من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى أحمد بن محمد بن رستم، سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ.
أما بعد فأن الله بعظيم آلائه، وقديم نعمائه، وجميل بلائه، وجزيل عطائه، جعل أموال الفيء للدين قوامًا، وللحق نظامًا، وللعز تمامًا، فأوجب للأئمة جبايتها وحرم عليهم إضاعتها، إذا كان ما يجتبى منها عائدًا بصلاح العباد، وحراسة البلاد، وحماية البرية، وحياطة الحوزة والرعية، ولذلك يعمل أمير المؤمنين فكره ورويته، ويستفرغ وسعه وطاقته في حراستها وحياطتها، وقبض كل يد عن تحيفها وتنقصها، والله ولي معونته بمنه ورحمته. ولما فتح الله كور فارس على المسلمين، وأزال عنها أيدي المتغلبين، وجد أمير المؤمنين أهلها قد احتالوا في أسقاط خراج
[ ٣٧١ ]
الشجر بأسره، مع كثرته وجلالة قدره، فأمر بإشخاص وجوههم إلى حضرته، واتصلت المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصته، إلى أن اعترفوا به مذعنين، والتزموه طائعين، وضمنوا أداء ما أوجبه الله فيه من حقوقه على ما تقرر من وضائعه وطسوقه فطالب بخراج الشجر، في سائر الكور، على استقبال سنة ثلاث وثلاثمائة. فاستخرجه واستوف جميعه واستنظفه واكتب بما يرتفع من مساحته ويتحصل من مبلغ جبايته، متحريًا للحق، متوخيًا للرفق إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله. وكتب علي بن عيسى يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة. وحدث أبو الحسن أحمد بن محمد بن سمعون الجرجرائي قال: كنت أخلف أبا ياسر الجرجرائي على النهروانات، فمسحنا على الناس ما يجري على الطسق من غلاتهم فإذا أحد التناء. قد أصعد إلى دار الوزير أبي الحسن علي بن عيسى ونحن لا نعلم فتظلم من أننا زدنا عليه في مساحة قراح له. فلم نشعر إلا وقد جاءنا ابن البذال العامل، وهو من وجوه العمال، ومعه فوج من مساح بادوريا، فرسان ورجالة، فلم نشك أنه صارف لنا. فقال لي صاحبي: أحب أن تتلقاه وتعرف الخبر. فتلقيته فوجدته منفذًا لاعتبار مساحة القراح الذي للرجل، وعدت إلى صاحبي
[ ٣٧٢ ]
بذلك، فقال لي: ما تدري كيف جرى أمر مساحته؟ قلت: لا. قال: فاخرج حتى تواقف وتجتهد. قال: فخرجت ومعي مساح البلد الذين مسحنا بهم، وواقفنا واستقصينا، وما زلت ألطف حتى استقرت مساحة القراح على أحد وعشرين جريبًا وقفيز وكنا مسحناه اثنين وعشرين جريبًا. واحتججت بأن المساحة وقعت أولًا والغلة قائمة فيه، ومسح الآن بعد حصادها، وليس بمنكر أن يكون بين المساحة على الحالتين هذا القدر. وانصرف القوم وطالعوا علي بن عيسى بالصورة، فوردت علينا كتبه بالصواعق في الإنكار والتوعد وقال: والله لئن عادت ظلامة أو تحيف أحد من الرعية في معاملة أو مساحة لأقابلن على ذلك أشد مقابلة. فتحرزنا وتحفظنا وحرسنا الناس ونفوسنا، وزاد الارتفاع في السنة الآتية ثلاثةً في كل عشرة لأن العدل شاع، والحيف زال، فتوفرت العمارة.
وحدث أبو محمد ثابت بن أحمد بن المشرف كاتب بادوريا قال: كان أهل بادوريا معروفين بالجلد، وكانت لهم مظالم وقوف. ومظالم رسوم، ومظالم تدعى مظالم القرطاس. فتقلد عليهم ابن أبي السلاسل العامل وفي قلبه أحقاد، فأراد الاستقصاء عليهم والتشفي منهم. وأخرج ما عليهم من البقايا، وأضاف إليها ما رده من هذه المظالم، وحبسهم وطالبهم فامتنعوا عليه، وصبروا على الحبس، فقيدهم واحتملوا القيد، ولم يجسر على أن يوقع بهم مكروهًا خوفًا من علي بن عيسى. فأملى في بعض الأيام على كاتبه بحضرتهم رقعةً إلى علي بن عيسى يغريه فيها بهم كل إغراء ويقول: هؤلاء قوم يدلون بالجلد، وعليهم أموال قد ألطوا بها وصبروا
[ ٣٧٣ ]
على الحبس والقيد، ومتى لم تطلق اليد في تقويمهم واستخراج المال منهم كسروه، وتأسى بهم أهل السواد فبطل الارتفاع، والوزير أيده الله أعلى عينًا فيما يراه من الإذن في معاملتهم بما يضطرهم إلى الخروج من الحق. قال: فجزع القوم وخافوا أن يعدو الجواب بإطلاق يده فيهم فيبلغ منهم مبلغًا يهلكون به، وهموا بالانقياد له إلى ما يريده. ثم سبروا، فورد الجواب على ظهر الرقعة بخط علي ابن عيسى: الخراج عافاك الله دين لا يجب فيه غير الملازمة فلا تتعد ذلك إلى غيره. ففرج الله عنهم، وأمضيت رسومهم، ولم يؤدوا إلا البقايا الصحيحة، وزاد ارتفاع بادوريا في السنة الثانية اثنين في كل عشرة.
