قد قدمنا فيما مضى والتاريخ يعيد نفسه إن عبد الرحمن هذا سار إلى بلد الأحساء وذلك بأنه لما مرج الملك بين آل سعود وكثر الهرج وأصبح كل ابن من أبناء فيصل لا يخضع للآخر ما خلا محمدًا، فإنه لا يزال مقيمًا على الولاء لأخيه عبد الله.
ولما كان في شهر رمضان من هذه السنة، قدم عبد الرحمن بن فيصل من بغداد إلى الأحساء يصحبه فهد بن صنيتان، فلما قدم عبد الرحمن قام معه أهل الأحساء وأخذوا يبرمون الحيلة في تدمير العساكر التركية، فقاموا على العسكر الذين عند أبواب الهفوف فقتلوهم، ثم حصروا العساكر الذي في خزام القصر المعروف خارج البلد، ونصبوا عليه السلالم وأخذوه عنوةً وقتلوا جميع من فيه من العسكر، وتحصن أهل الكوت فيه هم ومن عندهم من عسكر الترك الذين في كوت إبراهيم، وفي كوت الحصار فحاصرهم عبد الرحمن بن فيصل ومن معه من أهل الأحساء والعجمان وآل مرة، واشتد الحصار عليهم وكاد أن يظفر ببغيته لولا نجدة جاء بها ابن سعدون من العراق فكسرت العجمان وشتتت شملهم، وذلك لأن العساكر أرسلوا إلى والي البصرة وباشا بغداد يطلبون النصرة، فأمر باشا بغداد على ناصر بن راشد بن ثامر بن سعدون رئيس المنتفق أن يسير إلى الأحساء، وعقد له على إمارة الأحساء والقطيف وجهز معه عساكر كثيرة من بغداد، واستنفر ناصر بن
[ ١ / ٢٣٣ ]
راشد رعاياه من المنتفق وغيرهم من بادية العراق، فاجتمع عليه جنود عظيمة، فسار بهم إلى الأحساء، فلما قرب من بلد الهفوف خرج إليهم عبد الرحمن بن فيصل ومن معه من العجمان وآل مرة وأهل الأحساء، ووقع بين الفريقين قتال شديد، فانكسر لذلك أهل الأحساء وانهزموا إلى بلادهم وتتابعت الهزيمة على العجمان ومن معهم من العربان، وعاد عبد الرحمن بن فيصل إلى بلد الرياض معه فهد بن صنيتان، وهرب رؤساء الأحساء إلى البحرين.
ثم دخل ناصر بن راشد بلدة الهفوف بمن معه من الجنود ونهبوها وأباحوها ثلاثة أيام، وخرج عسكر الترك الذين في الكوت، فصاروا مع تلك الجنود فعاثوا في البلد نهبًا وقتلًا وفسادًا، حتى قتلوا كل من ظفروا به من أهل السنة من ساكني الأحساء وممن كان فيه من أهل نجد، ولم يتعرضوا للرافضة، فقتل خلائق كثيرة ونهبت أموال عظيمة لا يحصيها إلا الله تعالى، وكان أكثر من باشر القتل عسكر الترك طلبًا لثأر من قتل منهم، وكان من أعيان الذين قتلوا في هذه الفتنة الشيخ عبد العزيز بن نعيم.
أما الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الوهبي فإنه ضرب ضربًا شديدًا وأخرجوه من الكوت، وكان ساكنًا فيه قبل ذلك، وقتل محمد بن عبد الرحمن بن عامر وعمه أحمد ورشيد بن عبد العزيز الباهلي ومحمد بن حسين الباهلي، وجرى في هذه الأيام محن عظيمة وخطوب جسيمة تشيب لها النواصي، وتعجز عن حملها الجبال الرواسي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي آخر هذه السنة بل في شهر ذي القعدة خرج سعود بن فيصل من بلد الرياض غازيًا فلما وصل صوار الموضع المعروف في أسفل بلد البير من بلدان المحمل مرض فرجعوا به إلى الرياض فوافاه أخوه عبد الرحمن لما رجع من الأحساء مريضًا في قصره، فلبث سعود أيامًا قليلة وتوفي في ثامن عشر الحجة من هذه السنة فالله المستعان.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وهذه ترجمته رحمة الله عليه:
هو العاهل المقدام والأسد الضرغام وسلالة الأمجاد والكرام سعود بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود آل مقرن، كان شجاعًا ومشهورًا بالجراءة والإقدام، قد ظهرت فيه علامات السيادة وهو قد التف في مهاده، وكان له كرم عظيم وبذل وعطايا كثيرة حتى اشتهر جوده واعتلى صيته، وقد ساعده التقدير، مع ماله من الهمة العلياء والأمر الخطير، والقدر السامي والشأن الكبير، فلما رآه والده أهلًا للرئاسة استعمله أميرًا في ناحية الخرج وكان مقرونًا به الظفر، وله سبق في الفضل، غير أنه قام ينازع أخاه الإمام عبد الله الملك، فحصل بسبب ذلك محن على أهل الإسلام وفتن كبيرة على الآنام، وهذا يعد من سيئاته والله يغفر له، فأنتج خلافه ومنازعته فتنًا مظلمة وحوادث مدلهمة، وكان أمر الله قدرًا مقدورا، ولولا ما يسره الله من قيام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وسعيه في تسكين بعض الحوادث الثائرة بحسب جهده وطاقته، مع أنه لا يستطيع وليس في إمكانه قطع مواد الشر من أصله لعدم سلطانه وقلة معاضديه وأعوانه، لكان الأمر أدهى مما وقع وأجسم مما حصل، ولكنه ما زال يدأب في قمع الفساد ويبث نصائحه في العباد حتى رمم بعض ما تفتق، وهذه الدنيا جعل الله صاحبها يعيش في كيد ويفشوا بين أهلها النكد والحسد، أضف إلى ذلك ما إذا كان للإنسان أعوان لا يساعدونه على فعل الخير مع ما بلى به العبد من الهوى والنفس والإمارة بالسوء، وتسويل الشيطان وغرور الدنيا، كما جرى ذلك في القرون السالفة والله ولي التوفيق.
ولما توفى قام بالأمر من بعده أخوه الإمام عبد الرحمن بن فيصل وكان عبد الله بن فيصل إذ ذاك هو وأخوه محمد بن فيصل مع بادية عتيبة.