حدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: كان محمد بن جعفر العبرتائي من عمال أبي الحسن بن الفرات وخواصه، وكان يعامل أخي أبا الحسن علي بن عيسى فيما ضمنه من طساسيج طريق الجارية في الخاصة، فاستوفى عليه استيفاءً تشدد فيه، واجتهد في إصلاح نيته وقبول مبرته بكل ما يجتهد مثله مع مثله، وأخي يمتنع ويقول: يا هذا الرجل إنما بيننا أمر هذا الضمان فإن وفيت به وخرجت منه فأنت أجل الناس عندي وأقربهم مني، وإن أقمت على أمرك في المغاورة والمدافعة فأنت أبعدهم من قلبي وأشقاهم بي. فحضر عنده في بعض الأيام وكان يوم ثلاثاء، وأخي خال من العمل؛ وجرى ذكر البلدان وما خص به كل واحد منها من الطرف والألوان، فقيل: لمصر دهن البلسان وللبصرة النخل والبساتين، ولسكسكر زكاء الأرض جودة الغلات
[ ٣٤٤ ]
وللكوفة القسوب وللأهواز القند، ولتستر الديباج والفاكهة، ولجند يسابور الدستنبو ولنهاوند الكمثرى والزعفران، ولقطربل الشراب. وذكر محمد ابن جعفر كلواذي ووصف أُترجها وتجاوزه في القد والكبر ما في السوس منه، فقال أخي على مجاز القول: أحب أن أراه. وتقوض المجلس. فلما كان وقت المغرب حضر باب أخي رسول لمحمد بن جعفر. قال عبد الرحمن فحدثني ماهر الخدام وكان عاقلًا محصلًا قال: جاءني البواب فقال: بالباب من يطلبك. فخرجت فإذا صاحب العبرتائي قد حضر، ومعه قماطر ما رأيت أدق ولا أحسن منها، وفيها أترج قد أنفذه، ومعه رقعة إلى مولاي، ورقعة إلي يسألني إيصال القماطر ووضعها بين يدي مولاي، وإذا معه خمسون دينارًا لي على التوصل إلى القبول. فدعوت بالغلمان وأشالوها إلى حضرته، وأوصلت رقعته فقرأها وقال: إفتح. ففتحنا بعض القماطر، وأخرجنا منها أترجًا مثل المساور اللطيفة لم ير مثلها حسنًا ونبلًا وكبرًا. فقال بعض الخدم: فيها شيء أثقل من شيء. فقال: تأمولها. فتأملناها، وإذا فيها عشر أترجات مقورة مخيطة، فسللنا الخيوط وإذا في كل أترجة ديباج فيه ألف دينار. والجميع عشرة آلاف دينار، فتقدم بردها كما كانت، ودعا بالرسول وأمر بتسليمها إليه بحضرته، فتسلمها وقال له: قل له: لم يذهب علي ما أردته بهذا الفعل، وأنت عارف بمذهبي وستعرف خبرك. قال ماهر: فبادرت مع الرسول حتى خرج ورددت عليه الخمسين دينار. فقال: أنت قد فعلت ما يجب عليك فلم ترد
[ ٣٤٥ ]
الدنانير وهي يسيرة في جنب استحقاقات. فقلت: ما أجسر على قبول شيء مع ما جرى. وبكر أخي إلى الديوان، وابتدأ بالنظر في أمور الأعمال التي في ضمان محمد ابن جعفر، وأخرج إليه ما ألزمه فيه عند المناظرة نحو خمسين ألف دينار.
وحدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: حدثني أبو الحسن بن ظفر الكرخي بمصر قال: كنت أكتب لأبي علي الحسين بن أحمد المادرائي. ووافى أبو الحسن علي بن عيسى من مكة في أيام وزارة أبي القاسم عبد الله بن محمد ابن خاقان للإشراف على مصر والشام، فدخل إلى مصر وتحته حمار وعليه طيلسان. وكان المتولي للمعونة تسكين، فتلقاه وترجل له، وعظمت هيبته في النفوس جدًا. وجلس ونظر. ثم ركب في بعض الأيام متفرجًا وعاد، فحين دخل من باب الدهليز ونحن مجتمعون في داره لإنتظاره صاح: اللصوص. ففزعنا كلنا خوفًا من أن يكون قد وقف لنا على خيانة. فلما استقر في مجلسه قال: يا معشر الناس اجتزت الساعة على جسر قارون وهو بزند من البزندات، وتسمى البزندات بمصر جسورًا فقدرت النفقة عليه عشرة دنانير ووجدت العمال يحتسبون عنه على السلطان ستين ألف دينار كل سنة. وكرر ذلك وأكثر التعجب منه والقول فيه، وكان أبو علي حاضرًا، فلم يجبه عن كلامه، فقال: الشأن أنني أقول ما أقوله فلا تجيبني عنه يا أبا علي! فنهض وانصرف. واغتاظ أبو الحسن علي ابن عيسى من ذلك، وأطبق دواته وقال: لعن الله أمر السلطان إذا انتهي إلى هذا الحد. وقام ودخل، وانصرف الناس، ومضيت إلى أبي علي قلقًا بما شاهدته وسمعته، ووجدته قد أنفذ خادمًا إلى علي بن عيسى يستأذنه في حضوره عنده على خلوة. فأذن له، ومضى وأطال، فجلست أنتظره. فلما عاد سألته عما جرى
[ ٣٤٦ ]
فقال: دخلت إليه وقلت له: لم أترك جوابك سوء أدب عليك، ولا استهانةً بقولك، وإنما كرهت أن أعترف بحضرة الناس فأُلزم نفسي ما لا يلزمها، أو أجيبك بما حضرت الآن لذكره فيكون ما عليك فيه أكثر مما علي فيه، فامتنعت إكرامًا لك وصيانة. ثم قلت: كم جاري؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار في الشهر. فقلت: يمكنني وأنا عامل مصر أن أكون بغير كتاب ولا عمال ولا كراع ولا جمال ولا إعطاء ولا إفضال؟. قال: لا. قلت: أفلا تعلم أن لي حرمًا وأولادًا وأقارب وأهلًا أحتاج لهم إلى مؤونة؟. قال: بلى. قلت: فأخلو من أن يرد علي زوار بكتبك وكتب أمثالك من الرؤساء فتقتضي المروءة أن أبرهم وأصلهم؟. قال: بلى لعمري. قلت: فهذا الجبار الذي أجاوره وفائق خادمه له ثمانون مرقدًا وهو متسلط على الأمر كله يمكنني أن أقيمه على الطاعة وأمنعه إدخال اليد في الضياع إلا بمؤونة أتكلفها له وأولاده وخدمه وكتابه حتى يستقيم ما بيني وبينه؟. قال: هذا ما لا بد منه. قلت: فالخليفة والسيدة والخالة والقهرمانة ومؤنس ونصر الحاجب وكتابهم وأسبابهم يجوز أن لا أهاديهم في كل سنة؟.. قال: هذا رسم لا يمكن الإخلال به. قلت: فالوزراء إذا تقلد الواحد منهم هل يدخل داره شيء قبل ما يحمله خليفتي إليه؟ وإذا نكب فهل يؤدي من مال مصادرته شيئًا قبل ما يستدعيه مني؟ وهذا أنت أيدك الله وأنت أعف الوزراء ومن لا يعرف له نظير ألم أحمل إليك في وقت كذا وكذا وفي وقت كذا وكذا؟ وأُجر على عيالك في مدة كذا وكذا؟! فقال: أنا والله شاكر لذاك. فقلت: ما ذكرت هذا اعتدادًا عليك، وإنما ذكرته لتعلم أنه يلزمني لغيرك مثله وأكثر منه. وهذا حق بيت المال في ضياعك بمصر والشام وهو بضعة عشر ألف دينار في السنة أديت منها درهمًا واحدًا؟. فقال: ما أدري، فقلت: هذا مال عظيم ولست أبرح أو أعلم أنه
[ ٣٤٧ ]
قد حصل لك، أو كان أصحابك خانوك فيه حتى أرتجعه منهم للسلطان؟ فأعاد الشكر. فقلت يا سيدي فمصادرتي في كل وقت تزيد على ألف ألف دينار هل من الثلاثة الآلاف الدينار الجاري تكون؟. فقال: دع هذا يا أبا علي فإن كبار الرجال يغضي لهم السلطان عن كثير الأموال. وما سمعناه بعد ذلك أعاد في شيء من أمور أعمالنا قولًا.