وحدث أبو محمد عبد الله بن أحمد بن داسة قال: حدثني أبو سهل بن زياد القطان قال: كان أبو الحسن علي بن عيسى يدخل إلى حجرة زوجته والدة أبي القاسم ابنه في كل اسبوع. فلما نشأ أبو القاسم وترجل جاء إلى حجرة أمه في يوم نوبتها من أبيه فأقفلها عليها، وأخذ المفتاح وانصرف، ووافى علي بن عيسى على رسمه، فلما رأى الباب مقفلًا سأل عن ذلك فقيل: فعله أبو القاسم ابنك. فاستحيا وعرف غرضه، فلم يدخل من وحدث أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى قال: حدثني أبي قال: لما حبسني المقتدر بالله كنت مكرمًا في محبسي، فدخلت إلي القهرمانة بعد ثمانية عشر شهرًا من القبض علي وقالت: يريد الخليفة أن يجيئك فتأهب لذلك. فما مضت ساعة حتى دخل إلي مؤنس القشوري وابن الحواري وقالا لي: أراد أمير المؤمنين أن يجيئك
[ ٣٧٤ ]
فاستحيا منك. قال: فقمت وقبلت الأرض ودعوت له ثم قالا: ويقول لك لولا علمنا بزهدك في الوزارة لما عدلنا بها عنك، ولكننا نشاورك فيمن نقلده، اذكر هنا الناظر في الأمور، فقلت: الوزارة محتاجة إلى رجل كاتب كاف ممش للأمور عارف بسياسة الجند، وقد قل الناس الذين هذه حالهم، وما أعرف من أذكره اقتضابًا من غير روية، ولكن أنظروني حنى أراجع فكري وأقول ما عندي. فقالا: قل على كل حال. فقلت لهما: بالحضرة رجلان وعلى البعد رجلان. فأما الحاضران فأبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد أخو أبي صخرة وأبو عبد الله حمد بن محمد القنائي. وأما الغائبان وهما أوفق وأصلح فأبو علي الحسين بن أحمد المعروف بأبي زنبور وأبو بكر محمد بن علي المادرائيان، فإنهما قد دبرا أمور بني طولون في المال والرجال، ولهما في الكتابة قدم، والتدبير دربة، فاستدعوا أحدهما. قالا: هما بمصر، والمسافة بعيدة، ونريد ما هو أقرب. فقلت: إما أبو عيسى أو حمد، قالا: فما تقول في حامد بن العباس. قلت: هو عامل يصلح لعمارة وحفظ ارتفاع، وما الوزارة من عمله ولا سياسة الملك والرجال وتدبير الأمور مما يعرفه. فالاله: فاعلم أن أمير المؤمنين قد قلده وخلع عليه، ونظر مذ ثلاثة أيام. قلت: فما معنى المشاورة بعد الإمضاء؟ فقالا: لأنه قد تلوح لنا عجز حامد وكدنا نفتضح به، ولم يؤثر الخليفة صرفه في إثر تقليده فيقبح ذلك في السياسة، ونريد أن نشده بمن يقوم بهذا الأمر ويسدده ليبقى عليه اسم الوزارة، وقد رأى أن يندبك لذلك فتكون كاتبه وخليفته ظاهرًا وأنت الوزير باطنًا والتدبير إليك، والمعاملة بين أمير المؤمنين وبينك. قال: فاسترحت إلى الإجابة لتطاول حبسي وخرجت ونظرت وكان ما كان.
وحدث أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق
[ ٣٧٥ ]
قال: حدثني أبو يعقوب أخي قال: حدثني أبو بكر بن مقاتل ونحن بمصر قال: ابتعت من السلطان قديمًا، وأنا تاجر، غلةً على إكراه وبقي علي من ثمنها عشرون ألف دينار، وأحضرني أبو الحسن علي بن عيسى وطالبني بذلك، فلم يكن لي وجهة، وعدلت إلى جحده وترك الاعتراف به. وقال لي اعمل حسابًا بأصل ما ابتعته وما أديته ليبين الباقي بعده. ودافعت فاعتقلني في الديوان، وأمرني بعمل الحساب فيه. فأخذت أعلل وأطاول إشفاقًا من أن تتحقق البقية فأحصل تحت المطالبة بغير عذر ولا حجة، ثم أرهقني ودعاني إلى حضرته، فدخلت ومعي كيس حسابي لأريه ما ارتفع منه، وأسأله إنظاري بإتمامه واستكماله. وفتحت الكيس بين يديه، وكنت أستطيب خبز البيت ولا آكل غيره، ويحمل إلي من منزلي في كل يومين أو ثلاثة ما أريد منه، وبحسن الاتفاق تركت في الكيس منه رغيفين استظهارًا لئلا يتأخر عني ما يحمل إلي، وبينما أُقلب الحساب وقعت عين الوزير أبي الحسن على الرغيفين، فلما رآهما قال لي: اضمم إلي حسابك، مرارًا. فضممته وشددته وقال لي: قم إلى بيتك. فانصرفت ولم يطالبني بعد ذلك بشيء، ولا تنبه من نظر بعد على أمري، فانكسر المال والله، وكان سببه الرغيفين لأن علي بن عيسى لما رآهما وقد كنت أشكو الخسارة والفقر حملني على أن حملي للرغيفين مع الحساب لضعف حال وشدة فاقة.
