واختلفوا لا سيّما في القرون الإسلامية الأخيرة في أنّه: من هو الملقّب بمسكويه؟ هو، أى أحمد، أو أبوه محمّد، أو جدّه يعقوب؟
والواقع أنّ مسكويه لقبه هو، أى لقب أحمد، وأمّا الاختلاف الموجود بهذا الصدد، فيرجع أولا، إلى عدم الانتباه إلى التسمية التي سمّاه بها معاصروه من أصدقائه وزملائه، وثانيا، لأنّ بعض المتأخرين رأوا مسكويه يسمّى نفسه بشكل لا يمكن معه البتّ، لو لم نستدلّ بما دعاه به معاصروه. فإنّنا نراه قد يسمّى نفسه «الأستاذ أبو على أحمد بن محمد مسكويه» (أنظر التجارب، المخطوطة المصورة ١٨٢ بن ٦، ٤٨٠ بن ٥ والمطبوعة من نشرتنا، ج ٥: ١٧٠، ج ٦:
٤١٠، جاويدان خرد [الحكمة الخالدة]: ٣٧٥)، كما قد يسمّى «أحمد بن محمد بن يعقوب
[ ١ / ١٣ ]
مسكويه» (أيضا جاويدان خرد ص ٥، ورسالته إلى أبى حيّان في ماهيّة العدل، ص ١٢) .
فوقوع «مسكويه» تارة بعد اسمه أحمد، وتارة بعد اسم أبيه محمد، وتارة بعد اسم جدّه يعقوب، كان سبب الخطأ الذي شاع في ما بعد، في ضبط اسم مسكويه، فأوهم بعض الكتّاب أنّ مسكويه لقب لأبيه، أو جدّه، فكتبوه: «أحمد بن مسكويه»، أو: «أحمد بن محمد بن مسكويه» أو بشكل أغرب: «أحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه»، بمعنى أنّ «مسكويه» أصبح لقبا لأبى جدّه (أنظر الخوانساري، الروضات ١: ٢٥٤، والطهراني، الذريعة ٣: ٣٧٤) .
والحقيقة أنّه عند ما يقال: «أحمد مسكويه» أو «أحمد بن محمد مسكويه»، أو «أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه»، فالقصد أن يجيء اللقب بعد أحمد أى بعد اسمه، فإذا ذكر الاسم وحده فاللقب يتلوه مباشرة. ولكن إذا ذكر الاسم مخصّصا بذكر اسم الأب، فيجيء اللقب بعد ذكر الأب، وإذا كان هناك تخصيص آخر بذكر اسم الجدّ فيأتى اللقب بعد ذكر اسم الجدّ، وهكذا. لأنّ مسكويه ذاته لم يذكر اسمه متلوّا باسم أبيه، أو جدّه دائما، بل نراه أحيانا يذكر لقبه بعد كنيته (أبى على) فقط، ونراه يفعل ذلك بتكرار مشهود يبدّد كلّ الشكوك بهذا الصدد.
ففي شوامله على هوامل أبى حيّان التي يبلغ عددها ١٧٥ مسألة، نراه يذكر اسمه في مستهلّ كل جواب بقوله: «قال أبو على مسكويه» اللهم إلّا في الإجابة الأولى، حيث يذكر اسمه متلوّا باسم أبيه فيقول: «قال أبو على أحمد بن محمد مسكويه»، أى لمرّة واحدة فقط، وذلك لتخصيص اسمه باسم أبيه كما أشرنا إلى ذلك. فأحمد نفسه هو الملقّب بمسكويه، وهو ليس ابنا لمسكويه، أو سبطا له.
وأمّا المعاصرون لمسكويه (٣٢٠- ٤٢١ هـ.) الذين سمّوه في كتبهم «مسكويه» فهم: أبو سليمان المنطقي (٣١٠- ٣٩١ هـ.) في صوان الحكمة: ص ٣٢١، وأبو حيّان التوحيدي (٣٢٠- ٤١٤ هـ.) في الإمتاع: ١: ٣٥، ١٣٦، ٣: ٢٢٧، وفي الصداقة والصديق: ٦٧- ٦٨، وفي مثالب الوزيرين: ١٨- ١٩، وأبو منصور الثعالبي (٣٥٠- ٤٢٩ هـ.) في تتمّة اليتيمة ١:
٩٦، وأبو بكر الخوارزمي ( - ٣٨٢ هـ.) في رسائله: ١٠٢. وأمّا بديع الزمان الهمذاني ( - ٣٨٩ هـ.) فنقل ضبطه ياقوت في معجم الأدباء حيث قال: «وللبديع الهمذاني إلى أبى على مسكويه» على أنّ هناك طبعة غير محقّقة من رسائل البديع (ص ١٠٠، ٣٢٣) ورد فيها اسم
[ ١ / ١٤ ]
مسكويه بصورة خاطئة هكذا: «أبو على بن مشكويه» فلو كان ضبط البديع كمصدر لياقوت مخالفا لضبط ياقوت، أو ضبط أبى حيّان، أو ضبط ابن مندة، من الذين ذكرهم ياقوت في معجمه، لكان ياقوت ذكر هذا الاختلاف.
