومنّاهم من نفسه ووعدهم بما أنسوا به. فقال المنذر:
- «لا يهولنّك ذلك حتى ألطف للحيلة.» ثمّ إنّ المنذر جهّز عشرة آلاف من فرسان العرب مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير [٢] مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قريبا منهما، وأن يغير على ما والاهما، وإن تحرّك أحد لقتاله قاتله. وأذن له في الأسر والسبي، ونهاه عن لقتل.
_________________
(١) . كذا في مط والأصل: «قلّة نفاق» . والظاهر أنّ إحدى الكلمتين زائدة لأنّ النفاق بمعنى النفاد، والفناء، والقلّة.
(٢) . مهملة في الأصل وأعجمناها كما في مط والطبري. أصلها: ويه أرتخشر. صور التعريب: بهرسير، بردسير، بردشير، گواشير، جواسير، جواشير، وبهادرشير هي كرمان (لج: ٣٢٥) .
[ ١ / ١٥٨ ]
فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين، ووجّه طلائعه إليهما واستعظم قتال الفرس. فاجتمع رأى العظماء وأهل البيوتات على إنفاذ حواى [١] على تأدية رسالة- وحواى هذا صاحب رسائل يزدجرد- إلى المنذر ويستكفونه أمر النعمان ابنه، ويخوّفونه من عقبى جنايته عليه.
فلمّا ورد حواى على المنذر قال له: «الق الملك بهرام.» [١٤٨] ووجّه معه من يوصله إليه. فلمّا دخل عليه راعه منظر بهرام وما رأى من وسامته. فكلّمه بهرام ووعده ومنّاه وردّه إلى المنذر، ورسم له أن يجيب عمّا كتب إليه.
فقال المنذر لحواى: «قد تدبّرت ما جئتني به، وقرأت الكتاب ولست صاحب النعمان، وإنّما صاحبه الملك بهرام، وهو الذي وجّهه إلى ناحيتكم، ورسم له ما هو لا محالة متمثّلة، لأنّ الملك صار له بعد أبيه، ولا حظّ لغيره فيه.» فلمّا سمع حواى مقالته، وتذكّر ما عاين من بهاء بهرام وروائه [٢] وحسن كلامه، علم أنّ جميع من يشاور في صرف الملك عنه مخصوم [٣] محجوج. فقال للمنذر:
- «إنى لست محيرا [٤] جوابا، ولكن سر- إن رأيت- إلى محلّة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات، وأت في الأمر ما يجمل، فانّهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به.» فردّ المنذر حواى، واستعدّ وسار بعده بيوم مع بهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب [١٤٩] وذوى البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك. فلمّا
_________________
(١) . حوابى، في الطبري: جوانى، جوابي، حواني (٢: ٨٥٩) .
(٢) . الرواء: حسن المنظر.
(٣) . المخصوم: المغلوب في الخصومة، والمحجوج: المغلوب في الحجة.
(٤) . أحار الجواب: ردّه، ومنه: لم يحر جوابا.
[ ١ / ١٥٩ ]
وردهما، جمع الناس وجلس بهرام على منبر من ذهب مكلّل بالجوهر، وجلس المنذر عن يمينه، وتكلّم عظماء الفرس، وفرشوا [١] للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد كانت [٢] وسوء سيرته [٣]، وأنّه أخرب الأرض وأكثر القتل ظلما حتى قلّ الناس. وذكروا أمورا فظيعة، وذكروا أنّهم إنّما تعاقدوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك. وسألوا المنذر ألّا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه.
فقال المنذر لبهرام:
- «أنت أولى بإجابة القوم.» فقال بهرام:
- «إنى لست أكذّبكم في شيء مما نسبتم إلى يزدجرد لما استقرّ عندي من ذلك. ولقد كنت منكرا سوء هديه متنكّبا طريقته، ولم أزل أسأل الله أن يفضى بالملك إلىّ فأصلح كلّ ما أفسد، وأرأب ما صدع، وسأعيد الأمور بمشيئة الله إلى أتمّ ما كانت عليه في وقت من الأوقات انتظاما، وأعمر البلاد، وأرفّه الرعيّة، [١٥٠] وأوسع لهم، وأوطّئ جانبي [٤]، وأدرّ أرزاق الجنود وأهل الطاعة، وأسدّ الثغور، وأنفى أهل الفساد. فإن أتت لملكى سنة ولم أف لكم بهذه الأمور التي عددت عليكم، تبرّأت من الملك طائعا، وأشهد الله بذلك وملائكته وموبذان موبذ.» فسمع أكثر الناس ورضوا، وتكلّمت طائفة كان رأيها مع كسرى.
فقال بهرام:
- «فإنّى على ما ضمنته لكم، واستيجابى [٥] للملك، وأنّه حقّ لى. قد رضيت
_________________
(١) . فرشوا: بسطوا: شرحوا.
(٢) . كذا في مط والطبري.
(٣) . ابن الأثير: فذكروا فظاظة يزدجرد أبى بهرام وسوء سيرته (١: ٤٠٣) .
(٤) . مط: بدون «جانبي» . وطأ جانبه: كان سهل الأخلاق، كريما، مضيافا.
(٥) . كذا في مط. وما في الأصل غير واضح.
[ ١ / ١٦٠ ]
أن يوضع التاج والزينة بين أسدين مشبلين، فمن تناوله فهو الملك.»