صرّح مسكويه بأنّه لمّا قرأ أخبار الأمم، وسير الملوك، وأخبار البلدان، وكتب التواريخ (أنظر مقدّمة المصنّف) وجد فيها ما تستفاد منه تجربة، وهذا دليل واضح على تعدّد مصادره، في كتابة التاريخ. بيد أنّه اعتمد اعتمادا كلّيا على الطبري (٢٢٤- ٣١٠ هـ.)، كما اعتمد على المصادر الأخرى التي تتنوّع وتختلف، حسب الفترات التاريخيّة التي أرّخها في تصنيفه، وحسب مصادر كانت في متناوله، بحيث لا يمكن عدّها وحصرها إلّا بعدّ المصرّح منها في الكتاب، وحصر غير المصرّح منها بإرجاع نقول مسكويه المختلفة إلى أصولها وأصحابها، وهذا يتطلّب دراسة مستقلة قد تأخذ وقتا طويلا. فمصادر مسكويه حسب هذه العجالة هي:
[ ١ / ٣٠ ]
١. تاريخ الطبري: عوّل مسكويه، أوّلا وقبل كلّ شيء، على الطبري. وذلك بحذف كثير من موادّ الطبري، من مكرّره وما لم يدخل في إطار منهج مسكويه في كتابة تاريخه.
فمسكويه يوازى الطبري ابتداء من العصر الفيشداذى وذكر أوشهنج بالذات، أو ممّا بعد الطوفان حسب تصريحه، إلى سنة ٢٩٥ هـ، مع العلم بأنّ الطبري استمرّ في تاريخه حتى سنة ٣٠٢ هـ. ومسكويه ليس المؤرّخ الوحيد الذي ينهل من مناهل الطبري ويعوّل عليه في تصنيفه. فمن هو الذي لم يعوّل على الطبري؟ فها هو ابن الأثير يصرّح في مقدمته (ص ٣) قائلا: «فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبري، إذ هو المعوّل عند العامّة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه. فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أخلّ بترجمة واحدة منها، وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذات عدد، فقصدت أتمّ الروايات، وأضفت إليها من غيرها ما ليس منها فلمّا فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة [منها تجارب الأمم] فطالعتها، وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه» هذه هي الحالة عند جلّ المؤرخين منهم ابن خلدون أيضا (العبر ٤: ١١٤٠) . إنّهم وجدوا تاريخ الطبري ينبوعا ثرّا يتدفّق منه ذلك الحجم الهائل من المواد التاريخيّة، والروايات المختلفة الكثيرة التي أوردها فيه، دون نقد، أو تعليق، واعيا عامدا ما يفعله، كما صرّح به في مقدمته. ولكن المؤرّخين صاغوا ما أخذوه عن الطبري في قوالب ارتضوها لتصانيفهم، كلّ على شاكلته. ومن هؤلاء مسكويه، الذي أخذ بدوره عن الطبري أخذ نقد واختيار وتمحيص وحذف وإضافة من مصادر أخرى، وفقا لأغراضه التي تحدّث عنها في مقدمة تجارب الأمم.
والجدير بالذكر أنّ هناك مناسبة خاصّة بين مسكويه والطبري يمتاز بها مسكويه من بين سائر المؤرّخين، حيث يعتبر مسكويه تلميذا غير مباشر للطبري في استماع تاريخه عن صاحبه، وقراءة كتابه عليه، والحصول على الإجازة منه. قال مسكويه بهذا الصدد (تجارب الأمم ٦: ٢٢٤): «وفيها [أى في سنة ٣٥٠ هـ.] مات أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، ﵀، ومنه سمعت كتاب التاريخ لأبى جعفر الطبري، وكان صاحب أبى جعفر، قد سمع منه
[ ١ / ٣١ ]
شيئا كثيرا، ولكنّى ما سمعت منه عن أبى جعفر غير هذا الكتاب، بعضه قراءة عليه، وبعضه إجازة لى، وكان ينزل في شارع عبد الصمد، ولى معه اجتماع كثير.» ٢. نفائس المكتبات: لم يكتف مسكويه بالطبرى، حتى بالنسبة إلى القسم الذي قلنا إنّه عوّل فيه عليه تعويلا كليّا (العصر الفيشداذى إلى سنة ٢٩٥)، بل أورد في تاريخه نصوصا إيرانيّة عديمة النظير لا نجدها لا عند الطبري ولا عند غيره من كبار المؤرخين من أمثال المسعودي وابن الأثير ومن إليهما، ونخصّ بالذكر عهد أردشير الذي يعتبر من أقدم النصوص الإيرانية المدوّنة التي وصلت إلينا، وكذلك السيرة الذاتيّة لأنوشروان، وخطبته المشحونة، اللتين نقلهما مسكويه عن كتاب كتبه أنوشروان نفسه في سيرته.
