في هذه السنة ابتلى الله الناس بسعود بن فيصل للمرة الثانية، وعاد يريد الرياض، ففي المحرم منها خروج سعود من بلد الدلم معه جنوده وسار يريد بلد ضرما، فدخلها وأخذ من أهلها أموالًا عظيمة، فقسمها على جنوده، ثم سار منها إلى بلد حريملا، ولما وصل إليها خرج أهلها لقتاله فنشب القتال بينهم وبينه، فأوقع
[ ١ / ٢٢٦ ]
بهم وهزمهم وقتل منهم ثلاثين، منهم ناصر بن حمد آل مبارك وابنه وسليمان السياري من رؤساء أهل ضرما، وكان سليمان إذ ذاك في حريملا فحضر الوقعة.
ثم تحصن أهل البلد في حريملا، فأمر سعود جنوده بقطع نخيل حريملا، فقطعوا منها كثيرًا، ثم إنهم صالحوه فارتحل عنهم وسار إلى الرياض متغلبًا، ولما قرب منها خرج عليه أخوه عبد الله بن فيصل بأهل الرياض فحصل بينه وبينهم وقعة شديدة في الجزعة وجرى بين الفريقين قتال شديد وجلاد أكيد، وصارت الهزيمة على عبد الله بن فيصل وأهل الرياض، وقتل منهم عدة رجال، منهم مساعد بن سلمان الظفيري وأخوه فهد، ثم دخل أهل الرياض بلدهم.
وأما عبد الله بن فيصل فإنه فر متوجهًا إلى عربان قحطان، وهم على موضع المستوي فأقام عندهم أيامًا قليلة ثم توجه إلى بلد الرس وأقام هناك أيامًا، وكان معه أخوه محمد.
فلما أن وصل حاج عنيزة إلى الرس خرج محمد بن فيصل من الرس فتفاوض مع أهل عنيزة في إقامة الإمام عبد الله بن فيصل وأتباعه فيها، فاتفقوا على مراجعة أميرها زامل، فلما راجعوه لم يوافق على ذلك خوفًا عليه أن يقتل أو يصاب ببلدهم، ثم ارتحل الإمام عبد الله بن فيصل إلى الخبراء ثم إلى عربان عتيبة إلى جهة الكويت وأقام هناك على الصبيحية.
ولما اقبل سعود بن فيصل يؤم الرياض قد خلى له الجو خشي الإمام العالم الشيخ عبد اللطيف من البادية الذين معه أن يحلوا بأهل الرياض مالا تحمد عقباه، فبعث كتابًا إلى سعود معجلًا في طلب الأمان لأهل الرياض، وكف البادية عنهم وباشر بنفسه مدافعة الأعراب معه شرذمة قليلة من أهل البلد، فدخل سعود البلد وبايعه أهل البلد على السمع والطاعة.
ثم كتب سعود إلى رؤساء البلدان يأمرهم بالقدوم عليه، وبايعوه على السمع والطاعة، وأمرهم بالتجهز للجهاد، وتم لسعود مقصوده وجرت له هذه الفتوحات كلها وملك الرياض وبايعه أهلها للمرة الثانية.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ولما أن كان في ربيع الثاني، خرج سعود من الرياض يحنوده واستنفر من حوله من العربان، وجمع غزو البلدان فاجتمع إليه خلائق كثيرة، فلما جمع هذه الجنود زحف بها لقتال مصلط بن ربيعان ومن معه من عتيبية، وكانوا على ماء طلال المعروف فصبحهم بتلك الجنود، فلما توافوا حصل بين الفريقين قتال شديد تقارعت له الأبطال، ثم إنها صارت الهزيمة على سعود وجنوده، فقتل منهم خلق كثير وجم غفير، وأخذ العتبان غالب سلاحهم وركابهم وفرشهم وأمتعتهم، وكان من أعيان القتلى سعود ين صنيتان ومحمد بن أحمد السديري الأمير المشهور أمير بلدة الغاط إذ ذاك وأخوه عبد العزيز وعلي بن إبراهيم بن سويد أمير بلد جلاجل، وقتل من أهل شقراء فهد بن سعد بن سدحان وسعد بن محمد بن عبد الكريم البواردي وصالح بن إبراهيم بن موسي بن فوازن بن عيسى وسليمان بن عبد الله بن خلف بن عيسى وعبد العزيز بن أحمد بن منيع.
وفيها قام السادة من أهل صنعاء على الإمام واستعانوا بالأتراك، فدعوهم إلى صنعاء، ففازوا هذه المرة ووطدوا في الجبال العالية حكمهم إلى حين، لأن أهل اليمن الذين يثورون على ساداتهم، والسادات الذين يتمردون على إمامهم لا يوالون الأجنبي طويلًا.
وفيها تم عمل الكسوة الباطنة الداخلية الحمراء للكعبة المشرفة زادها الله تشريفًا وتكريمًا، وكانت من الحرير الأحمر مكتوب فيها بالنسيج الأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله، الله ﷻ ثم سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، يا حنان يا سلطان يا منان يا سبحان، فاستمرت هذه الكسوة من هذه السنة في آخر ولاية السلطان عبد العزيز خان إلى نهاية ٦٣ سنة لم تغير حتى استحال لونها رمادي.
[ ١ / ٢٢٨ ]