وحدث أبو القاسم عيسى بن علي قال: حدثني أبي قال: لما استهل ذو الحجة من سنة أربع وثلاثمائة، وقد قاربت استيفاء السنة الرابعة من وزارتي الأولى للمقتدر بالله، بلغني ما قد عمل عليه من صرفي، فدخلت إليه وخلوت به وقلت: يا أمير المؤمنين قد أظل العيد عرفك الله بركته ووجب أن ننظر في أمر خواصك وجندك، فمن كان له رزق متأخر، واستحقاق حاضر، أطلقناه له ليصرفه
[ ٣٧٦ ]
في نفقة عيده. فقال: نعم. قلت: نراسل السادة وأشرت إلى السيدة والخالة والأمراء والحرم ونستعلم منهم الصورة فيما يتعلق بهم. ففعل وقالوا: قد راجت أموالنا وما بقي لنا ما نطالب به أو نقتضيه. قال: فقلت: إن خدم الدار وحواشيها وأصحاب الجرايات والمرتزقة والغلمان الحجرية والرجالة المصافية، وأصحاب مؤنس وأصحاب الحجاب وأصحاب الشرطة جارون هذا المجرى في الاستيفاء، وقد أزحت عللهم فيما استحقوه منذ نظرت ومكرر إلى هذه الغاية، ولم يبق علينا شيء لأحد إلا ما كان لبعض رجال القواد التفاريق، وقد تقدمت بإخراج الحال فيه فكان مائة وثلاثين ألف دينار، وحملت إلى مجلس العطاء اليوم منه مائة ألف دينار وقدرت أن الثلاثين ألفًا ستتوفر من جاري من مات أو غاب أو أُسقط، وفضول الأوزان والرسوم التي كان يرتفق بها قبل هذا الوقت. وإنما أردت في إعلام أمير المؤمنين من ذلك ما أعلمته ليتحقق استقامة أمره وأمر أهل دولته. قال: فأظهر السرور بما أخبرته به وشكرني على ما فعلته فيه وقلت: يا أمير المؤمنين إن ابن الفرات نظر لك قبلي أربع سنين فأنفق ارتفاع الدنيا ومال المصادرات، وكذا وكذا ألف دينار من بيت مال الخاصة لم يسم أبو القاسم عيسى بن على ما ذكر مبلغه ثم نظر لك بعده محمد بن عبيد الله الخاقاني، فأخرج من بيت مال الخاصة ألف ألف دينار زائدة على ما أخرجه ابن الفرات بعد الذي أنفقه من الارتفاع والمصادرة، وقد وفيت الناس أموالهم كما رأيت وما مسست من بيت مال الخاصة درهمًا واحدًا، وإن تركتني حتى أدبر أمورك في هذه السنة المقبلة ولم تغير لي أمرًا قمت بجميع الخرج، وحملت إلى بيت مال الخاصة ألف ألف دينار أُوفرها. فقال: معاذ الله أن أعتقد لك صرفًا أو اعتاض عنك أحدًا، وأنت وأنت وجعل يقرظني ويصفني ويحمدني ويشكرني. فانصرفت من بين يديه وعندي أنني
[ ٣٧٧ ]
قد كفيت الصرف فما مضى على هذا المجلس سبعة أيام حتى قبض علي في اليوم الثامن وكان يوم التروية، ونكبني.
وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: سمعت الوزير أبا الحسن أخي يقول: قل ما ظفر أحد ببغي فلم يبطر، وقل من حرص على النساء فلم يفتضح، وقل من أكثر من الطعام فلم يتخم؛ وقل من ابتلى بوزراء السوء فلم يقع في المهالك. وهذه الكلمة عمدة القول.
وحدث عبد الرحمن قال: كان أبو بكر بن مقاتل يتولى كيل ما يرد من الشعير للقضيم واستيفاءه، فيبقى عليه من أسافل الزواريق من الرطب والعفن ما يباع بثمن بخس، ويورد الحسبانات على الأوقات. فاتفق أن حضر الناظر في أمور الجوارح والطيور يلتمس إطلاق علوفة البط في البرك والزبيدية وقدر ذلك ثلاثون قفيزًا شعيرًا في كل شهر فأحضر أخي أبو الحسن علي بن عيسى ابن مقاتل وناظره على أمر الشعير الرطب والمبلول وما يحصل من ثمنه، وموقعه من ثمن الشيلم، والتفاوت بينهما، إلى أن عرف التوفير بين إطلاق الشعير الجيد والشعير الرطب، ثم تقدم بإقامة العلوفة من الرطب. فخرج ابن مقاتل متعجبًا من دقة نظر أبي الحسن فيما نظر فيه حتى وفر ما وفره منه بعد طول المجاورة وذهاب شطر من الزمان في المناظرة، وعرج ابن مقاتل إلى أحمد ابن يحيى بن حاني كاتب الوزير أبي الحسن علي خاصة فقال له: كم يرتزق الوزير في الشهر؟ قال: سبعة آلاف دينار. فقال: قسط اليوم فيها مائتان وثلاثون دينارًا، وقسط الساعة نحو عشرين دينارًا، وقد نظر الوزير في أكثر من ساعة توفيرًا لا يبلغ ما استحقه من الرزق. وأخرج القول
[ ٣٧٨ ]
مخرج التنادر، وسمع صاحب الخبر ذلك، فكتب به إلى الوزير، ودعاه من وقته، فلما وقف بين يديه قال له: أعد قولك في معنى الرزق. فاضطرب وتحير، فقال له، أعد ويل لك. فقال: إنما كان قولي على وجه التعجب من نظر الوزير الدقيق في الأمر القليل: فقال: لا تتعجب من ذلك فإن لكل أمر حظًا من النظر والتفقد، ولو لم نتفقد الصغير لأضعنا الكبير، وهذه أمانة لا بد من أدائها في قليل الأمور وكثيرها. وكما أنا نظرنا في هذا الدقيق ساعة فكذلك ننظر في الجليل ساعةً نظرًا يؤدي إلى استخلاص البلد العظيم، وتحصيل المال الجسم وإعادة الشاذ إلى الطاعة، ونأتي من التوفير بما يضعف على أرزاقنا للسنين الكثيرة. وإذا علم معاملونا أنا نراعي أمورهم هذه المراعاة لزموا الأمانة وخافو الخيانة. أخرج ودع الفضول. فخرج وعمامته في يده.