وحدث أبو محمد الصلحي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: قال لي أبو القاسم الخاقاني في وزارته: أشرت على المقتدر بالله بتقليد أبي الحسن علي ابن عيسى الإشراف على مصر والشام، فرأيته متكرهًا لذاك ثم قال: افعل ما ترى. فأقبلت أصفه بالموالاة والثقة لأعرف ما عنده في أمره على حقيقة، فقال: هو كما تصف ولكن أحفظني عليه أن سمته تقلد وزارتي في أيام حامد ابن العباس فامتنع، وثقل علي امتناعه، وشاورته فيمن يراه لهذا الأمر فقال: أبو عمر محمد بن يوسف القاضي. فعلمت أنه غشني ولم ينصح لي. فقلت: وما لمحمد ابن يوسف يا أمير المؤمنين؟ فقال: لعمري إنه عالم ثقة إلا أنني لو فعلت ذاك لافتضحت عند ملوك الإسلام والكفر، لأنني كنت بين أمرين إما أن تتصور مملكتي بأنها خالية من كاتب يصلح للوزارة فيصغر الأمر في نفوسهم، أو أنني عدلت عن الوزراء إلى أصحاب الطيالس، فأُنسب إلى سوء الاختيار.
وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: حدثنا أبو طاهر المحسن ابن محمد بن الحسن الجوهري المعروف بالمقنعي أحد الشهود قال: حدثني أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى أنه كان يرتفع لأبيه من ضياعه في كل سنة عند الاعتزال والعطلة بعد ما يتصرف في النفقة ثلاثون ألف دينار. ويرتفع من ضياع
[ ٣٤٨ ]
أبي الحسن علي بن محمد ابن الفرات إذا قبضت عنه ألف ألف دينار، وإذا وزر وردت عليه أُضعفت.
قال القاضي: واتفق أن حضر هذا الحديث منه أبو الحسن أحمد بن يوسف ابن الأزرق الأنباري فقال: حدثني جماعة من أصحاب أبي الحسن علي بن عيسى أن جميع ما كان يرتفع له في السنة نيف وثمانون ألف دينار يخرج منها في أبواب البر وسبل الخير وتفقد الطالبيين والعباسيين والأنصار وأولاد المهاجرين ومصالح الحرمين نيف وأربعون ألف دينار، ويبقى الباقي لنفقاته. وأنه كان يسمع الكتاب يقولون في ضياع أبي الحسن بن الفرات: إنها ترتفع في وزارته بألف ألف دينار وعند القبض عليه ودخول يد العمال فيها بثمانمائة ألف دينار وأقل وأكثر.
وحكى أبو الحسن ثابت بن سنان قال: قال لي أبو الحسن علي بن عيسى يومًا، وهو متعطل في أيام الراضي بالله في عرض حديث كان يجارينيه بعد إقرائي العمل الذي عمله في سنة ست وثلاثمائة لارتفاع الدنيا ونفقاتها: قال لي ابن الفرات يومًا وقد أُخرجت إليه من دار السلطان بعد صرفه إياي: أبطلت الرسوم وهدمت الارتفاع. فقلت: أي رسم أبطلت وارتفاع هدمت، قال: المكس بمكة فقلت له: قد أزلت هذه وأشياء كثيرة، منها ومنها وعددت الأبواب التي رفعتها وكان مال ذلك في السنة خمسمائة ألف دينار فلم أستكثرها مع ما حططته عن أمير المؤمنين من الأوزار بها، وغسلته من الأدران عن دولته فيها. ولكن انظر ما حططت وأبطلت إلى ارتفاعي وارتفاعك ونفقاتي ونفقاتك.
[ ٣٤٩ ]
قلت: فبأي شيء أجاب. قال: خرج الخادم ففرق بيننا قبل أن يجيب.
وحدث أبو عمر أحمد بن محمد بن الحسين البصري قال: لما توفي القاضي أبو الحسن بن أبي عمر ركب أبو الحسن علي بن عيسى إلى أبي نصر وأبي محمد ابنيه يعزيهما به. فلما نهض منصرفًا قال: مصيبة وجب أجرها خير من نعمةً لا يؤدى شكرها.
وحدث أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق الأنباري قال: كان أبو عيسى أخو أبي صخرة جارًا لنا ببغداد، وكان عظيم الحال، كثير المال، كامل الجاه، معدودًا في شيوخ الكتاب، وقد تقلد كبار الأعمال، وخلف إسماعيل ابن بلبل على الوزارة فلما وزر أبو علي محمد بن عبيد الله الخاقاني قلده ديوان السواد، ثم صرف أبو علي وورد أبو الحسن علي بن عيسى من مكة وزيرًا. فلم يره أهلًا لهذا الديوان لنقصان صناعته، وكان يغض منه إذا حضر في مجلسه، ولا يوفيه ما يقتضيه عمله، وإذا أراد عملًا أو خراجًا أو حسابًا استدعاه من كتابه وواقفهم وخاطبهم عليه بمشهد منه فلا يترك له هذا الفعل جاهًا. ثم إن عرض عمل يعلم أن كتابة أبي عيسى لا تنهض به وقوله لا يعبر عن غرضه فيه خاطبه عليه على رؤوس الأشهاد ليتبين له نقصه وعجزه، فطال ذلك على أبي عيسى وزاد احتماله له فجلس عنده يومًا إلى أن تقوض مجلسه ولم يبق فيه غيره وغير إبراهيم بن عيسى أخي أبي الحسن، فقال له أبو الحسن ألك حاجة؟ قال: نعم، إذا خلا مجلس الوزير ذكرتها.
