أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح وأبو الحسن من أهل ديرقني، ومولده يوم الجمعة لثمان خلون من جمادي الأولى سنة خمس وأربعين ومائتين، والطالع العقرب بد والرأس فيه ح د والقمر في القوس ط لح والمشتري راجع في الدلو كا، يد، والذنب في الثور ح د، والشمس في الأسد يوح، وزحل فيه بط لا، وعطارد في السنبلة ايه، والزهرة فيه كط والمريخ في الميزان دلح. وكتب في الدواوين، وتقلد كثيرًا منها رئاسة. وقد مضى من ذكره في أخبار أبي الحسن بن الفرات ما لا حاجة بنا فيه إلى الإعادة. ولما أشار مؤنس باستدعائه من مكة، وتقليده الوزارة، وأنفذ يلبق الاستقدامه إلى الحضرة، ورد في اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة. ووصل إلى حضرة المقتدر بالله، وخاطبه بما أراد خطابه به، وقلده وزارته وتدبير أمره. وخرج أبو الحسن ومؤنس معه وأبو علي الخاقاني جالس في المجلس الذي كان يجلس فيه قبل الوصول إلى الخليفة وقال للحجاب وخواص الغلمان: اتبعوا الوزير وامشوا بين يديه. فارتاع أبو علي وقال: من الوزير؟ فقال له مؤنس: أبو الحسن علي بن عيسى. فقال أبو علي: الله الله يا أبا الحسن في دمي، فإنني ما أردت الدخول في هذا الأمر، وإنما أُجبرت عيه. فأجابه جوابًا سكته فيه، ونقل إلى الاعتقال في الموضع الذي أُعد له. ومضى أبو الحسن علي بن عيسى إلى داره، والناس في موكبه، وبكر إلى الدار
[ ٣٠٥ ]
من غد وخلعت عليه الخلع السلطانية، وركب إلى الدار المعروفة بسليمان بن وهب، فجلس فيها، وركبت إليه الأمراء والقواد في النواحي، وكتب إليهم بإقرارهم في مواضعهم من ولاياتهم وأعمالهم، وحثهم على استخراج الأموال وحملها. وسلم إليه أبو علي الخاقاني وولداه، وأبو الهيثم بن ثوابة، وطالبهم مطالبةً رفيقه. وسئل في أمر عبد الواحد بن أبي علي، فأطلقه بعد مديدة في ليلة الخميس لتسع خلون من جمادي الآخرة، ثم أطلق أبا القاسم أخاه ليلة الجمعة مستهل شوال، وحمل أبا الهيثم بن ثوابة إلى الكوفة، وسلمه إلى إسحاق بن عمران صاحب المعونة، فكان عنده إلى أن توفي يوم الأحد لليلة بقيت من ذي الحجة. وأجرى المقتدر بالله لأبي الحسن علي بن عيسى خمسة آلاف دينار في كل شهر، وارتجع الضياع العباسية التي كانت جعلت لابن الفرات وأبي علي الخاقاني، ورتب أبو الحسن علي بن عيسى الأمور والدواوين على ما رأى فيه الصلاح والسداد، وكان رجلًا عاقلًا متدينًا متصونًا ظلفًا متعففًا، عارفًا بالأعمال حافظًا للأموال، كثير الوقار والجد بعيدًا من التبذل والهزل، على شح غالب في طباعه، وتجهم ظاهر في أخلاقه. وما كان يخل بصلاة الجماعة والجمعة في كل يوم جمعة، ولا يدع المناوبة في ذلك بين المساجد الجامعة، حتى قيل: إنه كان يستعمل الوضوء في أيام الجمعات التي يكون فيها محبوسًا، ويستوفي طهوره، ويلبس ثيابه، ويقوم ليخرج من موضعه، فيرده الموكلون به ويمنعونه، فيرفع رأسه إلى السماء ويقول: اللهم اشهد. وعمد في نظره إلى تخفيف المؤن، وحذف الكلف، ونقص الخرج، والمضايقة في الجاري والرزق. ورد كثيرًا مما وقع به أبو علي الخاقاني من الإثبات والزيادات، فأوحش بذلك خواص المقتدر بالله وعاداهم، وكثرت به السعاية عليه والوقيعة فيه
