ثم ملك بعد كيقباذ، كيقابوس [٢] بن كيبنة [٣] بن كيقباذ الملك. فشدّد على أعدائه وقتل خلقا من عظماء البلاد، ممن كان ينكر أمرهم وسكن بلخ. وولد له ابن لم ير مثله في عصره جمالا وتمام خلقة، وسمّاه سياوخش، [٤] وضمّه إلى رستم [٥] الشديد بن دستان من ولد كرساسف الذي ذكرناه قبيل، وكان إصبهبذ سجستان وما يليه من قبله، وأمره بتربيته وأوصاه به. فأخذه رستم، ومضى به إلى سجستان وتخيّر له الحواضن والمرضعات، حتى أدرك [٦]، فجمع له المعلّمين، وأدّبه، ثم علّمه الفروسة [٧]، حتى فاق فيها، وقدم على والده رجلا كاملا،
_________________
(١) . سقط من مط: داود.
(٢) . البيروني ص ١٠٧ وحمزة ص ٣٠: كيكاوس. بالفهلوية) KaiKayus:ف) . في الأفستا Kaviusan:الملك الثاني من الأسرة الكيية.
(٣) . مط: كييه. في الطبري وحواشيه: كسه (مهملة)، كتيبه!، كييه، كيبيه، وتصحيفات أخرى (٢: ٥٩٧) . أصله حسب الروايات الايرانية القديمة: أئى پيفنگهو) Aipivanghu فم ٦: ١٦٤١ «كيكاوس»)، والشبه ظاهر بين الأصل وصورة التعريب خاصة إذا أدخلنا عليه.Kavi:
(٤) . بالأفستائية.Syavarshan:بالفهلوية) Siavaxsh:ف) .
(٥) . بالأفستائية.Rosataxm (-Ltahm):بالفهلوية.Rostahm:
(٦) . أدرك الصبىّ: بلغ الحلم.
(٧) . مط: الفروسية.
[ ١ / ٧٢ ]
فامتحنه كيقابوس والده، فوجده كاملا نافذا [١] بارعا.
وكان لكيقابوس زوجة بارعة الجمال، يقال: إنّها بنت [٣٣] فراسياب ملك الترك، ويقال: إنّها بنت ملك اليمن. فهويت سياوخش، وهويها. والفرس تحكى أمورا طويلة، وتزعم أنّها كانت ساحرة، وأنّها سحرته، إلّا أن آخر أمرها آل إلى أن علم كيقابوس بما يجرى بينهما.
فكان من عاقبة ميلهما إلى الهوى، وظنّهما أنّ ذلك ينكتم، أن تغيّر كيقابوس لابنه سياوخش، وأشفق سياوخش على نفسه. فسأل رستم أن يسأل أباه توجيهه لحرب فراسياب. وكان قد تجدّدت وحشة بين كيقابوس وفراسياب. وأراد سياوخش بذلك البعد من والده، والتنحّى عما تكيده به امرأة أبيه [٢] . ففعل ذلك رستم وخاطب أباه فيه، واستأذن له في جند يضمّهم إليه. فأذن له، وضمّ إليه جندا كثيفا وأشخص [٣] سياوخش إلى بلاد الترك. فلما التقى سياوخش وفراسياب، جرى بينهما صلح. وكتب بذلك سياوخش إلى أبيه يعلمه ما جرى بينه وبين [٣٤] فراسياب.
فكتب إليه أبوه بإنكار ذلك، وأمره بمناهضته ومناجزته الحرب. فرأى سياوخش أنّ في فعله ما كتب به أبوه من محاربة فراسياب- بعد الذي جرى بينهما من الصلح والهدنة، من غير نقض [٤] فراسياب شيئا من أسباب ذلك- عارا ومنقصة. فامتنع من إنفاذ أمر أبيه في ذلك. ورأى أنّه يؤتى في كلّ ذلك من زوجة أبيه [٥] . فمال إلى الهرب من أبيه، فراسل فراسياب في أخذ الأمان لنفسه منه، واللحاق به وفراق والده، فأجابه فراسياب إلى ذلك. وكان السفير بينهما رجلا من
_________________
(١) . مط: ناقدا.
(٢) . في الطبري: كان يقال لها سودابه.
(٣) . أشخص فلانا إليه: بعث به إليه.
(٤) . «الذي نقض»: سقطت من مط.
(٥) . الطبري: من زوجة أبيه التي دعته إلى نفسها، فامتنع عليها (٢: ٥٢٩) .
[ ١ / ٧٣ ]
عظماء الترك يقال له: فيران [١] . فلمّا فعل ذلك سياوخش، انصرف عنه من كان [٢] معه من جند أبيه، إلى أبيه. وأكرم فراسياب سياوخش، وزوّجه ابنة له، وهي أمّ كيخسرو، ولم يزل على إكرامه [٣]، إلى أن ظهر له من أدب سياوخش وإربه [٤] وكماله، ونجدته ما أشفق منه، وضرّب [٥] بينهما أخ كان [٣٥] لفراسياب وابنان له حذرا على ملكهم. وله خبر طويل في ذلك، إلى أن قتل وامرأة سياوخش- وهي ابنة فراسياب- حامل منه، بابنه كيخسرو. فطلبوا له الحيلة، لاسقاطها ما [٦] في بطنها، فلم تسقط.
ثم إن فيران الذي توسّط الصلح بين سياوخش وبين فراسياب، أنكر ما جرى من فعل فراسياب، وحذّره عاقبة الغدر والطلب بالثأر، وأشار عليه أن يدفع ابنته إليه، يعنى: زوجة سياوخش، لتكون عنده إلى أن تضع، ثم إن أراد قتله قتله [٧] .