وحدث عبد الرحمن بن عيسى قال: حدثني أحد الخدم الخاصة قال: حضر أبو الحسن علي بن عيسى دار السلطان في يوم شديد البرد، وليس بيوم موكب، وعرف المقتدر بالله خبره، فجلس له في بعض الصحون على كرسي ورأسه مكشوف. فخاطبه في معنى ما حضر له، فلما فرغ قال له: يا أمير المؤمنين تبرز في مثل هذه الغداة الباردة، وتجلس في هذا الصحن الواسع، ورأسك بغير غطاء، والناس في مثلها يجلسون في المواضع الكنينة، ويستعملون من الدثار ما يستعملونه، وأحسبك تسرف في أخذ الأشربة الحارة، والأطعمة الكثيرة المسك. فقال المقتدر بالله: لا والله ما أفعل ولا آكل طعامًا فيه مسك ولا يطرح لي في شيء إلا يسير يكون في الخشكنانج، وربما أكلت في الأيام واحدة منه. فقال له الوزير: فإنى أطلق يا أمير المؤمنين في كل شهر في جملة نفقات المطبخ لثمن المسك نحو ثلاثمائة دينار. وانقضى كلامهما، ونهض المقتدر بالله وخرج الوزير. فلما صار في الصحن وقف
[ ٣٧٩ ]
المقتدر بالله وأمر برده. فعاد وقال له: أظنك تنصرف الساعة وتفتتح نظرك بإحضار المتولي لأمر المطبخ وتوقفه على ما جرى بيننا في معنى المسك وتسقطه. وقال: كذلك هو يا أمير المؤمنين. فضحك وقال: أحب أن لا تفعل ذلك، فلعل هذه الدنانير تنصرف في أقوات ونفقات قوم، ولا أريد قطعها عنهم. قال: السمع والطاعة.
وحدث عبد الرحمن قال: كان أحمد بن محمد بن المعلي الكاتب يتولى للوزير أبي الحسن علي بن عيسى زمام النفقات، فقال له في بعض الأيام: يا أبا الحسين قد نقص الليل ثلاث ساعات هي ربعه فانقص الفراشين من الزيت والشمع ربع الإقامة. فقال له: هذا أعز الله الوزير استقصاء ما عرفوه، واستيفاء ما عهدوه. فقال: أليس إذا احتاجوا إلى زيادة طلبوها وزيدوا؟ قال: بلى. قال: وكذلك إذا وقع نقصان فليوفروه.
وحدث عبد الرحمن قال تأخر الوزير أبو الحسن في دار السلطان تأخرًا طال وقد كان الخبر ورد بتورد المغربي مصر، وبلوغه الجيزة، وهي في جانبها الغربي، وأخذه الفيوم والإسكندرية، ووقع الانزعاج من ذلك وضاقت به الصدور وأعمل الفكر والنظر في تدبيره ثم وافى وقد تجاوزت صلاة الظهر في يوم صائف. فقلنا له: ما سبب هذا التأخر؟ فقد اعتورتنا الظنون فيه. فقال: نعم، كنا والله في أعجوبة لم يسمع بمثلها. قلنا: ما هي؟ قال: كنت مع مؤنس ومانس وغريب الخال ونصر الحاجب وشفيع وغيرهم من الخاصة، نتجارى ما ورد من أمر مصر، ونجيل الرأي فيما يدبر به مع ما يعبر من رأى الخليفة في السفر، إذ خرجت أم موسى
[ ٣٨٠ ]
القهرمانة فجلست على مسورة، واستدعت من خادمها منديل حوائجها، فابتدأت تعرض رقعة لبعض الحشم في زيادة دينار في نزله، ولبعض الخدم في زيادة يسيرة في رزقه، وأنا والجماعة نتميز غيظًا من قطعها إيانًا عن مثل هذا الأمر العظيم الحديث بمثل هذه الصغائر المضرة بالمال، ثم رميت بالرقعة، وعطفت على القوم ومشاورتهم، فقالت: هكذا يفعل بحوائج السادة؟ فقلت: يا هذه، نحن في حراسة الأرواح وحفظ أصول الملك، وقد شغلتنا عنه بما لا فائدة فيه. فقالت: وما هذا الشغل كله؟ قلت: مصر قد أشرفت على الذهاب والخروج عن يد السلطان وغلب المغربي منها على مواضع الارتفاع، وإن تم ونعوذ بالله من ذاك ما نخاف فقد مضى المغرب كله، ثم لا قرار على البساط بعده. فقالت: بظر أم مصر، ومتى كانت في يد السلطان حتى يغم عليها إذا أُخذت؟ فورد علي من قولها ما أدهشني. فقلنا له: فما كان الجواب عن هذا الجل؟ قال: قلت لها: بمثل هذا أدبر أمر الدنيا. ونهضت مغضبًا، وتفرق القوم، وقد شاهدوا وسمعوا عجبًا.
