بقلم تلميذه: سليمان العبد العزيز التويجري
هو الشيخ الفاضل الموسوم بالعلم والفضائل إبراهيم بن عبيد بن عبد المحسن آل عبيد ولد في خامس عشر جمادى الثانية سنة ١٣٣٤ هـ، ونشأ في أحضان والديه، ثم أخذ في الدراسة في إحدى المدارس الأهلية في بريدة، ولما تم له من العمر اثنتا عشرة سنة حصل على حفظ القرآن ودراسته بالتجويد، وأخذ نصيبًا من تعلم الخط والحساب، وكان ذلك موضع الإعجاب من مدرسيه لما لمسوه منه من الجد والاجتهاد.
ثم إنه لما أخذ نصيبه الوافر من تلك المدرسة انضم إلى التعلم على يد الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي المشهور بالعلم والتدريس في القصيم.
وانضم أيضًا إلى التعلم من فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن سليم وجدّ ونافس في طلب العلم وأكثر من الأخذ عنهما.
ومن جملة ما درس به عليهما إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، وكشاف القناع عن الإقناع للبهوتي؛ والروضة الندية لصديق بن حسن القنوجي الهندي، وزاد المستقنع وشرحه، والرحبية في الفرائض والمواريث وملحة الإعراب في النحو، وألفية ابن مالك في النحو والصرف، وكتب العقائد والحديث كالعقيدة الواسطية؛ والصابونية والطحاوية، والتوحيد وشروحه.
وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ونال الأعجاب من مشائخه وأعجبوا بجهده واجتهاده وقوة حافظته وذاكرته، حتى كان يذهب بين العشائين
[ ١ / ٥ ]
والعتمات وأواخر الليل إلى تلك المساجد التي لا تزال إذ ذاك عامرة بالتدريس وحلق الذكر لأخذ نصيبه من العلم رغم زمهرير الشتاء وبرده القارس، وأمطاره وثلوجه، وكان مشائخه يقدرون أعماله ويعرفون له فضل الاجتهاد.
ولما بلغ من العمر اثنين وعشرون سنة أخذ يدرس ويعلم في المسجد واجتمع عليه تلامذة كثيرون فضلاء.
من تلامذته الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي المدرس في المعهد العلمي، والشيخ علي بن محمد السكاكر رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مقاطعة القصيم، والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحميد، والشيخ محمد الصالح المرشد مدير المعهد العلمي في بريدة سابقًا، والمدرس بالجامعة الإسلامية لاحقًا؛ والشيخ علي بن محمد الربيش أحد أعضاء المحكمة المذكورة، وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الله بن عودة أحد أعضاء رئاسة القضاء في السعودية؛ وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الدوسري مساعد مدير مكتبة الحرم المكي، وعلي بن راشد الرقيبة، وأخذ عنه الأستاذ سليمان بن عبد العزيز التويجري، وأخذ عنه صالح بن إبراهيم الرسيني، وعبد الله بن صالح الحسين، وأخذ عنه غير هؤلاء خلق كثير وجمع غفير، وأخذ عنه ابناه عبد الرحمن ومحمد.
ومن العجائب أن غالب الذين أخذوا عنه وتتلمذوا عليه، وفقهم الله، ولديهم صلاح في دينهم، وقد برز أقرانه في مادة الفرائض التي قل من يسبر عورها ويحل عويصها، وكان يرجع إليه في كثير من المسائل الفرضية التي قد تبلغ حد الإعجاز في صعوبتها ويتلقاها بصدر مملوء باليقين والاستعداد، حتى أنه بلغ به الأمر إلى أن تأتيه المسائل الفرضية من جهات بعيدة من خارج المملكة، ولا يزال الآن يعالج مهنة حل المسائل والإفتاء، وكان الرجل شغوفًا ومحبًا لمادة التاريخ، وله ذوق رفيع في مادة القواعد، وكان من صفاته التي يعتز بها كل تلميذ جثم على ركبتيه أمامه متعلمًا دماثة الخلق، ومتواضعًا في الأخلاق، وإخلاصًا في إيصال المعلومات إلى أذهان تلاميذه.