ففعل فراسياب ذلك. فلما وضعت، امتنع فيران من قتل الولد، وستر أمره حتى بلغ المولود، وهو كيخسرو.
ويحكى: أن كيقابوس بعث بيب [٨] بن جوذرز إلى بلاد الترك، وأمره بالبحث عن أمر المولود الذي لسياوخش، والتأتّى لإخراجه مع أمّه. ففعل بيب ذلك، وبقي زمانا طويلا يبحث عن أمره، إلى أن وقف على خبره. فاحتال [٣٦] فيه وفي أمّه، حتى أخرجهما من أرض الترك. فاستقبلهما رستم الشديد في جند عظيم من أولى البأس والنجدة، وطلب الترك أثر كيخسرو، فجرت بينهم وبين رستم حروب ظفر فيها رستم.
_________________
(١) . بالفارسية: پيران.
(٢) . «كان سياوخش»: سقطت من مط.
(٣) . مط: الكرامة.
(٤) . الإرب: الدّهاء والفطنة.
(٥) . ضرّب بين القوم: سعى، أغرى بعضهم ببعض.
(٦) . في الأصل: وما.
(٧) . قتله: سقطت من مط.
(٨) . الطبري: بىّ بن جوذرز. حمزة: ويو بن جوذرز. بالفهلوية.ViviGutarzan:شا: گيو. (Giv)
[ ١ / ٧٤ ]
فللفرس هاهنا خرافات، وتزعم أنّ الشياطين كانت مسخّرة لكيقابوس. وقوم يزعمون أنّ سليمان بن داود﵉- أمرهم بذلك، في خرافات كثيرة ظاهرة الإحالة، من الصعود إلى السماء، وبناء مدينة كنكرز [١] بأسوار ذهب وفضّة وحديد ونحاس، وأنّها بين السماء والأرض، وأشباه ذلك مما لا فائدة في ذكره.
إلّا أنّ جملة أمره، أنّه تجبّر لما تمّ له أكثر ما كان يقصده. وسار من خراسان حتى نزل بابل، وترك ما كان يسوسه بنفسه، ويباشره برأيه. وأوحش الناس بالحجّاب والتعظّم، وآثر الخلوة. فكان من عاقبة ذلك أن فسد عليه ملكه، وكثرت الملوك في النواحي، حتى كان يغزوهم بعد ذلك ويغزونه، [٣٧] فيظفر مرّة وينكب أخرى، إلى أن غزا بلاد اليمن والملك يومئذ بها ذو الأذعار بن أبرهة بن ذى المنار بن الرايش. فلمّا أظلّه [٢] كيقابوس، خرج إليه ذو الأذعار في جموع حمير وولد قحطان، فظفر بكيقابوس، وأسره واستباح عسكره، وحبسه في بئر وأطبق عليها طبقا.
فخرج من سجستان رستم الشديد في من أطاعه من الناس. وأمّا الفرس فتحكى حكايات لا فائدة فيها عن شدّة رستم وبأسه، وأنّه وغل في البلاد بلاد اليمن، واستخرج كيقابوس من محبسه [٣] . وأما اليمن فتزعم أنّه لم يكن من ذلك شيء، وأنّ ذا الأذعار لمّا بلغه إقبال رستم، خرج إليه في جنود عظيمة، وخندق
_________________
(١) . مط: كندر. الطبري: كيكدر، قيقدور (٢: ٦٠٢) . الثعالبي. كنك دز. التصحيفات والمترادفات كما وردت في الأصول هي: كنكرز، كنگ دز، گنگ دز، گنگ دژ، گنگ ديز، گندز، بهشت گنگ، گنگبهشت، گنگ دژهوخت (هخت، هوخ)، دژهوخت: مدينة في الجبال الحدودية الشرقية لإيران القديمة (المصادر الفهلوية)، أو: في ما وراء بحر فراخكرت (بندهش)، أو: في أرض الترك (شا)، أو: هي قهندز بخارا (تاريخ بخارا)، أو: مدينة في ما وراء بحر «فوروكش»، أو: هي بيت المقدس (فهرست شا) . أو اسم لقلعة بناها الضحّاك في بابل (بق) . انظر أيضا: حب، لد، كيا: ١٢٣.
(٢) . أظلّ فلانا: دنا منه، وأقبل عليه.
(٣) . مط: من جبسه.
[ ١ / ٧٥ ]
كل واحد منهما على نفسه وعسكره، وأنّهما أشفقا من البوار على جنديهما، وتخوّفا- إن تزاحما- أن لا يكون لهما بقيّة. فاصطلحا على دفع كيقابوس إلى رستم ووضع [٣٨] الحرب. فانصرف رستم بكيقابوس إلى بابل، فكتب له كيقابوس كتابا بالعتق، وأقطعه [١] سجستان وزابلستان. وكانت [٢] الكتب يومئذ والرسائل يسيرة نزرة الكلام، لا يذكر فيها الأسباب والعلل. ونسخة الكتاب:
«من كيقابوس بن كيقباذ، إلى رستم.
إنّى قد أعتقتك من العبودة، وملّكتك على بلاد سجستان. فلا تقرّنّ لأحد بعبودة. واملك سجستان كما أمرتك، واجلس على سرير من فضّة مموّهة بالذهب. والبس قلنسوة منسوجة بالذهب متوّجة [٣]» .
ومما يدلّ على صدق ما حكيناه من أمر كيقابوس، قول الحسن بن هاني:
وقاظ [٤] قابوس في سلاسلنا سنين سبعا وفت [٥] لحاسبها