استهلت هذه السنة والفتن في نجد تغلي مراجلها، وكان الأمير في حائل محمد بن عبد الله بن رشيد والأمير في عنيزة زامل بن عبد الله بن سليم، وكان الأمير في بريدة مهنا الصالح أبا الخيل.
أما الرياض فكان فيها الإمام عبد الله بن فيصل، وأما الأحساء والقطيف فقد استولت عليها عساكر الدولة العثمانية، وفيها اشتد الغلا والقحط في نجد وأكل الناس الميتة وجيف الحمير، وصار كثير من الناس يأكلون الجلود البالية بعد حرقها بالنار، ويدقون العظام ويأكلونها، ويأكلون البرسيم (القت) وأكل ورق الزرع والأشجار، فأثّر ذلك في وجوه الناس وأرجلهم نفخًا وأورامًا ثم يموتون بعد ذلك، وعظم الأمر ومات لذلك خلائق كثيرة جوعًا، فمن لم يمت بالسيف مات من الجوع وجلى كثير من أهل الوشم وسدير والرياض إلى الأحساء والزبير والبصرة والقصيم، واستمر الغلاء والقحط إلى آخر السنة التي بعدها وهذا من آثار الذنوب والمعاصي.
[ ١ / ٢١٣ ]
فإن أهل الإسلام اليوم في رغد وخصب ونعمة، فيجب أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحل بهم عقاب الله فما أهون الخلق علي الله إذا أضاعوا.
رجعنا إلى قصة سعود بن فيصل وما جرى بينه وبين أخيه عبد الله من الاختلاف، فنقول: بعدما انهزم في واقعة الخويرة ما كان هذا الفشل ليثني عزمه، فقد عاد يقطع الدهنا إلى الأفلاج.
وفي شوال قدم سعود بن فيصل إلى وادي الدواسر بمن معه من الجنود وقصد الخرج، وكان الإمام عبد الله بن فيصل قد أمر أخاه محمدًا وعمه عبد الله بن تركي وعدة رجال من أتباعه أن يسيروا على بلد الدلم ويضبطوها خوفًا من أخيه سعود، فسار إليها محمد بن فيصل وعمه عبد الله بغزو من الرياض وضرما، فدخلوها وأقبل سعود بن فيصل بجنود كثيرة من العجمان والدواسر وأهل الجنوب، وقام معه أيضًا ابن قنيان والعجالين والهزاني وأهل الحوطة، فنزل على البلد وحصرها حصرًا شديدًا، فخان أهل البلد الأمير محمد بن فيصل وأصحابه وفتحوا الباب لسعود فدخلها وجنوده، ولما رأى البوار محمد بن فيصل ركب فرسه وانهزم إلى الرياض، ثم قبض سعود علي عمه عبد الله بن تركي وأمر بحبسه، وأخذ ركاب أصحاب أخيه وسلاحهم، وقتل منهم عدة رجال، وبعد أيام قليلة توفى الأمير عبد الله بن تركي بحبس سعود ذلك، وكان شهمًا شجاعًا صارمًا فرحمة الله عليه.
ولما جرت هذه الفتن العمياء، قام الشيخ الإمام العالم الألمعي عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ فبث الرسائل والنصائح، وباح بما عنده من النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، واستعظم جدًا ما فعل سعود بن فيصل من خروجه على الأمة وإمامها يضرب برها وفاجرها إلا من أطاعه وانتظم في سلكه.
وذكر ﵀ أن لعبد الله بن فيصل بيعة وله ولاية شرعية في الجملة، ثم رد علي سعود وسفه رأيه بمفارقته لجماعة المسلمين وخروجه على أخيه، وكان الشيخ قد بعث أولًا نصيحة لابن عائض أمثاله من الرؤوساء والأمراء ينهاهم فيها عن متابعته والإصغاء إليه ونصرته، وفعلًا قد امتثلوا وما رفعوا لسعود رأسًا.
[ ١ / ٢١٤ ]
وكان الشيخ قدس الله روحه قد ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بتحريم ما فعل والتغليظ على من نصره.