والجدير بالذكر أن المؤلف حفظه الله وأكثر من أمثاله رجل اجتماعي بطبعه يحب
[ ١ / ٦ ]
الاختلاط والامتزاج بمشايخه وتلاميذه، وكانت النكتة لا تغادر مجلسه، الأمر الذي يدعو جلسائه إلى الرغبة الأكيدة في الاجتماع والاستئناس به، وكان قارئًا للشعر وله ديوان في الشعر والمذكور يملك حاسة رقيقة شفافة تدعوه في كثير من الأحيان إلى إبداع غرر القصائد التي يرثى بها مشايحه وتلاميذه، أما عن مؤلفاته فكفاه فخرًا واعتزازًا سفره الباقي ما بقي المحبون للخير؛ وذلكم هو كتاب "عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان" الذي ما فتئ كل إمام مسجد في المملكة وغيرها يقرؤه على مأموميه في ليالي رمضان الشريف. حتى آل الأمر إلى أن دام رجال فضلاء من خارج المملكة بدعوة إلى الشيخ بالاستئذان منه بطلب ترجمته إلى اللغة الأردية، والإنجليزية، والفرنسية؛ وهذا وربي شيء يبعث الاطمئنان والاعتزاز والسرور.
كما أن من مؤلفاته "البدور البهية والفتوحات القدسية" (١) وهو وظائف لسائر السنة يدور حول المشاكل الاجتماعية في الوسط الاجتماعي الراهن سيطبع عن قريب وهو ثلاثة أجزاء، ومنها هذا التاريخ.
أخي القارئ علك تجد فيه ضالتك المنشودة وبغيتك المطلوبة، وقد أنفق المؤلف من عمره في تأليفه ثمان عشرة سنة كانت حافلة بالجهد المتواصل، والسهر الطويل، ولم المعلومات من مظانها ومن كل صوب وحدب، والمذكور غني عن قيلة قائل في مدحه والثناء عليه، فالذي بين يديك أخي القارئ يحكي واقع المذكور وهو لا يرجو منك إلا الدعاء والصفح عن كل خلل، فإن كان خيرًا فمن توفيق الله وامتنانه، وإن كان غير ذلك فالإنسان عرضة للخطأ، وقبل أن نختم هذه العجالة العابرة عن حياة المؤلف نورد لك نموذجًا من شعره فقد كان يدرس عليه أحد المنتدبين للتدريس في
_________________
(١) قام المؤلف ﵀ بتغيير اسم هذا المؤلف إلى "السحاب المركوم أو الرحيق المختوم في وظائف السنة منظومها والمنثور" وهو مطبوع، وكذلك مؤلف بعنوان "الأعلام المرفوعة والتحف المدفوعة وعقيدة آمة الإسلام المقروءة والمسموعة" وهو مطبوع.
[ ١ / ٧ ]
المملكة فما كان من تلميذه إلا إن جرى منه عدم مواضبة فعاتبه الشيخ بهذه الأبيات الطريفة:
سلام يفوق الشمس في الحسن والبها ويفضح حسن البدر في التم معلما
ويسري بادلاج يمر مسارعًا إلى ذلك الندب الجليل متمما
محمدًا لا تترك دروسا سلكتها تفوق على الدر النفيس وترثما
عليك بتحصيل العلوم فإنها نجاة لعمري من طريق جهنما
بأي كتاب الله يولع عارف له نهمة تعلو سموًا على السماء
كذك علوم النحو تعلو لغيرها تقوم ألفاظًا وتهدي من العماء
يراد بها كل البيان فخذ بها فهذا لعمري بالقرار مسلما
ولا تعد عيناك المكارم موثرًا قهاو وأشغالًا تعود فتثلما
[فأجابه ذلك الأستاذ بهذه الأبيات]
عليك سلام الله نورًا متمما ورحماته تترًا تباعًا من السماء
وأوزعك الرحمن شكر هباته والأئه من منعم جل منعما
وأتاني الرحمن علمًا وحكمةً وزودني فقهًا وعقلًا معلما
وأنت الذي نورًا أضاء جبينه وبان عليه الفضل والحسن معلمًا
أأترك نهرًا قبض الله فيضه على ظمأ مني وقد تقتل الظماء
أأترك نورًا كنت شمسًا تمدد وأمشي طريق العائرين معتما
أأترك آي الله لآ أعتني بها وها قد بدت من فرقل يكشف العما
أأترك درس النحو لو أن خبرته لازداد جهلًا بالعلوم فأظلما
ولو علم التوحيد يومًا أخذته ودرس الحديث أن يكون هو علما
فلا تشفقن يومًا حريصًا محاذرًا مقاطعتي جمع العلوم مسلما
إلى آخر الأبيات:
وفي الأخير أحيي كل من أسدى إلى الأمة خدمةً جلى وعملًا مشكورًا من
[ ١ / ٨ ]
نصح وتوجيه، أو تسجيل حوادث، أو غير ذلك مما ينير طريق الحياة المعتم لكل ناشد معرفة، وقاصد علم؛ والله أسأل أن يهدينا طريقه المستقيم وأن يمن علينا بالهداية والتوفيق؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل.
بقلم أحد تلاميذه
سليمان العبد العزيز التويجري
مفتش القسم المساعد بإدارة التعليم ببريدة
[ ١ / ٩ ]