ففيها حدث اختلاف بين الإمام عبد الله بن فيصل وبين أهل المجمعة أدى ذلك الاختلاف إلى الحرب.
وفيها ولد الشيخ عمر بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم شيخنا القاضي في مقاطعة القصيم وكان له إخوة أسن منه، فمنهم الشيخ الألمعي الذي افتخرت به أواخر هذه الأمة على أوائلها شيخنا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليم، وكان قد انتهت إليه الفضائل ونال درجة القضاء بعد أبيه في القصيم، ومن إخوانهما عبد الرحمن بن محمد وصالح بن محمد وسليمان.
وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم الورع ذو العلم والإتقان القاضي محمد بن سلطان ﵀ وعفا عنه، كان ﵀ حبرًا نبيلًا، تولى قضاء بلد عرقة للإمام تركي وابنه فيصل، وأخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ عن غيره من علماء هذه الدعوة حتى أنار الله قلبه بالتوحيد والإيمان والمعرفة، وجد ونافس حتى بلغ درجة المحققين، ولما توفى رثاه الشيخ سليمان بن سحمان بهذه القصيدة.
طار الكرى وفاض الدمع وانسجما من فادحٍ حادث بالناس قد دهما
وثلمة فرجت في الدين وانثلمت لا يستطيع أمرؤ سدا لما انثلما
بعالمٍ عام في بحر العلوم فلم يترك لمنتقدٍ قولًا ولا كلما
وفاضلٍ حمدت في الناس سيرته بالحلم فاق على أقرانه فسما
قد أقفرت وخلت منه الربوع فيا للعلم فأبكوا دمًا بل أخضلوا ديما
وابكوه وارثوه أن كنتم ذوو أخرن وذوا اكتئابٍ على فدحٍ بكم دهما
لله در إمامٍ زاهدٍ ورعٍ وعالم بنعوت العلم قد وسما
ومن فقيه غدى من فقهه علمًا ومنهلًا سلسبيلًا مفعمًا حكما
قد زانه الله بالتقوى وسربله وخصه الله من وحيه فاعتصما
[ ١ / ٢٧١ ]
أعني بذلك من طابت أرومته بقية العلماء السادة القدماء
ذاك بن سلطان من شاعت فضائله محمدًا من فضل العلم قد رسما
إني لأرجو له فوزًا ومغفرةً ومنزلًا بجوار الله منتعمًا
فالله يعليه من فردوسه درجا والله يجزيه رضوانه كرما
والله يجزيه من خيرٍ برحمته وفضله خير ما يجزي به العلما
حبر تقضت به الأيام وانصرمت حتى اغتدى رهن رمس بالثرى
لما نمى موته الناعون أنَّ به ريب المنون أناخ الرحل فاخترما
طاشت حلوم ذوي الألباب وانصدعت منا القلوب لهذا الخطب إذ عظما
وظافنا بعده هم فأرقنا وليس عما قضاه الله منهزما
أنى وقد أظلمت كل البلاد وقد عم البلاء فأبدى القلب ما اكتتما
وفاض في الناس هذا الجهل واندرست معالم العلم حتى غاض وانصرما
من فقد كل إمامٍ جهبذٍ ثقةٍ قد اعتنى بحمى الشرع فانتظما
كالفاضل الثقة الموهوب تكرمةٍ فضلًا على الناس بالعلم الذي علما
يكنى أبا حسنٍ من طاب مدحته من كان للفضلاء في علمهم علما
ونجله الفرد من سارت فضائله مسير ذي الشمس في الأقطار حين سما
من رام شأو العلى حتى علاه وقد أعيت مناقبه نثرًا ومنتظما
فأظلمت بعدهم أرجاؤه وعفت واستحكم الجهل في الأقطار حين طما
ثم الصلاة على المعصوم سيدنا أزكى البرية بل أزكاهمو ذمما
والآل والصحب ما هب النسيم وما طار الكرى وفاض الدمع وانسجما
وفيها ولد سلطان لحج عبد الكريم الفضل وعقدت في هذه السنة في ٧ جمادى الآخرة معاهدة جديدة بين أخيه السلطان فضل بن علي بن محمد محسن وبين الحكومة البريطانية، وكان السلطان عبد الكريم له نهمة في تقدم لحج وتحسن زراعتها وكل ثروتها، وأنيرت بالكهرباء وشقت فيها الشوارع الواسعة وغرست على جوانبها الأشجار حتى صارت تضاهي بجمالها وبهائها أجمل المدن الحديثة،
[ ١ / ٢٧٢ ]
ونهض بالإمارة حتى كان بلاد لحج في مقدمة بلاد اليمن عمرانًا وازدهارًا، وذلك بإقرار الذين زاروها ودرسوا أحوالها.
وفيها أيضًا ولد رئيس جمهورة تركيا مصطفى كمال، وكانت ولادته في مدينة سلانيك وأسرته كان من الأريسا في بلاد اليونان، ويأتي له بقية ذكر في سنة وفاته، وكان قد توفى والده وهو صغير بدون ثروة تذكر، فلجأت أمه إلى أخيها وكان مزارعًا فنقلها أخوها مع فتاها إلى قريته وكفله، فأخذ يساعد خاله في عمله سواءً في الحقل أو في الدار أو في السائمة، ثم شق على والدته أن ينشأ فتاها هذه النشأة الخاملة فأعادته إلى شقيقتها في سلانيك ليتعلم، فأدخلته هذه مدرسة رسمية من مدارس الحكومة، وشملته بعنايتها، وضربه الأستاذ يومًا ضربًا مبرحًا لأنه تشاجر مع زميل له ساعة الدرس، فشق ذلك على جدته فأخرجته من المدرسة وأقصته عنه، فاختار الدخول في المدرسة العسكرية لميل غريزي فيه، ولما عارضت والدته حينما عرض الدخول عليها في المدرسة خوفًا عليه ولئلا تصاب ببعاده، أصرّ على الدخول وكان له ما أراد ولقب في المدرسة العسكرية بكمال فأصبح يدعى مصطفى كمال، وما زال يترقى ويجتاز الصفوف الأولية حتى نودي به رئيس جمهورية تركيا.
وختمت هذه السنة باتفاق أهل بلد المجمعة مع الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد على أن يكون حليفهم وحاميهم وأن يكونوا من رعاياه، وكان هذا الإتفاق بعد عدة وقعات جرت بين أهل المجمعة وبين الإمام عبد الله بن فيصل، قتل فيها عدة رجال من الطرفين، فلم يستول عليها عبد الله وأحدثت شغبًا، ورجع الإمام عبد الله صفر اليدين منها، وبذلك تعلم ضعف جانب الإمام لأنه إذا عجز عن فتح بلدة في سدير ودخولها تحت طاعته فغيرها أولى.