ولما جرت واقعة جودة وثل عرش الولاية وانتثر نظامها وحبس محمد بن فيصل وخرج الإمام عبد الله شاردًا وفارقه أنصاره وأقربائه، وجفاه أعوانه وجلساؤه، أوصاه الشيخ عبد اللطيف بالاعتصام بالله وطلب النصرة منه وحده وعدم الركون إلى الدولة الخاسرة.
ولما كاتب الإمام عبد الله بن فيصل الدولة الخاسرة واستنصرها واستجلبها على ديار المسلمين، خاطبه الشيخ عبد اللطيف مشافهةً بالإنكار عليه والبراءة، وأغلظ له بالقول وبين له أن هذا هو هدم الأصول الإسلام وهدم لقواعده العظام، فأظهر الإمام عبد الله التوبة والندم وأكثر الاستغفار.
ثم إن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رفع الله منازله في الجنان وجعله في زمرة سيد ولد عدنان، كتب على لسان الإمام عبد الله بن فيصل كتابًا لوالي بغداد، إن الله قد أغنى ويسر وانقاد الناس من أهل نجد والبوادي ما يحصل به المقصود إن شاء الله ولا حاجة لنا بعساكر الدولة، وكلامًا من هذا الجنس، فارسل الإمام الكتاب فيما يرى وتبرأ مما جرى.
فلما قدم سعود على الرياض ودخلها بجنوده من العجمان والدواسر وأهل الفرع وأهل الحريق وأهل الأفلاج وأهل الوادي، وقطع الثمار وأخاف الأرامل والمحصنات بمن معه وخيف من انتهاك حرمة اليتامى والأيامى، أضف إلى ذلك أن الإمام عبد الله فرّ من الرياض قبل دخوله البلد وأهلها أن يستبيحها سعود ومن معه من الأشرار وفجار القراء، نسأل الله العافية، حيث كانوا يحثون على ذلك ويتفوهون بتفكير بعض رؤساء البلد، فخرج إلى سعود قبل دخوله إليها خشية أن يأخذها عنوة فتسفك الدماء وتستباح النساء، لأن أسباب ذلك متوفرة فواجهه وخاطبه فيما يصلح الحال بينه وبين أخيه الإمام، فاشترط سعود الشروط الثقال
[ ١ / ٢١٥ ]
على أخيه ولم تتفق الحال، فصارت الهمة فيما يدفع الفتنة ويجمع الكلمة ويلم الشعث ويستدرك البقية، فرأى الشيخ بثاقب رأيه ونبل معرفته النزول إلى هذا المتغلب والتوثق منه ودفع صولته، وخرج رؤساء البلد والمعروفون من رجال الرياض بأمر الشيخ فبايعوا سعودًا بعدما أعطاهم على دمائهم وأموالهم محسنهم ومسيئهم عهد الله وميثاقه وأمانه عهدًا مغلظًا، وقد بذل الشيخ جهده ودافع ما استطاع حتى حصل أهل الرياض على ذلك.
ثم كتب الشيخ إلى العالم العلامة حمد بن عتيق في بلاد الأفلاج يأمره بلزوم الجماعة وعدم التفرق والاختلاف فوقَ الله شر تلك الفتنة ولطف بالمسلمين، فلما أتى الفادح الجليل والخطب العظيم الذميم الذي طمس أعلام الإسلام ورفع الشرك بالله وعبادة الأصنام في تلك البلاد التي كانت بالإسلام ظاهرة، ولأعداء الملة قاهرة، وذلك بوصول عساكر الأتراك واستيلائهم على الأحساء والقطيف، يتقدمهم طاغيتهم داود بن جرجيس لا حيَّاه الله ولا بيَّاه، فأهون به من ما ذق ما أقبحه، ومن جهول ما أمقته، ومن خبيث ما أفسده، قدم بهم داود بن جرجيس داعيًا إلى الشرك بالله وعبادة إبليس منتهزًا فرصة هذا الخسيس، فانقادت لهم تلك البلاد وأنزلوا العساكر بالحصون والقلاع، ودخلوها بغير قتال، وتوفرت منهم أقبح الفعال، فطاف بهم إخوانهم من المنافقين، وظهر الشرك بالله رب العالمين، وشاعت مسبة أهل التوحيد والدين، ويرقص في هذه الفتنة الشيطان، ولم ينطح لذاك شاتان، فلا حول ولا قوة إلا بالله الملك الديَّان.