وحدث عبد الرحمن قال: حدثني محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي قال: لما مضت مدة من وزارة الوزير أبي الحسن علي بن عيسى وانتقل الحواشي وخدم الدار عما ألفوه مع أبي الحسن بن الفرات وأبي علي الخاقاني من بسطهم وبلوغ أغراضهم وزياداتهم في أنزالهم وأرزاقهم إلى ما رأوه في أيام أبي الحسن من الضبط وتجعد الكف واليد، ووضع الأمور مواضعها وحفظ الأموال عما يتخرمها ويتحفيها، نقل على الجماعة أمره واتفق أن دخل في بعض الأيام إلى دار السلطان فحذف في بعض الممرات برقعة وقعت في صدره، ولم يدر من رماه بها،
[ ٣٨١ ]
فأخذها، ودخل إلى المقتدر بالله، وخرج فجلس في دار الوزارة وقرأها، فإذا فيها أبيات قد هجي فيها واستبعد موته ومدته، فقلبها وكتب على ظهرها:
لي مدّة لا بدّ أبلغها معلومةٌ فإذا انقضت متّ
لو ساورتني الأسد ضاريةً لغلبتها ما لم يجي الوقت
ثم قال لبعض خدمه: ارم بهذه الرقعة في الممر الذي رمينا بها فيه، ففعل.
وحدث أبو الحسن علي بن يحيى بن سليمان البصري الكاتب قال: كان أبو الحسن علي بن عيسى أيام تدبيره الأمور في وزارة حامد بن العباس قد عمل عملًا بالفضل في ضياع أبي الحسين بن أبي البغل، وسلمه إلى حامد ليناظره عليه بما شاء من الأمر، فناظره حامد واعتقله ووكل به، وعرفت أم موسى القهرمانة خبره، فطالعت المقتدر بالله، وخرج أمره بالإفراج عنه. فلما علم علي بن عيسى بما جرى كتب إلى ابن أبي البغل رقعةً يذكر فيها اغتمامه لما لحقه، وسروره بما ظهر من حسن رأي السلطان فيه، فأجابه في تضاعيفها:
الصّعو بصفر آمنًا ومن أجله حبس الهزار لأنه يترنم
لو كنت أجهل ما علمت لسرني جهلي كما قد ساءني ما أعلم
لم أستفد أدبي لدولة ظالمي لكنه يجني عليّ ويظلم
ذنبي إليه على ركاكة فهمه أني لأعلم أنه لا يعلم
وحدث أبو الحسن علي بن عيسى قال: كان عبيد الله بن سليمان والقاسم ابنه بعده ينكران على عمالهما الاستتار عنهما ويقولان: إنما يقع الاستتار مع الإشفاق
[ ٣٨٢ ]
من الظلم، فأما مع الإنصاف في المعاملة واعتماد الحق في المحاسبة فهو طمع في السلطان وإرادة لكسر ماله. فاتفق أن صرف القاسم عاملًا من عمال الأهواز فاستتر، فغلظ عليه ذلك، وقال لي وللجماعة: أذكوا العيون عليه حتى تثيروه، وجدوا في طلبه حتى تحضروه. وقال علي بن عيسى: فبكرت يومًا بكورًا أقضى فيه حقًا وأعود ألى دار القاسم بن عبيد الله. فإذا العامل قد خرج من موضع يريد موضعًا، فرآه غلماني فأمسكوه وجاءوني به. فقلت له: تستتر عن الوزير وعنا والإنصاف مبذول لك؟ فقال: إذا كان الأمر على هذا ظهرت وجئتك. فتذممت من أن أحمله في الحال بالإكراه إلى دار القاسم فتلحقني في هذا الفعل قباحة. فقلت له: لا تتأخر فإنني من وراء معاونتك وتمشية أمرك. وأمرت بتركه وتخلية سبيله، ومضيت إلى مقصدي وعدت إلى دار القاسم ودخلت إلى مجلسه، فلم أجد عنده من البشاشة والإكرام ما كنت أعهده. ثم سلم إلي فضلًا من رقعة صاحب خبر وقد ذكر فيه حالي مع الرجل، وقال لي: كان عندي أنك عون لي وللسلطان على استيفاء حقوقه وإصلاح أموره، ولم أعلم أنك على خلاف ذلك. فأشفقت من أن أجيبه جوابًا ربما رد علي عنه ما يقدح في الجاه ويستمع على ملأ من الناس. فقلت: إذا خلا الوزير عرفته ما عندي في ذلك. وأمسك، وبقيت حيران لا أعلم بأي عذر أعتذر، وعدلت إلى أن سألت الله كفايتي وتخليصي، وكنت إذا رأيت المجلس قد خف أحسست بتقطع أعضائي. فأنا في ذلك إذ تقدم إلي صاحب دواتي وأعطاني رقعةً من وكيلي في داري، وقد وقع عليها اسمه،
[ ٣٨٣ ]
وبعده: مهم. فظننت أن القاسم بنزقه وغيظه قد أنفذ إلى داري قومًا ووكل بهم. فأسرعت إلى فضها وعقلي زائل، وروعي زائد، فإذا فيها: صار إلى بابنا نسوة وطلبن من يكلمهن، وخرجت إليهن، فدخلن الدهليز وكشفت إحداهن عن وجهها فإذا هو فلان العامل فنحى إزاره وخفه، وفعل غلام كان معه مثل فعله، وجلسا في الدار، وانصرف من كان معهما من النساء، وأمرني بأن أطالعك بخبره وأقول لك عنه: قد سلمت نفسي إليك جزاءً لفعلك اليوم، وثقةً بوعدك وأخذك بيدي ومعاونتي على أمري، فافعل ما تراه. فحين قرأتها عادت نفسي واشتد سروري، وتقوض المجلس، وقال لي القاسم: هات ما عندك في جواب قولي لك. قلت: نعم، ما الأمر على ما وقع لك في بابي، بل عندي من المعاونة والمعاضده والخدمة والطاعة وبذل القدرة والاستطاعة واطراح الديانة والأمانة في كل ما يخفف عنك، ويقرب منك أكثر مما يجب لمثلك على مثلي، ولكنك أيها الوزير تستقصر الفعل، وتريد زيادة على ما في الوسع، وإن كان هذا العامل ينصف في مواقفته ومحاسبته أحضرته الساعة. فأسفر وجهه وقال: أنكرت أن يكون منك إلا ما تقتضيه الثقة بك، والآن فقد رددت أمره إليك ورضيت بحكمك فيه، فرح به عشيًا إلى حضرتي واعمل من ديوانك عملًا لما يجب عليه. وقال لكتاب الدواوين جميعًا أن يعملوا مثل ذلك.