[ ٣٠٦ ]
واستثقل أكثر الناس موضعه، وضاقت صدورهم بنظره، ووقع الشروع في إفساد أمره، وتغيير رأي المقتدر بالله فيه، ورد ابن الفرات. وعرف أبو الحسن علي بن عيسى ما يجري في ذلك، فبدأ بالاستعفاء والخطاب عليه، ومواصلة القول فيه. وتحدث في دار المقتدر بالله بأن ابن الفرات شديد العلة، واتفق أن مات هارون الشاري الذي كان محبوسًا في دار السلطان، وكان التدبير في أمر الشراة أن يكتم موت من يؤخذ من أئمتهم، لأنهم لا يرون إقامة غيره وهو حي، فأظهر أنه ابن الفرات وكفن وأخرجت جنازته على أنها جنازة ابن الفرات. فصلى عليه علي بن عيسى، وانصرف موجعًا إلى داره وقال لخواصه: اليوم مات الكتابة. ومضت أيام ووقف علي بن عيسى على أنه حي وقد تم السعي له مع المقتدر بالله، فعجب ابن عيسى وقال: ما ينبغي لأحد أن يحدث بكل ما يسمع، ويصدق بجميع ما يخير. فلما طالب الجند عند أخذ الحسين بن حمدان بما طالبوا به من الزيادة، واستعملوا ما استعملوه من الشغب وخرق الهيبة، وبلغ لهم في ذلك ما بلغ من الإرادة وكثرت النفقات، وتضاعفت الاستحقاقات، ولحق الشوب غلات سنة
أربع وثلاثمائة، وتأمل علي بن عيسى الأمر وخاف أن يطالب بما لا يكن له وجه، وأن يحدث من الفساد ما لا يقوم له به عذر. فوقف أملاكه، وأعتق عبيده، وشرع في الاستعفاء، وراسل في ذلك المقتدر بالله، فدفعه عنه دفعًا ووعده فيه بالمعونة على تمشية الأمور. وكان فيما وقع إلينا من رقاعه في ذلك رقعة إلى السيدة نسختها: ربع وثلاثمائة، وتأمل علي بن عيسى الأمر وخاف أن يطالب بما لا يكن له وجه، وأن يحدث من الفساد ما لا يقوم له به عذر. فوقف أملاكه، وأعتق عبيده، وشرع
[ ٣٠٧ ]
في الاستعفاء، وراسل في ذلك المقتدر بالله، فدفعه عنه دفعًا ووعده فيه بالمعونة على تمشية الأمور. وكان فيما وقع إلينا من رقاعه في ذلك رقعة إلى السيدة نسختها:
بسم الله الرحمن الرحيم. أطال الله بقاء السيدة وأدام عزها وتأييدها، وكلاءتها وحراستها، وأسبغ نعمه عليها، وزاد في إحسانه إليها، ومواهبه الجميلة، وآلائه الجزيلة، وأقسامه الهنيئة وفوائده السنية عندها، وبلغها في سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وأدام له العز والتمكين، والنصر والتأييد غاية محبتها وأفضل أمنيتها، ووصل أيام سرورها بعافيته، واغتباطها برؤيته، ووقاها فيه وفي نفسها وفي الأمراء أستودعهم الله وأستوهبه إياهم كل سوء محذور ومخوف، بمنه ورأفته. وصلت الرقعة أعز الله السيدة وعرفت ما تضمنت. فأما الفتنة التي كانت ملتحمةً مع أعظم الأعداء مضرةً، وأقربهم محلةً، وأشدهم على المطالبة جرأة، فقد تكلفت الإنفاق عليها، وقمت بتدبيرها، حتى بلغ الله أمير المؤمنين والسيدة في جميعها المحبة، وانتظمت في صدور الأعداء شرقًا وغربًا الهيبة، وما أنفقت مع ذلك من بيت مال الخاصة بعد الذي رددته إليه نصف عشر ما أنفقه محمد ابن عبيد الله الخاقاني وابن الفرات قبله، وأنا عامل بعون الله على رد ذلك عن آخره. ومتى لم ينفق المعتضد بالله في أسفاره على مائدة أعدائه من بيت مال الخاصة أضعاف هذه النفقة؟! وقد أنفق المكتفي بالله وكان من النظر في القليل اليسير وعلى ما عرف به من بيت مال الخاصة جملةً بعد جملة، مع قلة النفقات في أيام المعتضد بالله. وما أقول قولًا يدفع، لأن الدواوين تشهد به وحسبانات بيوت الأموال تدل عليه، ومؤنس خازن بيت مال الخاصة منذ أيام المعتضد بالله وإلى هذه
[ ٣٠٨ ]
الغاية يعلمه، وإن سئل عنه صدق. هذا مع رفقي بالرعية، وعمارتي النواحي المختلة، وإزالتي عنها كل ظلم ومؤونة، حتى صارت أيام أمير المؤمنين أطال الله بقاءه منذ خدمته أيام الخير، وفيها الآثار الموصوفة، وامتلأت قلوبها هيبةً بعد أن كانت تثب على الرؤساء، وترمي بالحجارة على ما قيل لي عند اجتيازهم في دجلة. وأما الاستحقاقات المتأخرة فلست أعرفها، وبباب أمير المؤمنين الكثير من الغلمان والحاشية والفرسان والرجالة، وما أحسب صنفًا من هذه الأصناف يقدر أن يقول: إنه قبض في وقت من الأوقات قبضًا متصلًا، وليس يقول أحد منهم إنه دفع عن استحقاق ولا تأخر له شيء من رزقه ونزله. وكذلك الفرسان والعساكر الخارجة مع مؤنس وغيره مستوفية، وأكثر من بالحضرة هذه سبيلهم به. وقد حضروا منذ مدة بباب العامة، وطالبوا، فأدخلت طائفةً منهم ونوظرت، فلم تكن لهم حجة في الاستحقاقات، وإنما التمسوا الزيادة والنظر والصلة، وهذا خارج عن الواجب، ولو منع بعضهم فلم يعط شيئًا لكان ذلك واجبًا صالحًا. ومتى كان الجند يوفون حتى لا يكون لهم شيء متأخر؟ ما كان هذا في زمن من الأزمان وما تركت أن قلت لسيدنا أمير المؤمنين أعزه الله في ذلك ما يجب أن أقوله، وخاطبت أم موسى مرةً بعد مرة فيه، وأما ما قيل للسيدة أعزها الله في استعفائي فلم أستعف نصًا، ولو حملت الرماد على رأسي لما تكرهت ذلك ولا تأبيته، وإني لأُلزم نفسي الصبر على كل نائبةً في خدمة سيدنا أمير المؤمنين أيده الله وأرى ذلك ديانة، ولكني أعز الله السيدة أضجر كما يضجر الناس إذا خوطب بما لا يحب، وأنا أبلغ جهدي في النصيحة وتأدية الأمانة، فإن كان ذلك واقعًا موقعه فهو الذي أقصد، وإن كان يظن بي غير ما أنا عليه فهي المصيبة. وقد يحرم الإنسان ثمرة اجتهاده، ويقع ما يفعله على خلاف مذهبه واعتماده، وما يسعني ولا يحل لي أن أؤخر الصدق
[ ٣٠٩ ]
في جميع الأحوال، قاضيًا بذاك حق الله ﷿، وحق سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وحق السيدة أعزها الله وأسأل الله أولًا وآخرًا أن يصلح لهما أمورهما ظاهرًا وباطنًا، صغيرها وكبيرها، ويكفيهما المهم ويسهل الصلاح بهما وعلى أيديهما بمنه وقدرته وجوده وكرمه. وقرب عيد الأضحى واحتيج إلى ما جرت العادة بإطلاقه للحرم والحاشية، فجاءته أم موسى القهرمانة في آخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثمائة مخاطبة على ذلك، ومقررة للأمر فيه، وكان محتجبًا، فلم يقدم سلامة حاجبه إلى الاستئذان لها، واعتذر إليها عذرًا لطيفًا، وصرفها صرفًا جميلًا، فغضبت وانصرفت. وأعلم علي بن عيسى خبرها في حضورها وانصرافها فأنفذ إليها واستعذرها فلم تعذر، وصارت إلى المقتدر بالله وإلى السيدة وأغرتهما به، وتكذبت عندهما عليه، وأدى ذلك إلى القبض عليه
في غداة يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة عند ركوبه إلى دار السلطان، واعتقاله عند زيدان، فكانت مدة وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يومًا. وكان مما فعله في وزارته هذه أن أسقط المكس بمكة، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز وحصن مهدي، ونهر السدرة، وكان يعترض في هذه المواضع على ما يجهز إلى البحر ويرد منه، وتؤخذ الضرائب المسرفة عنه، وأزال جباية الجمهور بديار ربيعة. وأشار على المقتدر بالله بوقف المستغلات بمدينة السلام وغلتها نحو ثلاثة عشر ألف دينار والضياع الموروثة بالسواد الجارية في ديوان الخاصة وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار على الحرمين والثغور، فقبل رأيه وأشهد بذلك القضاة والشهود على نفسه، ونصب علي بن عيسى لهذه الوقوف ديوانًا سماه ديوان البر، ورده إلى أبي شجاع ابن أخت أبي أيوب ولما كان بمكة وجد الماء ضيقًا على أهلها، وأصحاب السلطان يسخرون جمال الناس وحميرهم لنقله من جدة إليها، فابتاع عددًا كثيرًا من الجمال والحمير ووقفها على حمل الماء، وأقام لها العلوفة الراتبة، ومنع من السخرة وحظرها، وحفر بئرًا عظيمة في الحناطين، فخرجت عذبةً شروبا وسماها الجراحية. وابتاع عينا غزيرة بألف دينار، وفتحها ووسعها حتى كثر ماؤها، واتسع الماء بمكة، ووصل الرفق به إلى أهل الضعف والمسكنة. وكان فيما أقطعه علي بن عيسى من إقطاع الوزارة أربعة أحجار أرحاء بالعباسية تعرف بالعباسية، وتعرف باليوسفية، قيمتها عشرة آلاف دينار. فتظلم مجاوروها من أخذها الماء وقصوره عنهم، وإضرار ذلك بزروعهم ونقصه من ارتفاع ضياعهم، وتأذي أهل الشفة بهذه الحال أيضًا، فأمر بهدمها ونقضها وعمل مسجد في موضعها، وتوفر الماء على أهل الضياع والشفة. ي غداة يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة عند ركوبه إلى دار السلطان، واعتقاله عند زيدان، فكانت مدة وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يومًا. وكان مما فعله في وزارته هذه أن أسقط المكس بمكة، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز وحصن مهدي، ونهر السدرة، وكان يعترض في هذه المواضع على ما يجهز إلى البحر ويرد منه، وتؤخذ الضرائب المسرفة عنه، وأزال جباية الجمهور بديار ربيعة. وأشار على المقتدر بالله بوقف المستغلات بمدينة السلام وغلتها نحو ثلاثة عشر ألف دينار والضياع الموروثة بالسواد الجارية في ديوان
[ ٣١٠ ]
الخاصة وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار على الحرمين والثغور، فقبل رأيه وأشهد بذلك القضاة والشهود على نفسه، ونصب علي بن عيسى لهذه الوقوف ديوانًا سماه ديوان البر، ورده إلى أبي شجاع ابن أخت أبي أيوب ولما كان بمكة وجد الماء ضيقًا على أهلها، وأصحاب السلطان يسخرون جمال الناس وحميرهم لنقله من جدة إليها، فابتاع عددًا كثيرًا من الجمال والحمير ووقفها على حمل الماء، وأقام لها العلوفة الراتبة، ومنع من السخرة وحظرها، وحفر بئرًا عظيمة في الحناطين، فخرجت عذبةً شروبا وسماها الجراحية. وابتاع عينا غزيرة بألف دينار، وفتحها ووسعها حتى كثر ماؤها، واتسع الماء بمكة، ووصل الرفق به إلى أهل الضعف والمسكنة. وكان فيما أقطعه علي بن عيسى من إقطاع الوزارة أربعة أحجار أرحاء بالعباسية تعرف بالعباسية، وتعرف باليوسفية، قيمتها عشرة آلاف دينار. فتظلم مجاوروها من أخذها الماء وقصوره عنهم، وإضرار ذلك بزروعهم ونقصه من ارتفاع ضياعهم، وتأذي أهل الشفة بهذه الحال أيضًا، فأمر بهدمها ونقضها وعمل مسجد في موضعها، وتوفر الماء على أهل الضياع والشفة.
وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: لما ابتاع أخي أبو الحسن علي بن عيسى من تركة نازوك ووالدة القاسم بن عبيد الله الثلث من حصتها في قصر القاسم في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وأضاف إليه حصصًا ابتاعها الزوجات وبعض الأولاد الأصاغر، وعمل ذلك داره المعروفة بباب البستان، وكانت مسناة القصر
[ ٣١١ ]
القديمة بعيدةً من دجلة فأخرج أحمد بن بدر عم السيدة أم المقتدر بالله مسناةً لداره المجاورة له إلى الماء، وفعل عبيد الله بن القاسم مثل ذلك من الجانب الآخر، وبقيت دار أخي مستورة بينهما، فخاطبه أبو إسحاق إبراهيم أخونا في ذلك، وأعلمه ما في إخراج المسناة حتى توازنهما من الزيادة في قيمة العقار، وكانت الذراع على دجلة في المواضع الرذلة على ذلك العهد تباع بدينار عينًا. فقال له: قدر لها ولما يبنى عليها ما يحتاج إليه من النفقة. فقدر لذلك مائة ألف درهم، وصور البناء، وأحضره الصورة والتقدير. فأقام أبو إسحاق يحثه على إطلاق المال والابتداء بالعمل، والوزير يعده ويدفعه، حتى إذا اجتمع في خزانته ما جعله لذلك من ارتفاع ضيعته، تقدم إلى خازنه بإحضاره ودعا بعبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله، فأعطاه إياه، وأمره بصرفه في ضعفاء آل رسول الله ﷺ وفي فقراء المسلمين ومساكينهم بعد أن أثبتهم في ديوانه، ففعل، وأخرج جميع المال وفرقه عليهم. وحضر أبو إسحاق، فذكره بالعمل والأمر بتقديمه قبل زيادة دجلة، فضحك إليه وقال لابن ما شاء الله: حدثه يا أبا القاسم بحديث العقار الذي ابتعنا، وتجاوزه في النفع هذا البناء الذي لا يزيد الله من حاوله إلا إثمًا وبعدًا. فحدثه، فحار أبو إسحاق، وما أمكنه الجواب، وعلم أنه كان من وعده على غرور. وبقي ماء داره محبوسًا، وسمي الفضاء بين المسناتين الستيني. وكان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال جدي ابتاع دار عبيد الله بن القاسم من أبي الحسن بن أبي عمرو الشرابي حاجب الخلافة بخمسة آلاف دينار، وكانت مسناتها طاعنةً في دجلة لا يفارقها الماء في سائر أوقات السنة.
[ ٣١٢ ]