فأُخبرت عن إبراهيم أنه قال: فلما سمعت قوله نهضت وانصرفت وعدت من غد إلى مجلس أخي فوجدت أبا عيسى متصدرًا فيه بأمر ونهي وتبسط وعمل، وخطاب الوزير معه دون الكتاب، وقد انتقل من الثرى إلى الثريا، فدعتني نفسي
[ ٣٥٠ ]
إلى مسألة الوزير عن أمره حتى إذا خلا قال: تقول يا بني شيئًا؟. قلت: أسأل عن فضول. قال: إن كان فضولًا فلا تسل عنه. قلت: لا بد. قال: فقل. قلت: خلا بك أبو عيسى أمس لما لم أعرفه. ثم رأيتك اليوم مقبلًا عليه ومعاملًا له بضد ما كنت تعامله به، فما سبب ذلك؟ قال: نعم، إنه خاطبني خطابًا عظم في نفسي به، وعلمت صدقه فيه فرجعت له. قال: وقد خلا بي، أنا أيد الله الوزير رجل من شيوخ الكتاب، أعرف قدر صناعتي في الكتابة، وإنني في جملة المتأخرين عن الغاية، وما يخفى علي سوء رأي الوزير في واعتماده الغض مني، وطلب فضيحتي بالرجوع إلى الكتاب في أمور ديواني وقصدي بمعضلات الأمور إبانةً لعجزي وقصوري. ويجب أن يعلم أيده الله أن باطن حالي ومالي أوفر من ظاهرها على كثرته ووفوره، وما أتصرف طلبًا لفائدة، ولا حاجةً إلى مكسب، وإنما أريد قيام الجاه ونفوذ الأمر، وقد عشت طول ما مضى من عمري مستورًا في أمري مقدمًا عند السلطان على كثير من نظرائي، وخلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة، وتقلدت كبار الأعمال واحدًا بعد آخر، وسلمت على الوزراء وسلموا علي، وقد نمكن في النفوس من موضعي ومنزلتي ما لا يخرج منها، ولا يمكن أحدًا إزالته عنها. وأنا بين أمور مما لحقتني الغضاضة به، إما أن توصلت إلى إزالته بما يثقل على الوزير فيزداد سوء رأيه؛ أو استعفيت ولزمت منزلي فلم أكن خاملًا؛ وجعلت نفسي حينئذ بحيث أختاره من الكون في أولياء الوزير أو أعدائه، أو عاد إلى الأولى به ووفاني حقوق ما قلدنيه. فقلت له: ليس ترى بعد ذلك يا أبا عيسى شيئًا تنكره، وسأرجع في معاملتك إلى أفضل ما تؤثره. وبكر إلي ليمتحن وعدي ويختبر ما عندي، فكان ما رأيت.
وحدث القاضي أبو علي التنوخي عن أبيه وأبي الحسين بن عياش قالا: كان
[ ٣٥١ ]
أبو الحسن علي بن عيسى يجعل في كل باب من ورائه مستورةً ويسبل عليها سترًا طويلًا يغطيها، فإذا جلس في أُخريات النهار مجلسًا حافلًا ألصق بها ظهره من وراء الستر لئلا يشاهد مستندًا، تمسكًا بالوقار. وقيل: إنه ما رئي قط متبذلًا في مجلسه، ولا متخففًا في ملبسه، ولا فارق الدراعة إلا والقميص من دونها، والمبطنة من دونه ولا الخف في أكثر أوقاته إلا إذا أوى إلى فراشه أو قعد مع حرمه. وقد فعل أبو الحسن علي ابن عيسى مع أبي علي بن مقلة مشبهًا بما فعله مع أبي عيسى أخي أبي صخرة، وذلك أنه بلغه عمل المقتدر بالله على صرفه بأبي علي وكان متقلدًا له إذ ذاك على عدة دواوين فاستدعاه وطالبه بأعمال يعملها له، فوعده بها. وحضر مجلسه بعد أيام فاعتمد الغض منه بأن قال له على ملاء من الناس: كنت التمست منك أعمالًا فأخرتها، فإن كنت عاجزًا عنها وغير ناهض بها فاصدق عن نفسك. فقال أبو علي: قد أحضرتها وها هي. ووضعها بين يديه وأخذ يقرؤها ويواقفه على غلط بعد غلط فيها، ويقبل على مشايخ الكتاب فيعجبهم من ضعف صناعته وقلة بصيرته، وحتى قال له في بعض القول: هذه حياكة لا كتابة. وضرب على عمل، بعد عمل ورسم في تضاعيفه ما يجب أن يبنى عليه نظمه وترتيبه، والكتاب الحاضرون يثنون عليه بحسن الكفاية، ويغمزون على أبي علي بضعف المعرفة. ثم رمى بها إليه وقال له: قم فاعملها على هذا المثال وحررها وجئني بها، فقام يجر رجليه. فلما ولى قال أبو الحسن: إن أمرًا عجز عنه ابن الفرات ونحن فيه مرتبكون، ويدعي هذا القيام به لأمر عجيب، فما مضى على هذا المجلس أربعة أو خمسة أيام حتى قبض على أبي الحسن علي بن عيسى
[ ٣٥٢ ]
وسلم إلى أبي علي بن مقلة. فأراد الغض من علي بن عيسى بأمر يظهره وشيء يقدح فيه به، فلم يستطع ذلك، ولا قدر على أكثر من تلقيه بالقبيح، ومعاملته بالمكروه الفظيع. فحدث أبو أحمد الفضل ابن عبد الرحمن بن جعفر قال: كنت بحضرة أبي علي بن مقلة في وزارته، وقد دخل إليه علي بن عيسى، فجلس بين يديه. وكان أبو عبد الله الموسوي العلوي وأبو علي الحسن بن هارون حاضرين، فقال أبو علي بن مقلة للحسن بن هارون: اكتب رقعةً عن أبي عبد الله يشكو فيها إخلال ضيعته وقصور مراده منها وفائدته. ومثل له إيجاب مظلمة وإطلاق معونة. فكتبها الحسن وعرضها فوقع على ظهرها بإخراج الحال، وأنفذ التوقيع إلى الكاتب. فأخرج ما صدق فيه دعوى أبي عبد الله، ووقع أبو علي تحت ذلك بأن يطلق له عشرون كرًا حنطة وعشرون كرًا شعيرًا معونةً، ويحتسب له بكذا منسوبًا إلى المظلمة. فاستحسن الحاضرون فعله وما تكرم به على رجل علوي، وأخذ أبو الحسن علي بن عيسى يشكره. فقال له مجيبًا. فلم لم تفعل مثل هذا يا أبا الحسن في وزارتك؟ فنهض أبو الحسن وقال: أستودع الله الوزير. وانصرف. وقيل: إن أبا عمر دخل إلى أبي الحسن علي بن عيسى يومًا وعليه قميص دبيقي شقيري مرتفع الثمن جدًا، فأراد أبو الحسن أن يخجله فقال له: بكم اشتريت أيها القاضي شقة هذا القميص؟ قال: بمائة دينار. فقال أبو الحسن: ولكنه اشتريت لي شقة هذه الدراعة والقميص الذي تحتها بعشرين دينارًا. فقال له أبو عمر
[ ٣٥٣ ]
مسرعًا: الوزير أعزه الله يجمل الثياب فلا يحتاج إلى المبالغة فيها، ويخدمه الخواص الذين يعلمون أنه يدع الكثير عن قدرة، ونحن نتجمل بالثياب ونغالي فيها، ونلاقي العوام الذين يساسون بما يروق عيونهم من جلالتها، وتقام الهيبة بما يكبر في صدورهم من فخامتها. فكأنما ألقم أبا الحسن حجرًا فما، أعاد عليه قولًا ولا رد جوابًا.
وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الرحمن ابن قريعة قال: حدثني مكرم بن بكر بن عمر أبو يحيى بن مكرم القاضي قال: كنت أختص بأبي الحسن علي بن عيسى وربما شاورني في أموره. فدخلت له يومًا فرأيته، مهمومًا فقدرت أنه بلغه عن المقتدر بالله ما يشغل قلبه فاقتضى تقسمه فقلت: أرى الوزير؟ أيده الله مفكرًا، فهل حدث شيء؟ وأومأت إلى جهة الخليفة. فقال: ليس ما أنا مغموم به من ذلك الجنس، بل لما هو أعظم في نفسي منه. فقلت: إن جاز أن يعرفنيه الوزير فليفعل، فلعله يجد عندي فيه رأيًا أو قولًا. قال: نعم. كتب إلي عاملنا بالثغر بأن أسارى المسلمين كانوا في بلد الروم على حال رفاهة وصيانة إلى أن ولى ملك الروم آنفًا حدثان منهم، فعسفا وعاقباهم وأجاعاهم وأعرياهم، وطالباهم بالتنصر، وأنهم في بلاء وجهد، وهذا أمر لا حيلة فيه، ولا مقدرة على دفع ما أظل هؤلاء المساكين، ولو ساعدني الخليفة على إنفاق الأموال وتجهيز الجيوش إلى هؤلاء الكفار لفعلت في ذلك غاية ما أوجبه الله علينا من بذل الوسع والإمكان. فقلت: عندي أيها الوزير رأي في هذا الأمر ربما نفع وكان أسهل مما تحسب وتقدر. قال: قل يا مبارك. قلت: بأنطاكيه عظيم للنصارى يدعى البطرك
[ ٣٥٤ ]
وببيت المقدس آخر يقال له الجاثليق، وأمرهما ينفذ على ملك الروم، لأن أمورهم لا تتم إلا بهما، والطاعة لا تلزم جمهور رعيتهم إلا بقولهما، وربما حرما الواحد منهم فيحرم عندهم. والرجلان في ذمتنا وتحت سلطاننا، فيأمر الوزير بمكاتبة عاملي البلدين بإحضارهما وإعلامهما ما يجري على الأسارى في بلد الروم وأنه مما لم تجر به عادة، ومتى لم يزل ذلك عنهم وتستأنف حسن المعاملة معهم طولبا بجريرة ما يفعل هناك، وسلك في معاملة النصارى مثل ذلك، وننظر ما يكون الجواب. فاستدعي في الحال كاتبًا وأملى عليه كتابًا في هذا المعنى وكيدةً، وأنفذها وقال لي: سريت عني قليلًا، وخففت عن قلبي شغلًا. فلما كان بعد شهرين وأيام وقد أُنسيت الحديث جاءني فرانق من بابه يستدعيني. فركبت وأنا متشوق إلى معرفة ما يريدني له، فدخلت وهو مسرور، ووجهه مسفر، فحين رآني قال لي: أحسن الله جزاءك عن نفسك ودينك وعني. فقلت: ما الخبر؟ قال: كان رأيك في أمر الأسارى ببلد الروم أصوب رأي وأصحه، وهذا رسول العامل وأومأ إلى رجل بحضرته قد ورد لذكر ما جرى في بابهم. وقال له علي بن عيسى: عرفنا الصورة. فقال الرجل: أنفذني العامل مع رسول البطرك والقاثليق الذي أنفذاه إلى قسطنطينية، وكتبا على يده إلى ملكي الروم: بأنكما قد فعلتما بأسارى المسلمين عند كما ما هو محرم عليكما ومخالف لوصية المسيح ﵇ في أمثالهم، وأمره فيمن جرى مجراهم. فإما زلتما عن هذه
[ ٣٥٥ ]
الطريقة وعدلتما عنها إلى ما تقتضيه السنة المأثورة وأحسنتما إلى من في أيديكما، وتركتماهم على أديانهم، ولم تكرهاهم على خلاف آرائهم، وإلا لعنا كما وتبرأنا منكما وحرمناكما. فلما وصلنا إلى القسطنطينية أوصل رسول البطرك والقاثليق إلى الملكين وحجبت وخلوا به ووقفا على ما ورد معه، وتركانا أيامًا ثم أحضراني إليهما، فسلمت عليهما وقال لي ترجمانهما: الملكان يقولان: الذي أُدي إلى ملك العرب من فعلنا بأسارى المسلمين كذب وشناعة، وقد أذنا في دخولك دار البلاط لتشاهدهم وتسمع شكرهم وتعلم استحالة ما ذكر لكم في أمرهم. وحملت إلى دار البلاط فرأيتهم كأنهم خارجون من القبور، وقائمون إلى النشور، ووجوههم دالة على ما كانوا فيه من الضر والعذاب، إلا أنهم في حال صيانة مستأنفة، ورفاهة مستجدة، وتأملت ثيابهم فكانت جددًا كلها، فتبينت أنني أخرت ذلك التأخير حتى غير أمرهم وجدد زيهم، وقالوا لي: نحن شاكرون للملكين فعل الله لهما وصنع مع إيمائهم إلي بأن حالهم كانت على ما تأدى إلينا، وإنما خفف عنهم وأحسن إليهم بعد حصولي هناك. وقالوا لي في عرض قولهم: كيف عرفت صورتنا؟ ومن تنبه على مراعاتنا حتى أنفذك من أجلنا؟ فقلت: ولي الوزارة الوزير أبو الحسن علي ابن عيسى وبلغه خبركم، فأنفذ وفعل كذا وكذا. فضجوا بالدعاء له، وسمعت امرأة منهم تقول: قر يا علي بن عيسى، لا نسي الله لك هذا الفعل. قال أبو يحيى بن مكرم: فلما سمع الوزير ذلك بكى بكاء شديدًا، ثم سجد لله تعالى شاكرًا وحامدًا، وبر الرسول وصرفه. وقلت لعلي بن عيسى: أسمعك
أيها الوزير تتبرم بالوزارة في خلواتك، وترغب في الانصراف عنها تحرجًا من آثامها، فلو كنت معتزلًا لها ومتخليًا منها هل كنت تقدر على مثل هذه الحال الجامعة لجمال الدنيا وثواب الآخرة وطيب السمعة وحسن العاقبة؟ أيها الوزير تتبرم بالوزارة في خلواتك، وترغب في الانصراف عنها تحرجًا من آثامها، فلو كنت معتزلًا