وانصرفت إلى داري، وقلت للرجل كل ما سكنت به نفسه، وأزلت معه إشفاقه، وجعلته على ثقة من تكفلي بأمره، وأمرته بأن يروح معي. فلبس أحسن لباس وتطيب أكثر طيب وجاء معي، فقلت له: قد أسرفت في لباسك وطيبك لي: حالي على جملتها، وما ألزمت ما شعثها، ولأن يرى الوزير مني مروءة يستدل بها على كثرة كلفي ومؤني أولى من غير ذلك.
[ ٣٨٤ ]
ودخلنا إلى القاسم بن عبيد الله معًا فأراد الرجل أن يقبل يده فمنعه وضمه إليه حتى قبل كتفه، وأحضر كتاب الدواوين فقال لهم: ناظروه. فكان يناظر على عمل بعد عمل ويبطل بابًا ويصح بابًا، وكلما صح شيء أخذ به خطه وأرجه أحد الكتاب إلى أن وجبت صلاة المغرب وصلينا، ثم أقبل على الكاتب وقال له: كم جملة ما أرجته مما كتب به خطه؟ قال: ستة وثلاثون ألف دينار ونيف. قال: وأي شيء بقي من الأعمال؟ قيل له: عمل الديوان الفلاني والديوان الفلاني. فقال لي: يا أبا الحسن أنت الحكم في أمره، فقل ما عندك نقبله. ولا أقل من إتمام المبلغ خمسين ألف دينار. فقلت: أيها الوزير، إذا رجعت إلي حكمي فآثار الرجل جميلة وطريقته مستقيمة، ومن حكمي فيه أن لا يلزم شيئًا. فاغتاظ غيظًا بأن في وجهه وإن لم يبد في قوله وقال: ماذا قلت؟ قلت: يرد إلى عمله، فإنه رفع من الارتفاع ما لم يرفعه غيره. فأطرق ثم رفع رأسه وقال: يرد عليه خطه ويكتب بإعادته إلى عمله. فقال الكاتب: كيف أدعو له؟ قال: لا تدع. وقال للرجل: والله لئن عاودت ما أنكره منك لأعاملنك بما عامل الله به فرعون فإنه جعله نكال الآخرة والأولى. وكتبت الكتب، وأراد توديعه، فبسط رجله إليه حتى قبلها. وقيل للقاسم: قد فلت أيها الوزير في أمره ما لم تفعله البرامكة مع مثله. قال: وجدت كل ما عاملته به واقعًا موقعه مع تسليمه نفسه وأمره إلي.
وحدث أبو عبد الله أحمد بن علي بن المختار الأنماطي وكان قد خدم أبا الحسن علي ابن عيسى واختص به قال: كنت بين يدي الوزير أنا وأخوه وأولاده
[ ٣٨٥ ]
وخواصه، وجرى حديث البريدي في إصعاده إلى الحضرة وما هو عليه من الإقدام على أخذ الأموال واستباحة الأحوال وأن الناس على إشفاق منه، وعمل على الهرب من بين يديه، وأشارت الجماعة عليه بأن يخرج هو وحرمه وأولاده وأصحابه عن بغداد، فما أصغى إلى ذلك. ثم أكثروا عليه إكثارًا ثنوه عن رأيه، فأطلق لي مائتي دينار لأستأجر له بها زواريق يصعد فيها هو وعياله إلى ناصر الدولة أبي محمد ابن حمدان. وانصرفت من عنده بعد المغرب، وباكرني رسوله يستدعيني، فبادرت إليه، وسألني عما عملته فقلت: ضاق الوقت البارحة عما أردته وباكرني رسولك فحضرت معه. فقال لي: فكرت فيما أشرتم به فوجدته خارجًا عن الرأي، ومفسدًا للدين، لأن الأمر مقدر، والإنسان مدبر، ولا يجب لمخلوق أن يهرب من مخلوق. هات الدنانير. فأعطيته إياها، فأمر بأن يتصدق بها، وأقام. فلما قرب البريدي انحدر إليه متلقيًا فأكرمه، وعرف موضعه، ووفاه حقه، ومنعه من أن يخرج عن طياره، وانتقل هو إليه، وخاطبه بما وفاه الجميل والبر فيه. وكان أهل الكوفة تظلموا إلى أبي الحسن علي بن عيسى في أيام القاهر بالله وقد خرج إلى واسط مدبرًا لها ولأعمال سقي الفرات في أمر ثمارهم، وحكوا أن أحمد بن محمد بن بشار وكل بها وسامهم حملها إلى البنادره، وأجرى أثمانها في خراجهم ليبقي عليهم عجزًا يطالبهم به، وجرت بينه وبينهم مناظرات ومخاطبات آلت إلى أن كتب إلى ابن بشار بأن يقاسمهم على الثمرة كما يقاسمهم على الغلة.
