وقد كان فيلفوس أبو الإسكندر، صالح دارا، على خراج يحمله إليه في كلّ سنة. فلمّا هلك الأب، وملك الإسكندر، وطمع في دارا، منعه الخراج الذي كان يحمله أبوه إليه. فأسخط دارا، فكتب إليه يؤنّبه بسوء صنيعه في تركه حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج، وأنه إنما دعاه إلى حبس ذلك، الصبى والجهل، وبعث إليه بصولجان وكرة وبقفيز [٢] من السمسم: يعلمه بذلك أنه إنّما ينبغي أن يلعب مع الصبيان بالصولجان [٣]، ولا يتقلّد الملك، ولا يتلبّس به، ويعلمه أنه إن لم يقتصر على ما أمره به، وتعاطى الملك، بعث إليه من يأتيه به في وثاق، [٦٥] وأن عدّة جنوده الذين يبعث بهم، كعدّة حبّ السمسم الذي بعث به إليه.
فكتب الإسكندر في جواب ذلك، أن قد فهم ما كتب به، ونظر إلى ما أرسله
_________________
(١) . بالفهلوية Roshanak:بالأفستائية.Raoxshana:ابنة دارا وزوجة الإسكندر (يو، حب) . ابنة دارا هي Stativa وأما روشنك (باليونانية (LRoxano فهي ابنة شريف من شرفاء سغد، تزوجت من الإسكندر (إيب: ١٧٣٦، ١٨٨٣) .
(٢) . القفيز: مكيال كان يكال به قديما ويختلف مقداره في البلاد (مو) .
(٣) . الصولجان: معرّب چوگان، بالفهلوية) Chopakan:حب) .
[ ١ / ٩٥ ]
من الصولجان والكرة، وتيمّن به، لإلقاء الملقى الكرة إلى الصولجان واجتراره [١] إيّاها، وأنّه شبّه الأرض بالكرة، وتفأل بملكه إياها، واحتوائه عليها، وأنه يجترّ ملك دارا إلى ملكه، وبلاده إلى حيّزه من الأرض، وأن نظره إلى السمسم الذي بعث به، كنظره إلى الصولجان والكرة، لدسمه وبعده من المرارة والحرافة. وبعث إلى دارا مع كتابه بصرّة من «خردل»، وأعلمه في ذلك الجواب: أنّ ما بعث به إليه قليل، غير أنّ ذلك مثل الذي بعث به في القوّة، والحرافة، والمرارة، وأنّ جنوده فيما وصف به منه.
فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر، جمع إليه جنده [٢]، وتأهّب لمحاربة الإسكندر، وتأهّب له الإسكندر، وسار نحو [٦٦] بلاد دارا. فلمّا التقيا، وجرى ما جرى من أمر القائدين اللذين تقرّبا إلى الإسكندر وطلبا الحظوة عنده والوسيلة، وكان نادى الإسكندر ألّا يقتل دارا، وأن يؤسر أسرا، فلمّا أعلم الإسكندر بما جرى، سار [٣] حتى وقف عنده، فرآه يجود [٤] بنفسه. فنزل الإسكندر عن دابته، حتى جلس عند رأسه، وأخبره أنه ما همّ بقتله، وأن الذي أصابه لم يكن عن رأيه.
وقال له: «سلني ما بدا لك [٥] فإنى أسعفك به.» فقال له دارا: «لى حاجتان: إحداهما أن تنتقم لى من الرجلين اللذين فتكا بى- وسمّاهما- والأخرى أن تتزوج ابنتى: روشنك.» فأجابه إلى الحاجتين، وأمر بصلب الرجلين اللذين انتهكا من ملكهما ما انتهكا، وتزوّج روشنك وملك الأرض كلها.
ويقال: إن الرجلين اللذين قتلا دارا، إنّما فعلا ذلك بأمر الإسكندر، وكان شرط
_________________
(١) . مط: واحتياز.
(٢) . جنده: سقطت من مط.
(٣) . سار: سقطت من مط.
(٤) . مط: بحول.
(٥) . مط: ما بذلك.
[ ١ / ٩٦ ]
لهما شرطا. فلما طعناه، دفع إليهما حكمهما، ووفى لهما بشرطهما، [٦٧] ثم قال:
- «قد وفيت لكما بالشرط، ولم تكونا شرطتما أنفسكما، وأنا قاتلكما، فإنّه ليس ينبغي [١] لقتلة الملوك أن يستبقوا، إلّا بذمّة لا تخفر [٢]»، فقتلهما وصلبهما.
ويقال: إنّ الإسكندر في الأيام التي نازل فيها دارا كان يصير إليه بنفسه على أنه رسول. فيتوسط العسكر، ويعرف كثيرا مما يحتاج إليه. فكان إذا وصله [٣] دارا، أعجب به واستحسن سمته [٤] ومجاراته. إلى أن اتهمه وأحسّ الإسكندر، فهرب.