[ ٣٥٦ ]
لها ومتخليًا منها هل كنت تقدر على مثل هذه الحال الجامعة لجمال الدنيا وثواب الآخرة وطيب السمعة وحسن العاقبة؟ وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني الفضل بن أحمد الحياني قال: قال لي أبو بكر الشافعي صاحب أبي الحسن علي بن عيسى: كان المحسن بن علي ابن محمد بن الفرات قبض علي في نكبة أبي الحسن علي بن عيسى، وصادرني وأوقع بي مكروهًا، وجعل التأول على اختلاطي بأبي الحسن وصحبتي إياه. فلما أُخرجنا من المحنة، وعاد أبو الحسن إلى الوزارة، طلبت الانتفاع بأمور أُخاطب فيها، وأُخلف بعض المصادرة منها، فتصديت لأخذ الرقاع بالحوائج، وعرضها على أبي الحسن. فاتفق أن عرضت عليه في بعض الأيام شيئًا استكثره وضجر علي به، فقلت: أيها الوزير إذا كان حظنا من أعدائك في أيام نكبتك الصفع، ومنك في أيام ولايتك المنع، فمتى ليت شعري يكون النفع؟ فضحك ووقع لي في جميع الرقاع، وما استثقل شيئًا رفعته إليه بعد ذلك.
وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو السري عمر بن محمد القارئ قال: حدثني أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى قال: قال لي أبي: عرض علي أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي في بعض أيام وزارتي رقعةً التمس فيها محالًا، وقبل يدي، وتركتها من يدي مفكرًا فيما أفعله مما أبلغ به غرضه ولا يلحقني عيب فيه. وعرض لي رأي في الركوب، فنهضت، فلما رأى ذلك قبض على يدي وقال: أنا نفي من العباس إن تركت الوزير يركب إلا بعد أن يوقع في رقعتي أو يقبل يدي كما قبلت يده. فوقعت له قائمًا بما أراد، وعجبت من سوء أدبه وشدة وقاحته.
قال القاضي أبو علي: وشاهدت أنا أبا بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز هذا
[ ٣٥٧ ]
في سنة خمسين وثلاثمائة، وقد تقلبت به الأيام وبأهل بيته، وهو بحضرة أبي محمد المهلبي، وقد كان العيارون ثاروا بمدينة السلام وأوقعوا فتنًا عظيمة، أصلها أن عربد رجل عباسي على رجل علوي في خندق طاهر وهما على نبيذ، فقتل العلوي، ونفر أهله واستغاثوا لأجله، ودخل العامة بين الفريقين، وشرفت القصة إلى ما احتيج معه إلى إقامة الديلم في الأرباع وترتيبهم في كثير من الأصقاع، وحتى أغلق العباسيون باب المسجد الجامع بالمدينة، ومنعوا من صلاة الجمعة، وزادوا في إشعال النائرة. ودبر أبو محمد الأمر بأن قبض على جماعة من وجوه العباسيين وكثير من المستورين والعيارين، وأدخل فيهم عدة قضاة وشهود وصلحاء عباسيين، وكان منهم أبو بكر بن عبد العزيز. ثم جلس لهم وأحضرهم وناظرهم، وسامهم أن يسموا له العيارين وحملة السكاكين ليقتصر على أخذهم، ويفرج عن الباقين، وأن يضمن أهل الصلاح منهم أهل الريبة، ويأخذوا على أيديهم أخذًا يحسم به مواد الفتنة. فأخذ القاضي أبو الحسن محمد بن صلح الهاشمي يقول قولًا سديدًا لطيفًا في دفع ذلك واستعطاف أبي محمد المهلبي وترقيقه، والرفق به وتسكينه، واعترض أبو بكر بن عبد العزيز الخطاب، وقال قولًا فيه بعض الجفاء والغلظة. فقال له أبو محمد: يا ماض كذا وكذا، ما تدع جهلك وتبسطك، ولا تخرج هذه الخيوط من رأسك، كأني لا أعرفك قديمًا وحديثًا أعرف حمقك وحمق أبيك وتدرعك في مجالس الوزراء وإيثارك أن تقول: قال الوزير وقلت. ولعلك تقدر أن المقتدر بالله على السرير، وأنني أحد وزرائه، ليس ذاك كذلك، السلطان اليوم الأمير معز الدولة الذي يرى سفك دمك قربة إلى الله تعالى وينزلك منزلة
[ ٣٥٨ ]
الكلب. يا غلمان برجله. فجر برجله ونحن حاضرون. فقال القاضي: فلقد رأيت قلنسوة كانت على رأسه وقد سقطت. ثم قال: طبقوا عليه زورقًا وانفوه إلى عمان. فقبلت الجماعة يده وسألته الصفح عنه، وراسله المطيع لله ﵀ عليه في أمره مراسلات ترددت إلى أن تركه وألزمه بيته. وأخذ خطوط العباسيين بجميع ما كان سامهم إياه وامتنعوا منه، وقبض من بعد على جماعة كثيرة من أحداث العباسيين وأهل العيارة والدعارة منهم ومن العامة، وجعلهم في زواريق مطبقة مسمرة، وأنفذهم إلى بيروذ وبصني، وحبسهم هناك في دور بقيتهم بعد وفاة أبي محمد المهلبي بسنين، وزالت الفتن في تلك الأيام.
وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي قال: كانت عادة أبي الحسن بن الفرات في كلامه أن يقول للإنسان: بارك الله عليك. ومن عادة أبي الحسن علي بن عيسى أن يقول: والك أو واك فكان الناس يقولون: لو لم يكن من الفرق بين الرجلين إلا حسن اللقاء وصرف ما بين القولين.