من أين أتى مسكويه بهذه النصوص وغيرها ممّا تفرّد بنقلها بين المؤرّخين؟ إنّه كان خازنا لمكتبات البويهيين من أمثال ابن العميد، وابنه أبى الفتح، وعضد الدولة. لقد دامت صحبته أو خزانته سبع سنين لابن العميد فقط (تجارب الأمم ٦: ٣١٥)، وكان لفهرس مكتبة ابن العميد ١٠٥٦ ورقة (٤٤ كراسة لكلّ منها ٢٤ ورقة- متز ١: ٢٩٧) ولم يثبت في هذا الفهرس إلّا أسماء الكتب، وقد اجتمعت في تلك المكتبة كلّ أنواع العلوم والحكم والآداب، تحمل على مائة وقر وزيادة (تجارب الأمم ٦: ٢٦٢) . وعن مكتبة عضد الدولة حكى لنا المقدسي (الذي كان يختلف إليها، فلا جرم أنّه زار مسكويه أيضا) حيث قال عند وصفه لدار عضد الدولة بشيراز وغرفها وعجائبها:
« وخزانة الكتب، عليها وكيل وخازن ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنّف إلى وقته من أنواع العلوم كلّها إلّا وحصّله فيها، وهي أزج طويل، في صفّة كبيرة، فيه خزائن من كلّ وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوتا طولها قامة في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوّق، عليها أبواب تنحدر من فوق، والدفاتر منضّدة على الرفوف، لكلّ نوع بيوت وفهرستات، فيها أسامى الكتب لا يدخلها إلّا وجيه » (المقدسي: ٤٤٩) .
فلا شكّ أنّ مسكويه استفاد من هذه المكتبات كثيرا من علمه والمواد التاريخيّة التي أوردها في كتابه ممّا لا يوجد عند سائر المؤرّخين سواء ما أضافه في تاريخ ما قبل الإسلام
[ ١ / ٣٢ ]
مستمدّا من مصادر إيرانية قديمة موجودة في تلك الخزانات، أو ما أضافه إلى تاريخ ما بعد الإسلام آخذا عن مصادر إسلامية كانت فيها.
٣. ثابت بن سنان: هناك فترة تاريخيّة تبدأ من سنة ٢٩٥ إلى سنة ٣٤٠ هـ يعتمد مسكويه فيها على مصادر مستقلّة عن الطبري، منها: تاريخ ثابت بن سنان (المتوفى سنة ٣٦٣ هـ) ابن ثابت بن قرّة الصابي الحرّانى (٢٢١- ٢٢٨ هـ) خال أبى إسحق هلال بن محسن الصابي.
كتب ثابت بن سنان تاريخه ابتداء من خلافة المقتدر (من سنة مائتين ونيّف- القفطي) إلى سنة ٣٦٠ هـ. فكتب أبو إسحق هلال بن محسّن تتمة لتاريخ ثابت بن سنان وصلت إلى سنة ٤٤٧ (كلود كاهن، دانشنامه ايران وإسلام) . ومن دلائل كونه مصدرا لمسكويه ما جاء في التجارب ٥: ٣١٣ حيث قال: «.. وحكى ثابت بن سنان في كتابه أنّ » فهذا تصريح من مسكويه أنّه أخذ في تاريخ هذه الفترة عن ثابت بن سنان أيضا.
