لم يرد في المصادر القديمة التي وصلت إلينا حتى اليوم، ذكر بالتفصيل عن حياة مسكويه يجيب على الكثير من الأسئلة المطروحة أمام دارسيه. وكلّ ما لدينا هو نصوص مبعثرة في هذا المصدر أو ذاك، تناقلها أصحاب التراجم ومؤرّخو الحكمة، وهي نزر قليل للغاية. ومن حسن الحظّ أن نرى حكيما من كبار الحكماء المعاصرين لمسكويه، ممّن يعرف مسكويه عن كثب ويقدّر القيم التي تنطوى عليها شخصيّته، نراه ولم يقنعه ما كتبه عن مسكويه في كتابه والذي ليس إلّا بقدر ما كتبه حول الحكماء الآخرين بالاختصار والتلخيص، بل يعدنا فيه أنّه سيخصّص رسالة بمسكويه يعالج فيها مزيدا من تفاصيل حياته. وهذا الحكيم هو أبو سليمان المنطقي السجستانىّ الذي يعدّ بدوره من أعظم الحكماء في تلك الحقبة. ثم نرى- وهذا من سوء الحظّ- أنّ ما وعده أبو سليمان لم يصل إلينا، سواء كان لم يوفّق في إنجاز ما وعد، أو لأنّه أنجزه، ولكنّ صروف الدهر هي التي حرمتنا هذه الوثيقة القيّمة التي كان من شأنها أن تغنينا ممّا هو مبعثر هنا وهناك، وليس إلّا تردادا لقليل من الكثير اللازم في التعرّف على حياة مسكويه. أمّا ما وعده أبو سليمان، فهو ما قاله في كتابه صوان الحكمة:
« أمّا ما سمعته من مجاري حياته، وشاهدته من سيره الحسنة، وأخلاقه الطاهرة، فسأفرد فيه رسالة أقصرها على ذلك، إذ ليس يحتمل هذا الموضع
[ ١ / ٧ ]
أكثر ممّا ذكرته.» وكان ظهور هذا الوعد الفريد في الصوان، ومصيره المجهول بعد ذلك، بالنسبة للمعنيّين بدراسة مسكويه «غمامة أبرقت- كما قال القائل- قوما عطاشا، فلمّا رأوها، أقشعت وتجلّت» ولم تمطر ما يشفى غليلهم.
وأمّا تصنيفه تجارب الأمم، الذي ضمّنه في الجزأين الأخيرين منه حوادث عصره، ومن خلالها بعض حوادث حياته، فهذا المصدر أيضا، يتوقّف عند سنة ٣٦٩ هـ، وهذا يعنى أنّ مسكويه عاش بعد ذلك حوالى نصف قرن، تاركا كتابة الحوادث المتبقّية من عصره، الحوادث التي كان من شأنها أن تلقى مزيدا من الضوء على النصف الثاني من حياته أيضا، وذلك من خلال اتّصاله الوثيق بالشخصيّات الدخيلة في تلك الحوادث، حيث كان مسكويه من وجوه أوساطهم.
ومهما يكن من أمر المصادر، فإننا لا نعمد هنا الخوض في تفاصيل حياة مسكويه، بل نكتفي بإيراد أهمّ المصادر التي فيها ترجمة أو ذكر لمسكويه، نثبتها في أربع فئات:
أ. آثاره كسيرة ذاتيّة:
إنّ مسكويه قد يتحدّث في مطاوى آثاره عن نفسه، بأحاديث لها دلالات مهمّة في معرفة أحواله وبعض نواحي حياته، وأخصّ بالذّكر كتابه: تهذيب الأخلاق، وكتابه الآخر:
الهوامل والشوامل، والجزءين الخامس والسادس من تجارب الأمم.
ب. المصادر المعاصرة لمسكويه (٣٢٠- ٤٢١ هـ):
١. أبو حيّان التوحيدي (٣٢٠- ٤١٤ هـ) في الإمتاع، والمقابسات، ومثالب الوزيرين، والصداقة والصديق.
٢. أبو سليمان المنطقي (العقد الأوّل من القرن الرابع- ٣٩١ هـ.) في كتابه صوان الحكمة.
٣. أبو منصور الثعالبي (٣٥٠- ٤٢٩ هـ.) في تتمّة اليتيمة. وأمّا ما ذكره عن مسكويه في اليتيمة نفسها فلا يتجاوز نقل بيتين من شعر مسكويه قالهما في ابن العميد.
[ ١ / ٨ ]
٤. أبو بكر الخوارزمي (المتوفّى سنة ٣٨٢ هـ.) في رسائله.
٥. بديع الزمان الهمذاني ( - ٣٨٩ هـ.) أيضا في رسائله.