وحكي أبو محمد الصلحي قال: لما صرف الراضي بالله أبا علي عبد الرحمن ابن عيسى عن وزارته ونكبه ونكب أبا الحسن علي بن عيسى وصادر أبا الحسن على ألف ألف درهم وعبد الرحمن على ثلاثة آلاف دينار وكان ذلك طريقًا وحصل أبو الحسن معتقلًا في دار الخلافة، وخاف أبو الحسن أن يكون في نفس
[ ٣٥٩ ]
الراضي بالله عليه ما يريد معه قتله، فراسلني يقول: هذا أبو محمد وكان إذ ذاك كاتب أبي بكر بن رائق يسألني خطاب الراضي بالله عن صاحبي في نقله إلى دار وزيره إلى أن يؤدي ما قرر عليه أمره. قال: فجئت إلى الراضي بالله وقلت له: يا أمير المؤمنين، علي بن عيسى خادمك وخادم آبائك، ومن قد عرفت محله من الصناعة، وموقعه من جمال المملكة، ومن حاله وأمره كذا وكذا. فقال: هو كذلك، ولكن له عندي ذنوب. وأخذ يعدد ذنوب عبد الرحمن: فقلت له: يا مولانا، وأي درك يلزمه فيما قصر فيه أخوه؟ قال: سبحان الله، وهل دبر عبد الرحمن إلا برأيه وأمضى شيئًا أو وقفه إلا عن أمره أو أمري إياه بألا يحل ولا يعقد إلا بموافقته؟ وأقبلت أعتذر له وأجعل بإزاء كل ذنب حجة. قال: دع ذا، ما خاطبني قط إلا قال واك فهل يتلقى الخلفاء بمثل ذاك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن هذا طبع له قد ألف منه وحفظ عليه، وعيب به في أيام خدمته للمقتدر بالله رحمة الله عليه وما استطاع أن يفارقه مع شبه عليه وتعوده إياه. فقال: أعمل على أنه خلق، أما كان يمكنه أن يغيره مع ما وصفته من فضله وعقله، أو يتحفظ معي خاصة فيه مع قلة اجتماعي معه ومخاطبتي إياه؟ وما يفعل ما يفعله إلا عن تهاون وقلة مبالاة. فقبلت الأرض مرارًا بين يديه وقلت: الله الله أن يتصور مولانا ذلك فيه، وإنما هو عن سوء توفيق، والعفو من أمير المؤمنين مطلوب. ولم أزل إلى أن أمر بنقله إلى دار وزيره، ونقل وصحح ما أُخذ به خطه، وصرف إلى منزله. وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني جماعة من أهل الحضرة أن رجلًا
[ ٣٦٠ ]
عطارًا مشهورًا بالستر والصيانة ركبه دين، فقام عن دكانه ولزم منزله، وأقبل على الصلاة والدعاء عدة ليال، فبينما هو قد صلى ذات ليلة ودعا، رأى رسول الله ﷺ في منامه وهو يقول له: امض إلى علي بن عيسى الوزير، فقد أمرته بأن يدفع إليك أربعمائة دينار تصلح حالك بها. قال العطار: وكان علي ستمائة دينار دينًا، وأصبحت فقلت: قد قال النبي ﷺ: من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي فلم لا أمضي إلى الوزير وأعرف ما عنده؟ قال: فمضيت، فلما وقفت على بابه منعت الوصول وجلست إلى أن ضاق صدري، وهممت بالانصراف، فأنا على ذاك إذ خرج الشافعي صاحبه وكان يعرفني معرفةً قريبة فقمت إليه وعرفته خبري فقال: يا هذا إن الوزير يطلبك منذ السحر، وإلى الآن قد سأل عنك كل واحد، والرسل مبثوثة في التماسك، فكن بمكانك. قال: ودخل، فما كان بأسرع من أن دعي بي، فدخلت إلى الوزير أبي الحسن، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: فلان بن فلان العطار. قال: من أهل الكرخ؟ قلت: نعم، قال: أحسن الله يا هذا جزاؤك في قصدك إياي، فوالله ما تهنأت عيشًا منذ البارحة، لأن رسول الله ﷺ قال لي في منامي: أعط فلان بن فلان العطار بالكرخ أربعمائة دينار يصلح بها شأنه. فكنت اليوم منذ الغداة وإلى هذه الغاية أسأل عنك، وما عرفنيك أحد. يا غلام هات ألف دينار. فجيء به عينًا، فقال: خذ منه أربعمائة دينار امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ والستمائة الباقية هدية مني إليك. فقلت: أيها الوزير ما أحب أن أزداد شيئًا من عطاء رسول الله ﷺ، فإني أرجو البركة فيه. فبكى وقال: ما أحسن هذا اليقين؛ خذ ما بدا لك. فأخذت
[ ٣٦١ ]
أربعمائة دينار وانصرفت، وقصصت قصتي على صديق لي، ورجيته الدنانير وكلفته أن يخبر غرمائي بأمري، ويتوسط ما بنيهم وبيني. ففعل، وبذلوا له تأخيري بما لهم ثلاث سنين، فقلت: لا بل يأخذون مني الثلث وينظروني بالباقي. ففرقت عليهم مائتي دينار وفتحت دكاني وأدرته بالمائتين الباقية معي، فما حال الحول إلا وقد بلغ مالي ألف دينار، فوفيت غرمائي ما بقي لهم، وما زالت حالي تنمو ومالي يزيد ولله الحمد.
وكان الحنابلة بنوا مسجدًا، وجعلوه طريقًا إلى المشاغبة والفتنة، فتظلم إلى أبي الحسن علي بن عيسى من أمره، فوقع على ظهر القصة: أحق بناء بهدم، وتعفية رسم، بناء أُسس على غير تقوى من الله. فليلحق بقواعده إن شاء الله.
وكان أبو الحسن بن نيداد يتقلد كور الأهواز، فتربص بأُزر من ارتفاع الناحية، فوقعت فيه النار واحترق، فكتب إلى علي بن عيسى كتابًا أقام به عذره، وسجع في كتابة سجعًا زاد فيه، فوقع علي بن عيسى على ظهر الكتاب: أنت يا أبا الحسن تكتب فتجيد، والاسم الحميد خير من الكلام السديد، ضيعت علينا أرزًا حصلته، وعولت بنا على كلام ألفته، وخطاب سجعته، أوجب صرفك عما توليته، والسلام. فقال أبو الحسن بن نيداد: ما صرفني غير السجع. وكتب إليه. وصل كتاب سيدنا الوزير أطال الله بقاءه مشتملًا على وصف وصرف. فأما الوصف فهو منه أدام الله تأييده مع محله من الصناعة نهاية الفخر والسعادة. وأما الصرف عن الاعتذار، بما جرى به المقدار، فما جزاء من اعتذار من حال لأدرك عليه فيها أن يصرف عن ولاية لا جناية منه عليها، والاعتذار بلفظ الصواب، أولى من الاحتجاج بسوء الخطاب.