[ ٣٨٦ ]
وحدث أبو عمرو الشرابي قال: لما صرف أبو الحسن لعي بن عيسى بأبي علي محمد بن علي بن مقلة دخلت إليه في محبسه فحادثته وسكنت منه، وسألته عما يريده من الأشربة والأسوقة والطعام لأتقدم بحمله، فوجدته طيب النفس حسن اليقين وقال لي: الآن تم لي ديني وتفرغت لصلاتي وأداء مفترضاتي، وقد كنت أحب العزل وترك هذا الأمر، ولكنني احتسبت قيامي به قيام المجاهد في سبيل الله. فمن تقلد الوزارة؟ قلت: ابن مقلة. قال: حدث يحب الرئاسة ويراعي يومه دون غده، يا أبا عمرو، أليس تدبير الخلافة إلى قوم مبلغ عقولهم أنهم يظنون أن ابن مقلة ينهض بما أعجز أنا عنه، ويستقل بما أتفادى منه؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. ذهبت والله الدنيا وضاعت الأمور. فقلت: ما قدروا ذلك ولا توهموه، ولكنهم أرادوا من يأخذ أموال الناس ويعطيهم إياها ويطلقهم فيما منعتهم منه. فقال: الله المستعان.
وحدث عبد الرحمن بن عيسى قال: حدثني هارون الكاتب بن إبراهيم الكاتب قال: لما أحس القاسم بن عبيد الله بحضور منيته جعل يوصي أبا الحسن علي بن عيسى بولده، وأبو الحسن يذكره بالتوبة والإقلاع، فما فارقه حتى تاب توبة جردها وصحح فيها العزيمة. ثم دعا بالعباس بن الحسن في غداة يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائتين قبل أن قضى نحبه بثلاث ساعات فأملى عليه رقعة إلى المكتفي بالله، كان ما حفظناه من ألفاظها ومعانيها: كتبت هذه الرقعة أطال الله بقاء سيدي أمير المؤمنين بإملائي وأنا في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الأخرة. وقد حضر من الأمر ما مضى عليه
[ ٣٨٧ ]
الأولون، ويصير إليه الآخرون، والحمد الله الذي لما قضى علي الموت جعله في دولة أمير المؤمنين أيده الله وجعلني ماضيًا على أحكام طاعته ودارجًا على أفضل ما درج عليه أحد من أهل ولايته وتمم الكلام وشكر الإنعام ثم قال: ولم أطب نفسًا مع ما آلت إليه الحال بأن أُمسك من النصح لمولانا حيًا كنت أم ميتًا ولا بد أن يقوم لخدمته من يصلح لها، ويجري مجراي في حراستها والذب عنها والنهوض بأعبائها. وهذا خادم أمير المؤمنين وكاتبه علي بن عيسى بن داود ابن الجراح أحد الكتاب المتقدمين ومن قد خدم آباؤه الخلفاء الماضين وكانوا مرصنين محمودين، وقد عرف مولانا مذهبه في أمانته ومناصحته، وتأدت إليه أخباره في سداده وكفايته. وخادمه العباس بن الحسن كاتب حضرتي، وكان ملازمًا لي وقد تقيل أخلاقي في الخدمة، وعرف مذهبي في المدافعة عن الدولة وسلك مذهبي في المبالغة والطاعة. وعلى أيهما اعتمد، ولأيهما آثر وقدم، رجوت ألا يعدم عنده شيئًا مما كان عليه خادمه في المناصحة. وتمم القول وختمه بالوصاة بولده ووالدته وأسبابه والإحسان إليهم ومكافأته بما يستحقه فيهم.