وأمّا القدماء من غير معاصري مسكويه الذين سمّوه «مسكويه» فهم: الروذراورى (٤٣٧- ٤٨٨ هـ.) في مقدمته على الذيل، وابن أبى أصيبعة (٥٧٩- ٦١٦ هـ.) في عيون الأنباء (الطبعات الثلاث: ص ٢٤٥، ص ٢٣٦، ص ٣٣١)، وياقوت في معجم الأدباء (نشرة مرجوليوث ج ٥: ص ٥، ٦، ١٠، ١١)، والصفدي (٦٩٦- ٧٦٤ هـ) نقل كلام ياقوت بتمامه (أنظر مرجوليوث في نشرته لياقوت ٥: ٥ الحاشية) . وقد صرّح ياقوت بأنّ مسكويه لقب لأحمد حيث ذكره في عنوان كلامه بقوله: «أحمد بن محمد بن يعقوب الملقّب مسكويه» (برفع «الملقّب») . والحقّ مع مرجوليوث حيث ضبط «الملقّب» بالرفع نعتا لأحمد لا ليعقوب، وذلك لأنّ مرجوليوث شاهد بوضوح أنّ ياقوت نفسه يكرّر ذكر مسكويه في خمسة مواضع (ناقلا عن معاصريه) بلفظ مسكويه، فلم يتردّد في ضبط «الملقّب» بالرفع إذا كان الضبط منه وليس من مخطوطة معجم الأدباء، ونحن نعتبر ابن مندة أيضا من الذين ذكروا مسكويه «مسكويه» حيث نرى ياقوت ينقل عنه بنفس الضبط. ومن هؤلاء القدماء القفطي (٥٦٤- ٦٤٦ هـ) في تاريخ الحكماء (ص ٣٣١) ونصير الدين الطوسي (٥٩٧- ٦٧٢ هـ.) في أخلاق ناصري (باللغة الفارسية ص ٣٥، ٣٦)، وحاجي خليفة (المتوفى ١٠٦٧ هـ.) في كشف الظنون، والسخاوي (القرن التاسع) في التوبيخ (ص ٣٩) .
وأمّا في الموسوعات ودوائر المعارف، فهو مسكويه أيضا في: دائرة المعارف الإسلامية (الطبعة الجديدة ١٩٧١ م.، الإنجليزية والفرنسية) انسحابا من الموقف في الطبعة القديمة، ففي تلك الطبعة ورد «ابن مسكويه» كما في الطبعة العربية والطبعة الفارسية (دانشنامه ايران وإسلام)، وهو مسكويه أيضا عند دهخدا في لغتنامه، وكذلك في دائرة المعارف للبستانى، كما صرّح العاملي في الأعيان بقوله: «مسكويه لقب أحمد نفسه كما صرّح به جماعة» أمّا الدراسات المستقلّة التي نشرت عن مسكويه، فهو في كلّها مسكويه كما رأيت من عناوينها التي سبق أن ذكرناها.
[ ١ / ١٥ ]
ومن بين المستشرقين فإنّ مرجوليوث أيضا صرّح بقوله: «إنّ مسكويه لقب له بالذات لا لأبيه وهذا يظهر بجلاء كثير من كلام معاصريه » (أنظر (Ecl.،Preface،ii وكذلك برجشتر أيسر الذي أورد مواضع جاء فيها «مسكويه» بدون «ابن» (أنظر P.٦٧٤:بن ٦٥ بن، (ZDMG كما أخبرنا الدكتور عزت عن مخطوطات رسائل مسكويه (مجموعة راغب باشا) جاء فيها ضبط «مسكويه» بالصورة الصحيحة.
أمّا ما ورد في مخطوطة كتاب تاريخ الحكماء للبيهقي (أنظر عزت: ١٤٦) أو في مخطوطة نزهة الأرواح للشهرزورى حيث جاء «ابن مسكويه» فهو اقتضاب محرّف خاطئ من صوان الحكمة لأبى سليمان، ونحن عرفنا ضبط أبى سليمان سواء في ما نقله عنه ياقوت، أو في الصوان نفسه في نشرة بدوي (ص ٣٢١، ٣٤٦) . فهاتان المخطوطتان لا يمكن الاعتماد عليهما، ولعلّ أخطاء المتأخرين في ضبط اسم مسكويه إنّما نشأ عنهما.
وأمّا ما جاء في مخطوطة ابن خلكان (٦٠٨- ٦٨١ هـ) الذي كتبه بخطّ يده (المتحف البريطانى، الإضافات، رقم ٢٥٧٣٥، ورقة ١٠ ب) والذي اعتمد عليه بروكلمن،GAL) الملحق ١: ٥٨٢ رقم ١) وقال «من المحتمل أن يكون مسكويه- وأصله مشكويه- لقب جدّه» كما فعل آمد روز (NoteontheHist.P.XVI) فمردود ما دام مسكويه ومعاصروه الكبار يشهدون بخلافه.
فبذلك كلّه، وفي نهاية المطاف، فهو: مسكويه، أى هو أبو على أحمد مسكويه (ابن محمد بن يعقوب) أى اللقب له، لا لأبيه، ولا لجدّه.