لما انتصرت روسيا على العثمانيين صنعت أنواع الفظائع بالجنود العثمانية، ففي هذه السنة وجدت معسكرًا يحتوي على مائة ألف من نساء الأتراك نازلا ببعض الأمكنة فما كان من جنود روسيا وأتباعها إلا أن فتكو بهن وطردوهن أمامهم على ثلوج نهر ميرتزا إلى جبال دورب حتى مات أكثرهن من البرد والجوع، وأصبحت بعض الأماكن التي تبلغ سبعين ميلًا، وكانت بالأمس مرتعًا للآلاف من العائلات، فأصبحت قاعًا صفصفًا خاوية على عروشها ليس فيها سوى جيف الموتى وعظام القتلى وبقايا المقتولين، فتحولت نضارتها السابقة إلى منظر مخيف وأطلال دواثر، وذلك من الفضائح المنكرة التي تقشعر من هولها الأبدان وينكرها أهل العقول من ذوي الأديان، حتى جاء في بعض الجرائد المتعلقة بهذا الموضوع.
وكانت هذه الجريدة تميل إلى روسيا غير أن هذه المرة تسخط من هذا الصنيع، قال وكنا نرى جثث الفلاحين مغطاة بالثلوج ولا شك أن بعضها قد لبث على هذه الحالة الشنيعة المحزنة أسبوعين أو ثلاثة ولم نزل آثار الدماء على ملابسهم وهكذا كنا نسير بين رمم القتلى وآثار الخيام والأرض حولها مغطاة بالجثث وبقايا المعسكرات كما تغطى بالفرش والبسط.
[ ١ / ٢٦١ ]
وكنا نخترق صفوفًا من جثث القتلى ورمم الحيوانات مسافة لا تقل عن خمسة وثلاثين ميلًا، فرأينا نساء ملقاة في الثلوج وأولادًا وأطفالًا مرماة في البرك ورجالًا ممزقة أجسامهم مما أصابهم من الجراحات القتالة ورأينا الثلج محمرًا من أثر الدماء المنهطلة، وأظن أن أغلب النساء متن من البرد القارص لأن نضارة الحياة كانت بادية على وجوههن، أما الأطفال والأولاد فهم كالنساء مات أغلبهم من شدة البرد القارص والثلوج المتراكمة، هذا ويرى عليهم آثار النضارة الطفولية وبعضهم بادية وجوههم وبعضها مغطاة بالثلوج، لأن مما لا شك فيه أن أمهاتهم لما رأينهم أمواتًا على صدورهن من شدة البرد وأن لا أمل في عودتهن للحياة رمينهم في الثلوج ليخففن حملهن وفارقن حشاشات أكبادهن بالرغم منهن والدموع تسيل من عيونهن، حتى إذا أدركت الخدود تحولت بردًا من شدة الزمهرير.
ولقد وصف بعضهم امرأة تسير بجانبها طفلة تناهز العاشرة من عمرها وهما تجدان في المسير فرارًا من معاملة الروسيين وقساوتهم وفظاعتهم، ولكن الابنة لم تقو على المشي لأن أقدامها العارية تعبت غاية التعب من المسير على الثلج فسقطت ميتة بين أمها الحنونة ولقد داهم الأم الليل بظلامه الحالك وبرده الفاتك فسقطت طريحة بجانب ابنتها.
وكانت جيف القتلى من الأتراك يقوم عليها فلاحو البلغار فلا يكتفون بما أصابها من القتل بل يرجمونها بالحجارة ليفنوا عظام أولئك القتلى، ولما سئلت إحدى العائلات التركية من أين جاءت وإلى أين تسير، قالت لها تركت بلفتة من خمسة شهور مضت وهي على مثل حالها من الفقر المدقع تسير ليلًا ونهارًا ليس لديها إلا ما تجده من لحوم الحيوانات التي تموت في الطرق، كانت هذه العائلة مكونة من أب وأم على صدرها طفل صغير وولد لا يبلغ العاشرة من العمر وكلهم حفاة عراة، الأرض فراشهم؛ والسماء غطاؤهم وليس لديهم سوى بعض خرق يسترون بها سوءاتهم وقدر يطبخون به اللحم من تلك الميتات، وكلما سرت رأيت مناظرًا أبشع وأفظع، فهذه امرأة وزوجها مقتولان نائمين بجانب بعضهما وطفلان بقربهما على الثلوج، وشيوخ متكسرة جماجمهم.
[ ١ / ٢٦٢ ]
ومن المناظر التي تولّد الحسرة وتحزن الفؤاد، رؤية شيخ هرم من الترك ملقى على الأرض إلى جانبه مصحف قد تلوث بدمه حتى ترك خمسة وسبعون ألف بيت خالية من السكان، وكان الأتراك شيوخًا وأطفالًا ونساءً يفرون فلا يستطيعون الفرار فينقض عليهم البلغاريون فيفتكون بأغلبهم حتى سميت بعض الطرق التي يفرون معها طريق الموتى لكثرة ما فيها من القتل.