٤. أبو إسحاق الصابي، إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون (هارون): قال الروذراورى في ذيل تجارب الأمم (ص ٣٣):
«وعمل أبو إسحق الكتاب الذي سمّاه: التاجى في الدولة الديلميّة وهو كتاب إذا عمل منه جزءا حمله إلى عضد الدّولة حتى يقرأه ويصلحه، ويزيد فيه وينقص منه. فلمّا كان تكامل ما أراده حرّر وحمل إلى خزانته. وهو كتاب بديع الترصيف حسن التصنيف، فإنّ أبا إسحاق كان من فرسان البلاغة، الذين لا تكبو مراكبهم ولا تنبو مضاربهم، ووجدنا آخره موافقا لآخر كتاب تجارب الأمم، حتى إنّ بعض الألفاظ تتشابه في خاتمتهما، وانتهى القولان في التاريخ بهما إلى أمد واحد، والكتاب موجود يغنى تأمّله عن الإخبار عنه.» وللكتاب وصاحبه أبى إسحاق الصابي، وسبب تأليفه إيّاه بأمر من عضد الدولة البويهي حكاية طريفة تجدها عند الروذراورى في ذيل تجارب الأمم (ص ٣٠- ٣٣) .
هذا، وقد التبس الأمر علينا في الطبعة الأولى بين إبراهيم الصابي كاتب التاجى وبين حفيده هلال الصابي (٣٨٤- ٣٥٩) الذي ذيّل على تاريخ ثابت بن سنان (٢٨٨- ٢٢١)
[ ١ / ٣٣ ]
حيث أوردنا (ص ٣٤) على الروذراورى صاحب الذيل فيما قاله بشأن الشبه بين آخر كتاب التاجى وبين آخر تجارب الأمم، الأمر الذي كان في نيّتنا، وذلك بعد صدور الطبعة الأولى ووقوفنا على هذا الالتباس، أن نشير إليه في استدراكاتنا التي رجّحنا أن نثبتها في مجلد الفهارس، أى المجلد الثامن لتجارب الأمم من طبعتنا، غير متوقّعين أنّه سيعاد طبع هذا التصدير قبل أن يطبع مجلد الفهارس. وهنا نشكر زميلنا الدكتور ع. منزوى الذي نبّه بدوره على ذلك في مقدمته الممتعة (ص ٢١) التي وضعها لترجمته للجزئين الأخيرين من الكتاب اللذين نشرهما مع الذيل آمد روز (القاهرة ١٦- ١٩١٤) .
٥. مسكويه مصدرا: مهما يكن من أمر الفترة السابقة، أى التي تنتهي إلى سنة ٣٤٠ هـ، فإنّ مسكويه بشهوده وعيانه تارة، وبسماعه من الأصدقاء والزملاء الساسة المشايخ تارة أخرى، يعتبر مصدرا حيّا لكتابة تاريخه. لقد صرّح مسكويه بذلك في بداية ذكر الحوادث لتلك السنة حيث قال:
«أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة (٣٤٠ هـ) فهو مشاهدة وعيان، أو خبر محصّل، يجرى عندي خبره مجرى ما عاينته، وذلك أنّ مثل الأستاذ الرئيس أبى الفضل محمد بن الحسين بن العميدرضي الله عنه- خبرني عن هذه الواقعة وغيرها بما دبّره، وما اتفق له فيها، فلم يكن إخباره لى دون مشاهدتى في الثقة به، والسكون إلى صدقه، ومثل أبى محمد المهلّبى﵀- خبّرنى بأكثر ما جرى في أيّامه، وذلك بطول الصحبة وكثرة المجالسة، وحدّثنى كثير من المشايخ في عصرهما بما يستفاد منه تجربة، وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره منه وما شاهدته وجرّبته بنفسي، فسأحكيه أيضا بمشيئة الله.» وهكذا يصل تاريخه إلى سنة ٣٦٩ هـ. مع أنّه عاش حتى سنة ٤٢١ هـ. أى لمدة نصف قرن، تاركا كتابة تاريخ تلك المدّة. وبالرغم من ذلك، فإنّ تجارب الأمم عرف كمصدر أساس لا يستغنى عنه لدراسة القرن الرابع الهجري والعصر البويهي الذي يعتبر ألمع العصور الإسلامية علما وحضارة
.
[ ١ / ٣٤ ]