من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى النعمان بن عبد الله، سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ.
أما بعد فإن أفضل الأعمال قدرًا، وأجملها ذكرًا، وأكملها أجرًا، وأذخرها ذخرًا، ما كان للتقى جامعًا، وللهدى تابعًا، وللورى نافعًا، وللبلوى دافعًا، وقد جعل
[ ٣٦٩ ]
الله أمير المؤمنين فيما استرعاه من أمور المسلمين مؤثرًا ما يرضيه، مثابرًا على ما يزلف عنده ويحظيه، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله، عليه يتوكل، وبه يستعين. وقد عرفت حال السجزية والخرمية الذين تغلبوا على كور فارس وكرمان، واستعملوا الجور والعدوان، وأظهروا العتو والطغيان، وانتهكوا المحارم، وارتكبوا العظائم، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم، وتورد بها عليهم، فأزالهم وأبادهم، وشتتهم وأبارهم بعد حروب تواصلت، ووقائع تتابعت، أحل الله بهم فيها سطوته، وعجل لهم نقمته، وجعلهم عبرةً للمعتبرين، وعظةً للمستمعين. " وَكَذَلِكَ أَخْذ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَديِدٌ " ولما محق الله أمر هؤلاء الكفار، وفرق عدد أوباشهم الفجار، وجد أمير المؤمنين أفظع ما اخترعوه، وأشنع ما ابتدعوه، في مدتهم التي طال أمدها، وعظم ضررها، تكملة اجتبوها بكور فارس في سني غوايتهم لما طالبوا أهلها بالخراج على أوفر عبرتهم من غير اقتصار فيه على الموجودين، حتى فضوا عليهم خراج ما خرب من ضياع المفقودين، فأنكر أمير المؤمنين ما استقر من هذا الرسم الذميم، وأكبر ما استمر به الظلم العظيم، ورأى صيانة دولته عن قبيح معرته، وحراسة رعيته من عظيم مضرته، مع كثرته ووفور جملته. فارفع عن الرعية هذه التكملة رفعًا مشهورًا، فقد جعل الله من سنها مدحورًا. وناد في المساجد الجامعة بإزالتها وإبطال جبايتها. ليذيع ذلك في الجمهور، ويتمكن السكون إليه في الصدور، ويحمد الله الكافة على ما أتاحة الله لها من تعطف أمير المؤمنين ورعايته، وجميل حياطته
[ ٣٧٠ ]
وعنايته، وأجب بما يكون منك في ذلك، فإن أمير المؤمنين يتوكفه ويراعيه ويتشوفه إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله. وكتب علي ابن عيسى يوم الخميس النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثمائة. وقد كان علي بن عيسى نظر في سنة اثنتين وثلاثمائة الخراجية لأهل هذه التكملة بألف ألف درهم قبل أن يستقر على أرباب الشجر الخراج. ثم تقرر على أن يقارب أهله فيه ويلزموا طسوقًا مخففة عنه، وفعل النعمان في ذلك فعلًا وفق به، وكان ما ارتفع منه قريبًا من مال التكملة. وكتب علي بن عيسى في أمر الشجر بما نسخته: