وكانت ناحية العارض فيها الآبار المتعددة والبساتين التي يزدهي فيها النخيل
[ ١ / ٧٥ ]
وتتمازج في ظلالها اخضرار البرسيم وأنواع البقول، وهناك عيون عذبة، ونشاط في العمران والتقدم، وقد كانت تلك الجهات تدعى اليمامة فيما مضى من الأزمان.
واختلف في تسمينها اليمامة واشتقاقها، فقل الأصمعي اليمام ضرب من الحمام البري واحدته يمامة وتنسب إليها زرقاء اليمامة مضافة إليها؛ وهي امرأة من طسم كانت متزوجة في جديس، فبهذا تبين أنها في الزمن القديم مساكن طسم وجديس والعماليق، وقاعدتها حجر اليمامة، وقد قيل في تسمية طويق الجبل المشهور أنه تصغيرة طوق ويسمى طوق اليمامة، وجو اليمامة وهو الوقع شرقي الأكثبة الحمر مما يلي المزاحمية.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى خرجت بنو حنيفة بن لجيم بن صغب بن على بن بكر بن وائل يتبعون الريف وبرتادون الكلاء حتى قاربوا اليمامة على السمت الذي كانت عبد القيس سلكته لا قدمت البحرين، فخرج عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدئل بن حنيفة منتجعا بأهله وماله يتبع مواقع القطر حتى هجم على اليمامة فنزل موضعًا يقال له قارات الجبل، وهو من حجر على مسافة يوم وليلة فأقام بها أيامًا ومعه جار له من اليمن من سعد العشيرة، ثم من بني زبيد فخرج راعي عبيد حتى أتى قاع حجر فرأى القصور والنخل، وأرضا عرف أن لها شأنًا وهي التي كانت لطسم وجديس، فرجع الراعي حتى أتى عبيدًا فقال والله إني رأيت آطامًا طوالًا وأشجارًا حسانًا، هذا حملها وأتى بالتمر معه مما وجده منتشرًا تحت النخيل فتناول منه عبيد وأكل، وقال والله هذا طعام طيب وأصبح فأمر بجزور فنحرت، ثم قال لبنيه وغلمانه احتروا حتى أتيكم، وركب فرسه وأردف الغلام خلفه وأخذ رمحه حتى أتى حجرًا فلما رأها لم يحل عنها وعرف أنها أرض لها شأن فوضع رمحه في الأرض ثم دفع الفرس واحتجر ثلاثين قصرًا وثلاثين حديقة وسماها حجرًا وكان تسمى حجر اليمامة بعد حجر عبيد لها فقال في ذلك:
حللنا بدار كان فيها أنيسها فبادوا وحلوا ذات شيد حصونها
فصاروا قطينا للفلاة بغربة رميما وصرنا في الديار قطينها
[ ١ / ٧٦ ]
فسوف يليها بعدنا من يحلها ويسكن عرضا سهلها وحزونها
ثم ركز رمحه في وسطها ورجع إلى أهله فأحتملهم حتى أنزلهم بها، فلما رأى جاره الزبيدي ذلك قال يا عبيد الشرك قال بل الرضا فقال ما بعد الرضا إلا السخط، فقال بها الزبيدي ثم غرض (أي ضجر وسئم) فأتى عبيدًا فقال له عوضني شيئًا فإني خارج وتارك ما ههنا فأعطاه ثلاثين بكرة فخرج ولحق بقومه وتسامعت بنو حنيفة ومن كان معهم من بكر بن وائل بما أصاب عبيد بن ثعلبة فأقبلوا فنزلوا قرى اليمامة أقبل زيد بن يربوع عم عبيد حتى أتى عبيدًا فقال أنزلني معك حجرًا فقام عبيد وقبض على ذكره وقال: والله لا ينزلها إلا من خرج من هذه يعني أولاه، فلم يسكنها إلا ولده وليس بها إلا عبيدي، وقال لعمه: عليك بتلك القرية التي خرج منها الزبيدي، فأنزلها فنزلها في أخبية الشعر حتى بنوا القصور، وكان عبيد يقول لولده: انطلقوا إلى باديتنا يريد عمه فيمضون يتحدثون هناك، فمن ثم سميت البادية، وهي منازل زيد وحبيب، وقطن لبيد بني يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة ثم جعل عبيد يغسل النخل فيغرسها فتخرج ولا تخلف ففعل أهل اليمامة كلهم ذلك فهذا هو السبب في تسمتها حجرًا.
وقد أكثر الشعراء من ذكرها والتشوق إليها فروي عن نفطوية قال: قالت أم موسى الكلابية، وكان قد تزوجها رجل من أهل حجر اليمامة ونقلها هناك.
قد كنت أكره حجر إن ألم به وأن أعيش بأرض ذات حيطان
لا حبذا الغرف الأعلى أساكنه وما يضمن من مال وعيدان
أبيت أرقب نجم الليل قاعدة حتى الصباح وعند الباب علجان
لولا مخافة ربي أن يعاقبني لقد دعوت على الشيخ بن حيان
ولعل الشيخ بن حيان هو الذي عقد لزوجها عليها؛ وكان جحر المشهور في بني جشم المعروف بالشجاعة من أهل هجر وقصته مع الحجاج بن يوسف معلومة.
قال ابن بطوطة في رحلته في القرن السابع دخلت اليمامة وقاعدتها حجر فوجدت بلدة عظيمة كثيرة النخيل والمياه والفواكه والزروع، وأطال الكلام عليها
[ ١ / ٧٧ ]
فكان حجر اليمامة هي البلدة العظيم في الجاهلية وفي الإسلام، ثم إنها كانت قاعدة تلك الناحية في بلد الدرعية لما قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقام بنصره آل سعود الأقدمون محمد بن سعود وابنه عبد العزيز، وسعود بن عبد العزيز حيث امتدت الفتوحات الإسلامية على أيديهم، وفي الدور الثاني انتقلت قاعدة المملكة إلى الرياض وجعلها الإمام تركي بن عبد الله عاصمة لملكه فاستمرت كذلك، وفي الدور الثالث من أدوار آل سعود جعلها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن عاصمة ملكه، كما قد جعلها الإمام فيصل بن تركي عاصمة لملكه قبله؛ وسنعود إلى ذكرها عن قريب.