فاستقبل الأمر بجدّ وسياسة وحزم. وكان جيّد الرأى، كثير النظر، صائب التدبير، طويل الفكر ثم الاستشارة. فجدّد سيرة أردشير، ونظر في عهده [٢]، وأخذ
_________________
(١) . تكملة يقتضيها السياق. وفي الطبري: أن إذا أوقدت.
(٢) . أنظر العهد في ص ١٢٢- ١٤٤.
[ ١ / ١٧٩ ]
نفسه به، وأدّب به رعيته وبطانته، وبحث عن سياسات الأمم، واستصلح لنفسه منها ما رضيه، ونظر في تدابير [١] أسلافه المستحسنة [١٧٧] فاقتدى بها.
وكان أوّل ما بدأ به أن أبطل ملّة زرداشت الثاني الذي كان من أهل فسّا، وكان ممّن دعا إليها مزدك بن فامارد [٢]، وكان ممّا آمن به الناس- لما زيّنه لهم وحثّهم عليه- التآسى في أموالهم وأهاليهم. وذكر أنّ ذلك من البرّ الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وأنّه لو لم يكن الذي أمرهم به من الدين، لكان مكرمة في الفعال ورضى في التفاوض. فحضّ السفلة بذلك على الأشراف واختلط أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهّل سبيل الظلمة إلى الظلم، والعهّار [٣] إلى قضاء نهمتهم وإلى الوصول إلى الكرائم. فشمل الناس بلاء عظيم.
فلما أبطل الملك أنوشروان ملّة هذين، وقتل عليه بشرا كثيرا، وسفك من الدماء ما لا يحصى كثرة ممن لا ينتهى، وقتل قوما من المانوية وثبت ملة المجوسية القديمة، كتب [٤] في ذلك كتبا بليغة إلى أصحاب الولايات والاصبهبذين، وقوّى الملك بعد ضعفه بإدامة النظر، وهجر الملاذ وترك اللهو إلّا في أوقات، [١٧٨] حتى نظّم أموره وقوّى جنوده بالأسلحة والكراع، وعمر البلاد، وحفظ الأموال، وفرّق منها ما لا يسع حفظه من الأرزاق والصلات
_________________
(١) . في الأصل ومط: تدبير. فأثبتناها «تدابير» لظهور كون «المستحسنة» صفة ل «تدابير» لا ل «الأسلاف» .
(٢) . كذا في مط: مزدك بن فامارد. بالفهلوية.LMazdak:في الطبري: مزدق بن بامذاد (٢: ٨٩٣) . في البيروني: مژدك بن همدادان من أهل نسا (الآثار: ٢٠٩) . وقيل: هو من إصطخر فارس، ونسا بن Nesa من نواحي شيراز، تغير اسمها إلى بيضاء، لقلعة بيضاء كانت فيها على حد قول الاصطخرى (فم) . وعلى ما في الطبري: كان من مدريه Madhraya أى كوت العمارة حاليا. دعا إلى دين زردشت بونده (بوندس) المسمى «دريست دين» والذي كان في إصلاح الدين المانوى. وزردشت بونده (الزرادشت الثاني- مسكويه) كان من أهل فسّا (معرّب Pasa وهي ناحية في فارس شرقى شيراز مركزها مدينة بنفس الاسم- فم) . كان ظهور زردشت بونده قبل ظهور مزدك بقرنين،LC.R.K) والطبري ٢: ٨٨٥، ٨٩٣) .
(٣) . أى سبيل العهّار.
(٤) . في الأصل ومط: «وكتب» فحذفنا الواو.
[ ١ / ١٨٠ ]
الموضوعة مواضعها، وسدّ الثغور، وردّ كثيرا من الأطراف التي غلب عليها الأمم بعلل وأسباب شتّى، منها: السّند، والرّخج [١]، وزابلستان، وطخارستان [٢]، ودروستان [٣] وغيرها. وقتل أمّة يقال لها: البافرز [٤] واستبقى منهم من فرّقهم واستعبدهم واستعان بهم في حروبه. وأسرت له أمّة يقال لهم: صول، وقدم بهم عليه، فقتلهم واستبقى ثمانين رجلا من كماتهم، وعمل أعمالا عظيمة منها: بنيانه الحصون والآطام [٥] والمعاقل لأهل بلاده، يكون حرزا لهم يلجأون إليها من عدوّ إن دهمهم.