ففيها أمر السلطان عبد الحميد خان بن عبد المجيد خان الخليفة العثماني بأن يفرش سطح الكعبة المشرفة بألواح المرمر، ففرش في هذه السنة، هذا والأمير إذ ذاك في مكة المشرفة حسين بن محمد الشريف عم الحسين صاحب الثورة العربية.
وفيها ولد ملك إيران الدستوري وهو رضا ابن عباس علي خان، وكانت ولادته في قريت الأشت من قرى سوادكوه، وكان أبوه حين ولادته حاكمًا على سوادكوه وقائدًا للقوة العسكرية فيها.
وفي هذه السنة في ربيع الآخر أرسل الإنذار الدولي للباب العالي في الدولة العثمانية من قبل المؤتمر الذي سعت به روسيا إلى عواصم أوربا حيث زار المندوب عاصمة عاصمة، وكان هذا الإنذار يقتضي أنه يجب على الدولة العثمانية أن تتم عقد الصلح مع الجبل الأسود وأن تترك له الأراضي التي يطالب بها وأن تنفذ الإصلاحات التي طلبتها منها الدول وأن تقلل عدد عساكرها العظيم في حالة السلم فلا يكون كحالة الحرب.
وأرسلت روسيا بانفرادها إنذار آخر للباب العالي فعرض الباب العالي هذين
[ ١ / ٢٥٩ ]
الإنذارين على مجلس البعوثات ليرى رأيه فيهما ذلك بأن السلطان عبد المجيد يعرض مهام الأمور على المجلس الذي لا يقل عدد أعضائه عن مائة وثمانين عضوًا من عظماء الدولة ورجالها.
ولما كان في تاسع أبريل من هذه السنة رفض هذين الإنذارين وأعلن الباب العالي في حادي عشر أبريل للدولة الأوربية رفضه لهما، ومن ذلك اليوم صارت الحرب على أبواب تركيا، وأخذت تركيا من جهة وروسيا من جهة أخرى تتم تجهيزاتها الحربية وترسل جيوشها على الحدود، ولما رأت روسيا أنها لا تستطيع التغلب على تركيا والفوز عليها إلا إذا عبرت جيوشها بلاد رومانيا عقدت في ١٦ أبريل مع هذه الإمارة اتفاقية تسمح للجنود الروسية بالعبور في أراضي رومانيا وأعلنت روسيا في ٢٤ أبريل من هذه السنة رسميًا الحرب على تركيا مبينة في إعلانها أن غرضها بالحرب نصرة المسيحيين، وأعلنت رومانيا استقلالها التام عن الدولة العثمانية واتفقت روسيا مع رومانيا في ١٤ مايو اتفاقًا دفاعيًا هجوميًا، وانضمت جنودها إلى جنود روسيا، ثم إنها أخذت الجنود الروسية تهاجم مدينة (بلفنة) المرة بعد الأخرى وارتدوا على أعقابهم خاسرين، لما أقام حولها عثمان باشا من المعاقل والحصون المنيعة، ولكن سوء حظ الدولة العثمانية قضى عليها بأن لا ترسل ما يلزم من المدد للغازي مختار باشا بعد أن فقد جيشه الرجال الأبطال، فسقطت منه لذلك قارص في أيدي الروسيين في هذه السنة وقد أعيت معاقل بلفنة وحصونها الروسيين فحاصروها حصارًا شديدًا وشهدوا قوة الأتراك وشهامتهم، وأعجب قيصر الروس نفسه بمهارة الغازي عثمان باشا وقوة إدراكه.
وقد طالت محاصرة بلفنة حتى انقطع المدد على الأتراك ونفد كل ما عندهم من الذخائر، فعزم الغازي عثمان باشا على الخروج من بلفنة مع جنوده الأشداء، فخرج في آخر هذه السنة بالفعل، ومرت الجنود العثمانية من وسط الأعداء غير خائفة نيرانهم ولا مقذوفاتهم بل جاعلةً وجهتها الاستحكامات التي كان أقامها الروسيون حول بلفنة على ثلاثة خطوط متعاقبة واستولت على مدافع الخط الأول
[ ١ / ٢٦٠ ]
والثاني وكادت أن تستولي على الخط الثالث غير أن الغازي عثمان باشا وقع جريحًا فظنه قومه ميتًا وانتشر خبر موته بين الجنود العثمانية فثبطت هممهم وانحلت عزائمهم، ودخل الروسيون في هذه الأثناء بلفنة واضطر قواد الجيش العثماني للتسليم والإتفاق مع قوات الجيش الروسي على إيقاف الحرب بإلقاء الجيش العثماني للسلاح، وقد فقد الجيش الروسي في محاصرة بلفنة ٣٨٠٨٠ قتيلًا وفقد الجيش العثماني ١٥٣٠٠ قتيلًا، ولم يعتبر رجال العسكرية في أوربا سقوط بلفنة انتصارًا للروسيين على العثمانيين، بل أعجب كل إنسان بالعثمانيين أكثر من إعجابه بالروسيين، فإن الروسيين عددهم كان مائة ألف وخمسين ألفًا والعثمانيين كانوا ثلثهم أي خمسين ألفًا، وكانت روسيا تأمل انتصارًا أعظم منها.