قال عبد الرحمن: فحدثني أبو الحسن أخي قال: لما فرغ القاسم من إملاء هذه الرقعة دفعها إلي وقال: سألتك بحق ما بيننا إلا بادرت وأوصلتها من يدك، واجتهدت في التعجل بما يجري، فإنني أخاف إن تأخرت أن لا تلحقني، وأكبر أملي فيما بقي من مدتي أن أعرف ما يستقر عليه الحال من بعدي. قال أخي: فاستعفيته فلم يعفني، ولم يكن فيه فضل لمعاودتي، وعجبت من شدة نفسه، وزيادة
[ ٣٨٨ ]
حرصه على أمور الدنيا مع حضور أجله. فمضيت ومعي العباس إلى دار السلطان وجلسنا على انتظار إذنه، ثم أذن لنا فدخلنا. فلما حصلنا في وسط دهليز الصحن السبعيني استدار العباس فصار في وجهي وقال لي: والله لئن ألقيت هذا الأمر إلي ونزلت عنه لي لأكون فيه من قبلك ومتصرفًا على أمرك. فعجبت من قوله وقلت: ستعلم ما يجري، وأرجو توفيق الله ﵎. ووصلنا إلى الخليفة وأوصلت الرقعة. فلما قرأها سأل عن خبره، فعرفته أنه في آخر رمقه وما نقدر أننا نلحقه فدمعت عيناه ثم التفت إلي وجعل يخاطبني مخاطبة من قد رد الأمر إلي واعتمد فيه علي. وقال لي في عرض قوله: أنت يا علي في نفسي مذ كنت بالرقة، وأنا أعرف أخبارك آثارك، وقد آل الأمر الآن إليك ووقع اختياري عليك، فتتجرد في القيام به وإزالة الخلل عنه، وتفعل وتصنع. قلت: أنا يا أمير المؤمنين رجل ضيق العطن وفي استقصاء وشدة لا يصلحان لمتولي هذا الأمر وشغلي بما أخدم فيه طويل عريض، وإن نقلت إلى ما هو أكثر منه بعلت ووقفت. فراجعني القول وراجعته في الاستعفاء وقلت: وهذا العباس أعرف بما كان القاسم عليه من طرق الخدمة، وإن عول عليه كنا أعوانه وأعضاده. قال: فتضمن لي القيام بالشد منه حتى يستقيم ما يناط به؟ قلت: أفعل وأبذل عمن يليني من الكتاب مثل ذلك. فدعا بالدواة وكتب الجواب بالتوجع والدعاء وقال: فإن أعوذ بالله بليت فيك بما لا أقدر على دفعه فلن أعدل عن اختيارك ورد الأمر إلى من أشرت به. فأما الولد والحرم فأولادي وحرمي، والله يصونهم ببقائك ويدفع لنا عن حوبائك.
[ ٣٨٩ ]
وختمت الرقعة وتقدم بتسليمها إلي، فأخذتها وقبلنا الأرض وعدنا. فحين بلغنا درجة باب الخاصة من دار القاسم سمعنا الواعية فنزل من أعلمنا أنه قضى في الوقت عند وصولنا إلى الباب، قال عبد الرحمن: وكان حديث أبي الحسن أخي لنا بذلك وإسحاق بن حنين المتطبب في مجلسه فقال: أحدثك يا سيدي حديثه في هذه الحال، وذلك أنه دعاني، وقد حضر اليأس، ولم يبق إلا تردد النفس. فقال لي: يا إسحاق حبس النبض وانظر هل بقي من الذماء ما يفي بانتظار جواب الخليفة؟ فجسسته وكان قد سقط، فقلت: الحال صالحة. فقال: أعيذك بالله، لا والله ما أحسبني ألحق ذلك. ثم قال: انظروا الطيار هل أقبل؟ وتنفس مرة أو مرتين وقضى، وما زال أخي يعجب من أمره قال أخي: فلما عرفنا وفاته عدنا إلى دار السلطان، فوجدنا الخليفة قد خلا، وعرفنا خفيفًا السمرقندي الحاجب الصورة حتى أنهاها، وتقدم إلينا بالبكور في غد، وانصرفنا إلى دار القاسم وأقمنا إلى أن جهز ووري وعزينا والدته ووالده. وشاع أمر العباس، وتقررت الوزارة له واعتماد المكتفي بالله عليه، وحضر الكتاب من غد دار السلطان، وهم: العباس بن الحسن وعلي بن عيسى ومحمد بن داود بن الجراح وعلي بن محمد بن الفرات، ومحمد بن عبدون وهو أكبرهم سنًا؛ لأنه ولد في سنة ست وثلاثين ومائتين، وابن الفرات في سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومحمد بن داود في سنة ثلاث وأربعين ومائتين وعلي بن عيسى في سنة خمس وأربعين ومائتين والعباس في سنة خمسين ومائتين. ووصل العباس وعلي ابن عيسى إلى الخليفة دون غيرهما، فأمضى أمر العباس، ووصى علي بن عيسى بالضبط والاحتياط، وأدخل الناس بعد ذلك على طبقاتهم فعزوا الخليفة، وسمعوا
[ ٣٩٠ ]
قوله في رده وزارته إلى العباس، وإقراره أصحاب الدواوين على دواوينهم. وانصرفت الجماعة مع الوزير إلى منزله، وكان له غرفة في حريم البستان الزاهر المجاور لدار القاسم على دجلة سكنها عند خدمته القاسم في التوقيع بين يديه. وعجب الناس من تقلد العباس عجبًا طال، ولم تزل به الحال إلى أن ملك الأمور، وأسرف في التجبر والاستكبار، فأرداه ذاك وأورده شر مورد ونسأل الله حسن العاقبة.
وحدث عبد الرحمن قال: حدثني الوزير أبو الحسن أخي قال: كنت بمكة، فاتفق يوم شديد الحر وحر تهامة إذا اشتد ضرب به المثل قال: فصليت الظهر جماعةً في المسجد الحرام، وطفت وسعيت وركعت عند المقام، ثم انصرفت وقد مسني من الحر ما زاد علي فيه الأمر، فتمنيت في الوقت شربة سويقع بثلج، وأولعت نفسي بالفكر فيها، فزجرتها وقلت: ثلج في تهامة! وحمدت الله تعالى على نعمة العافية، فما لبثت والله أن ظهر في السماء قزع من غيم، ثم اجتمع وانتظم وجاء ببرق ورعد متصل، ثم بمطر وبل، ثم ببرد في غاية الكبر. فجمع الغلمان منه ما ملئوا به حبًا من حباب الماء. وكان هذا بعد صلاة العصر، فما كان فطوري إلا على سويق وسكر وثلج وماء مائع، وبقينا على ذلك ثلاثة أيام ولله الحمد.
[ ٣٩١ ]