ج. المصادر المتأخّرة عن عصر مسكويه:
١. البيهقي (المتوفى سنة ٥٧٥ هـ.) في مخطوط كتابه تاريخ حكماء الإسلام، عند كلامه عن الفيلسوف ابن الطيّب وتطاول ابن سينا على علماء عصره. وهو مخطوط يتشابه كما قال عزّت (ص ١٤٦) في هذا الموضوع وغيره مع كتاب آخر مطبوع هو تتمة صوان الحكمة، بل هما كتاب واحد بعنوانين مختلفين، نشر عزت في كتابه (ص ١٤٦) النصّ الخاصّ بمسكويه، كما نشر الكتاب بكامله في دمشق سنة ١٩٤٣.
٢. ابن أبى أصيبعة (٥٧٩- ٦١٦ هـ.) في عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء.
٣. ياقوت (المتوفى سنة ٦٢٩ هـ.) في معجم الأدباء أو إرشاد الأريب.
٤. القفطي (٥٦٤- ٦٥٦ هـ.) في إخبار العلماء بأخبار الحكماء.
٥. الشهرزوري (عاش شطرى القرنين السادس والسابع) في مخطوطة نزهة الأرواح وروضة الأفراح. وتجد النص منشورا في عزّت (ص ١٤٤) . وكلام الشهرزوري في هذا النصّ اقتضاب محرّف من كلام أبى سليمان المنطقي في نشرة بدوي (ص ٣٤٦) . والعجيب من أمره أنّك تجد في نصّ الشهرزوري هذه العبارة: «إلى وقتنا هذا» دون إشارة إلى أنّ الكلام لأبى سليمان وأنّ الوقت وقته ووقت مسكويه.
٦. الصفدي (٦٩٦- ٧٦٤ هـ.) في الوافي بالوفيات. ترجم له في هذا الكتاب بترجمة وافقت ترجمته في معجم ياقوت.
٧. حاجي خليفة (١٠١٧- ١٠٦٧ هـ.) في كشف الظنون.
٨. عبد الله أفندى التبريزي الاصفهانى (من أعلام القرن الثاني عشر) في رياض العلماء.
٩. الخوانساري (١٢٢٤- ١٣١٣ هـ.) في الروضات.
١٠. السيد حسن الصدر (١٢٧٢- ١٣٥٤ هـ.) في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، وفي الشيعة وفنون الإسلام.
[ ١ / ٩ ]
١١. محمد على مدرس (١٢٩٦- ١٣٧٣ هـ.) في ريحانة الأدب.
١٢. الطهراني (١٢٩٣- ١٣٨٩ هـ.) في الذريعة، وذلك عند ذكره لآثار مسكويه.
د. الدراسات الحديثة:
أمّا الدراسات الحديثة التي قام بها الباحثون في الشرق والغرب، فبالإضافة إلى ما نشر منها في دوائر المعارف، أو في تواريخ الفلسفة الإسلامية، أو في الفهارس، أو في المجلات العلميّة، أو في معاجم الأعلام، أو في مقدمة النشرات لآثار مسكويه، وغيرها، فإنّ هناك دراسات أخرى مسهبة مستقلة، أنجزت أيضا، حول مسكويه ونقد آثاره وتقييم أعماله العلمية. وهي حسب تاريخ النشر: الدكتور عزيز عزّت: «ابن» مسكويه وفلسفته الأخلاقيّة ومصادرها (القاهرة ١٩٤٦ م)، والدكتور عبد الرحمن بدوي: مقدمته المسهبة على نشرته لجاويدان خرد (الحكمة الخالدة القاهرة ١٩٥٢ م، طهران ١٣٥٨ هـ. ش.)، والدكتور عبد الحق أنصارى: فلسفة مسكويه الأخلاقية (بالإنجليزية عليكره ١٩٦٤ م:M.S.Khan، (مسكويه، حياته وآثاره، بالإنجليزية. أخبرنا بذلك في نشرته لرسالة مسكويه في ماهيّة العدل (ليدن ١٩٦٤ م: ص ١ حاشية ١) ولكنّنا لم نجد أىّ إشارة إلى هذا الكتاب فى الدراسات التي أنجزت بعد ذلك، والدكتور م. أركون: (M.Arkoun) الإنسيّة العربيّة في القرن الرابع الهجري، مسكويه الفيلسوف والمؤرّخ (باللغة الفرنسيّة، باريس ١٩٧٠ م، وباللغة العربيّة: نزعة الأنسنة في الفكر العربي، جيل مسكويه والتوحيدي، بيروت، دار الساقي ١٩٩٧ م.)، وأخيرا فإنّ لنا أيضا دراسة شاملة عن مسكويه باللغة الفارسية حاولنا من خلالها سدّ الفراغ المشهود هنا في ايران، مع العلم بأنّه رازىّ، أى إيرانىّ. هذا علاوة على هذا التصدير الذي بين يدي القارئ، والذي نقل بتمامه وعن طبعته الأولى، في مستدركات أعيان الشيعة في مادّة «أحمد مسكويه»، ومقدّمتنا لترجمتنا الفارسيّة لهذا الكتاب، وما كتبناه في مادّة «أبو على مسكويه» في «دايرة المعارف بزرگ إسلامي» (دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى) المعاد نشره في «ذكرى ألفيّة أبى على مسكويه» التي أقيمت في مدينة قم في هذا العام.
[ ١ / ١٠ ]