[ ٣٦٢ ]
فوقع علي بن عيسى عن جوابه: قد أدته البلاغة إلى الإرادة، فليكتب بإقراره على العمل، وإسعافه بالأمل، إن شاء الله. وورد الحضرة قوم من أهل ديار ربيعة يتظلمون من حيف لحقهم في معاملاتهم، فكتب على أيديهم إلى المحسن بن محمد بن عينونة العامل هناك كتابًا نسخته. بسم الله الرحمن الرحيم. في علمك أكرمك الله بما أمر الله به من العدل والإحسان، ونهى عنه من الجور والعدوان، وعاقب به الظالمين في سالف الأزمان، غني لك عن التنبيه والتوقيف، والوعظ والتخويف: وفيما رسمته لك مشافهة ومكاتبة في إنكار الظلم وإزالته، وإظهار العدل وإفاضته، كفاية وبلاغ. وقد ورد الحضرة أكرمك الله جماعة من وجوه التناء والمزارعين بديار ربيعة متظلمين مما عوملوا به في سني إحدى واثنتين وثلاث عشرة وثلاثمائة، من إكراههم على تضمن غلات بيادرهم بالحزر والتقدير وإلزامه حق الأعشار في ضياعهم على التربيع، واستخراج الخراج منهم على أوفر عبر قبل إدراك غلاتهم وثمارهم، وإكراه وجوههم وتجارهم على ابتياع الغلات السلطانية بأسعار مسرفة مجحفة. فأقلقني ما أفاضوا فيه من الشكوى، وآلمني ما انتهى إلي وصفه من عظيم البلوى، ووجدته مع قبيح ذكره وعظيم وزره عائدًا بخراب الضياع، ونقصان الارتفاع. فينبغي أكرمك الله أن تجري سائر رعيتك على المعاملات القديمة، وتحملهم على الرسوم السليمة، حتى يعودوا إلى أفضل حال عهدوها، وأجمل سيرة حمدوها، وتزيل السنن الجائرة وتبطلها، وتقطع أسبابها وتحسمها، وتكتب إلي بما يكون منك في ذلك فإنني على اهتمام به، ومراعاة له، إن شاء الله.
[ ٣٦٣ ]
وكتب إلى عبد الله بن علي الجرجرائي عامل الصلح والمبارك.
وصل كتابك أكرمك الله جوابًا عن الكتب النافذة إليك فيما تظلم منك فيه جماعة من الرعية، وواصلوه من الشكية، بما دللت عليه من بطلان أقوالهم، وشدة أطماعهم، وحكيت من وجوبه عليهم بالحجج الواضحة، والشواهد اللائحة، وفهمته. فأما ما وصفته من استعمالك الحق في قولك وفعلك، وحلك وعقدك، فانظر أي دعوى أدعيتها لنفسك، وماذا تحتج به غدًا عند ربك. واعلم أن أقبح الناس في الدنيا ذكرًا، وأعظمهم عند الله وزرًا، من وصف عدلًا وأتى جورًا، وأحسن قولًا وأساء فعلًا. وأما ما ذكرت أن هؤلاء المتظلمين أوقعوا فيه المغابنة، وابتاعوه من أراضي المزارعات مصابرة، فارتجعته منهم لتبيعه بالثمن الوافر، والنقد الحاضر، فقد عدلت في أمرهم عن طريق الحكم، ألى أشنع جهات الظلم. ولو بانت دعواك وظهرت، وقامت البينة عليها ووضحت، لما جاز أن تمنعهم عما ملكوه، ولا تحول بينهم وبين ما ابتاعوه، إلا بعد أن يختاروا فسخ البيع ويرضوه، ويؤثروه ولا يأبوه، وترد عليهم من الثمن ما وزنوه، وتدفع فيما بينك وبينهم بنظر محمد بن محمد ابن حمدون ووساطته، ولا تعدل عن قبول رأيه ومشورته. وأما ما أنفذته من العمل لبقايا سنة ثمان وثلاثمائة وما قبلها وبينت أن معظمه على الطائفة المتظلمة منك، فقد وقفت عليه، وأحوال هذه البقايا مختلف، والحكم فيها واضح منكشف، وسبيل ما كان منها على الجهابذة والبلدية، وسكان المستغلات السلطانية، أن تستخرجه في أسرع الأوقات، وتستوفيه على تصرف الحالات. وما نقاه المحملون وأصحاب المناثر
[ ٣٦٤ ]
عن نقائض قناب الحاصل، ووصفوا أن تصحيحه واجب على أرباب البيادر، فسبيلك أن تجريه مجرى أسلاف البذور التي تستنظفها، مع التوثق منها بعد شهور. وما بقي من الأسماء المجهولة ولا أشك أنه من خراج نخل وخضر في أقرحة معروفة فيجب أن تطالب مزارعي تلك الأقرحة حتى يصححوه، أو يكشفوا حاله ويوضحوه، فاعمل في ذلك بما رسمته، ولا تتجاوز ما حددته، إن شاء الله. وأما ما ذكرت أن ابن المرف الذراع أشار عليك بإيقاع المساحة عليه من حريم الأنهار، المحفوف بالنخل والأشجار، لتطالب بابتياعه، من تجده قد فاز بارتفاعه، فقد غشك هذا الذراع في مشورته، ودلك على سوء سريرته. وجميع نواحي واسط أصلحك الله من السواد المفتتح عنوة، وليس يملكه السلطان أعزه الله فيباع، لأنه فيء للمسلمين يقوم مقام الوقف على جميعهم، وإنما تبايع أهليه فيه يجري مجرى السكني لأجل ما أدوه ويؤدونه من الخراج وهو الكراء، ومن غرس في هذا الحريم نخلًا أو شجرًا، أو زرعه غلةً أو خضرًا، فقد نفع سلطانه أعزه الله وانتفع، وثمر ماله بما صنع. فاحذر أن يخطر هذا الباب ببالك، أو يجري ذكره على لسانك، وارجع عما يعزب عنك فهمه ويشكل عليك حكمه إلى الفقهاء، لتسلم من سمه المسبة، وتأمن سوء المغبة، إن شاء الله.
وحدث أبو الحسن علي بن هشام قال: أقرأني أبو عبد الله أحمد بن محمد الحليمي كتابًا بخط أبي الحسن علي بن عيسى ذكر أنه كتبه إليه في وزارته الأخيرة وهو يتقلد طساسيج طريق خراسان، يحثه فيه على حمل المال وكانت نسخته:
[ ٣٦٥ ]
قد كنت أكرمك الله عندي بعيدًا من التقصير، غنيًا عن التنبيه والتبصير راغبًا فيما خصك بالجمال، وقدمك على نظرائك من العمال، واتصلت بك ثقتي، وانصرفت نحوك عنايتي، ورددت الجميل من العمل إليك، واعتمدت في المهم عليك. ثم وضح عندي من أثرك، وصح عندي من خبرك، ما اقتضى استزادتك، وردفه ما استدعى استبطاءك ولائمتك، وأنت تعرف صورة الحال، وتطلعي مع شدة الضرورة إلى ورود المال. وكان يجب أن تبعثك العناية، على الجد في الجباية، حتى ترد حمولك، ويتوصل ما نتوقع وروده من جهتك. ونشدتك بالله لما تجنبت مذاهب الإغفال والإهمال، وقرنت الجواب على كتابي هذا بمال تميزه من سائر جهاته وتحصله، وتبادر به وتحمله، فإن العين إليه ممدودة، والساعات لوروده معدودة، والعذر في تأخره ضيق، وأنا عليك من سوء العاقبة مشفق، والسلام.
وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي يقول: لما غلب السجزية على فارس، جلا قوم من أرباب الخراج عنها لسوء المعاملة، ففض خراجهم على الباقين، وكمل بذلك قانون فارس القديم، ولم تزل هذه التكملة تستوفى على زيادة تارةً، ونقصان أُخرى. وافتتح أبو الحسن ابن الفرات فارس في وزارته الأولى سنة ثمان وتسعين ومائتين على يد وصيف كامه، ومحمد
[ ٣٦٦ ]
ابن جعفر العبرتاوي فأجرى الأمر على رسمه، وفعل مثل ذلك محمد بن عبيد الله الخاقاني وعلي بن عيسى في صدر وزارته الأولى. فلما مضى منها مديدة، ورد عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي إلى الحضرة، فتكلم علي محمد بن أحمد بن أبي البغل، وقدح فيه، وكان يتقلد فارس إذ ذاك، وخطب العمل، وبذل توفير جملة من المال، فعقد علي بن عيسى الضمان عليه، وصرف ابن أبي البغل وقلده أصبهان ثم أخر عبد الرحمن بن جعفر المال واحتج بتظلم أهل فارس من التكملة المذكورة، وامتناعهم من أدائها، فكتب علي بن عيسى إلى أبي المنذر النعمان بن عبد الله وهو يتقلد كور الأهواز بالاستخلاف على عمله، والنفوذ إلى فارس، ومطالبة عبد الرحمن بما حل عليه من المال، والنظر في أمر التكملة التي وقعت الظلامة منها، وشرح أمرها وحل ضمان عبد الرحمن، وعقد البلد على أحمد بن محمد ابن رستم، وكتب إلى ابن رستم بأن يصير من أصبهان إلى فارس، ليعقد له عليه.
فلما وصل النعمان إلى هناك وجد قطعة من التكملة على عبد الرحمن. وقد رام أن يكسرها، فعسفه وباع شيئًا من أملاكه حتى استوفى ما عليه، واستخرج مال التكملة من الناس، وكتب إلى علي بن عيسى بأن العمال يستضعفون قومًا من أرباب الخراج فيلزمونهم من التكملة أكثر مما يلزمهم ويرهنون آخرين فيحملونهم أقل مما يخصهم. وقال هو وابن رستم: وإن من طرائف ما يجري بفارس مطالبة الناس بهذه التكملة وهي ظلم لا شك فيه ولا شبهة، ومما سنه الخوارج جورًا
[ ٣٦٧ ]
ومجازفة. وإن هناك مما قد أُغضي عنه لأربابه، والمطالبة به أولى وأحق، وهو خراج الشجر، لأن فارس افتتحت عنوة، وهي في أيدي المزارعين على سبيل الإجارة، ولا حجة لهم في دفعهم إلا دعواهم أن المهدي أسقطه عنهم. وعرف أهل بلاد فارس ما يجري من الخوض في هذا الأمر، فورد قوم من أجلادهم إلى حضرة علي بن عيسى، ودخلوا عليه في يوم جلوسه للمظالم وقالوا: نمنع غلاتنا وتعتاق في الكناديج حتى تهلك وتصير هكذا وطرحوا من أكمامهم حنطة محترقة ونطالب بتكملة ما أوجبه الله علينا فتدعونا الضرورة إلى بيع نفوسنا وشعور نسائنا وأدائها حتى تطلق الغلة وهي على هذه الصورة ثم رموا من أكمامهم تينًا يابسًا وخوخًا مقددًا ولوزًا وفستقًا وبندقًا وغبيراء ونبقا وعنابا وقالوا: وهذا كله بلا خراج لقوم آخرين، والبلد فتح عنوة فإما تساوينا في العدل أو الجور. فأنهى علي بن عيسى ذلك إلى المقتدر بالله، وجمع القضاة والفقهاء ومشايخ الكتاب والعمال وجلة القواد في دار الوزارة بالمخرم وقد جعلها ديوانًا وتناظر الفريقان من أرباب الشجر وقد ورد منهم قوم وأرباب التكملة. فقال أرباب الشجر: هذه أملاك قد أنفقنا عليها أموالنا حتى نبتت الغروس فيها، وحصل لنا بعض الاستغلال منها، ومتى ألزمت الخراج بطلت قيمتها، وقد كان المهدي أزال المطالبة برسم الخراج عنها. وقال المطالبون بالتكملة ما شكوا به حالهم فيها، واستمرار الظلم عليهم بها. ورجع إلى الفقهاء في ذلك فأفنوا بوجوب الخراج وبطلان التكملة. وقال
[ ٣٦٨ ]
الكتاب: إن كان المهدي شرط شرطًا لمصلحة رآها في الحال ثم زالت سقط الشرط ورجع الحكم إلى الأصل. وقال لهم علي بن عيسى: أليس احتجاجكم بأن المهدي إمامم رأى رأيًا فيه صلاح ففعله؟ قالوا: بلى. قال: فإن أمير المؤمنين الإمام قد رأى أن من الأحوط للمسلمين إلزام الشجر الخراج وإزالة التكملة. فقام الزجاج ووكيع القاضي فدعوا له وأثنيا عليه. وقال وكيع: لقد فعل الوزير في هذه القصة كفعل أبي بكر الصديق ﵁ في مطالبته أهل الردة بالزكاة. وأنهى علي ابن عيسى والقضاة ما جرى للمقتدر بالله في يوم الموكب، واستأذنه في كتب الكتاب بإسقاط التكملة عاجلًا إلى أن يتقرر أمر الشجر. فأمره بكتب ذلك في الحال بحضرته، وأحضرت له دواة وكان رسم الوزراء إذا أرادوا كتب كتاب بحضرة الخليفة أن تحضر لهم دواة لطيفة بسلسلة فيمسكها الوزير بيده اليسرى، ويكتب بيده اليمنى وبدأ علي بن عيسى يكتب بغير نسخة، فلما رآه المقتدر بالله وقد شق ذلك عليه أمر بإحضار دواته وأن يقف بعض الخدم معه فيمسكها إلى أن يفرغ من كتابته. وكان أول وزير أُكرم بهذا، ثم صار رسمًا للوزراء بعده فكانت نسخة ما كتبه علي بن عيسى: