كان في زمانه رئيس قبيلة من العربان تأخر عنه العطاء، فأخذ في مسبة الإمام والنيل منه، فما زال ذلك الجلف في غباوته وطغيانه حتى آل به جهله إلى أن ركب جواده ذات مرة وجعل يرسلها بين قومه في البرية وينتخي ويعتزي يقول: جوادي هذا لأطئن بها الرياض ولا غزون فيصل وأريه الفعل خيال التوحيد أخو من أطاع الله.
فوشى به أحد أعداءه إلى الإمام وأكثروا مسبته، يقولون تغدَّ بالذئب قبل أن يتعشاك، فدعى الإمام أحد رجاله على خفية وأركبه مطية من النجائب المسرعة وناوله أربعين ريالًا وعباءة ومحرمة وقال: اذهب إليه وناوله إياها وأرفقها بكتاب فيه، من فيصل ابن تركي إليه.
ثم قال بعد التحية أيها العزيز نعتذر إليكم من نسياننا لواجب حقكم، وذلك لكثرة الأشغال، فالحمد لله الذي جعل هذا النسيان وقع في حقكم لأنكم تتحملون تأخر جائزتكم هذه المدة، فنرجوا المسامحة وسنجعلكم بعدها على البال لا زلتم بخير وسلام.
فلما قدم عليه النجاب وناوله ما معه، انقلبت خمرته خلًا وصعد المنبر بعد صلاة الجمعة عليه عمامة ضخمة، فألقى خطبةً على الناس قال فيها: أيها الناس اعلموا بأنه يوجد فيكم منافقون يسبون إمام المسلمين، والإمام أطال الله بقاءه قد أوجب الله طاعته حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فإني أعاهد الله لأن سمعت أحدًا يسبه منكم لأقتلنه ولأجعلنه نكالًا لغيره، فلما رجع النجاب إلى الإمام وأخبره بما صنع عجب لهذه القصة الظريفة وقال على طريق الأمثال: كلب ينبح لك أولى من كلب ينبح
[ ١ / ١٧٣ ]
عليك، لو قتلناه وترنا أهله وعشيرته ولا تنسى الظغائن، فها هو قد كف وأصبح ينافح عنا، وكان مكرمًا لحملة القرآن، رحيمًا بالأرامل والفقراء والضعفاء، ولم يكن سفاكًا للدم الحرام، ولا غاصبًا لما في أيدي الآنام من الحطام، ولقد أحسن من قال في مدحه:
عفيف شريف النفس للفضل عارف حليمٌ كريمٌ سالم القلب منصف
وقال غيره:
له في سرير الملك أصل مؤثل تلقاه عن أسلافه السادة الغر
هم العقد من أعلا اللآلي منظمًا وفيصل في العقد واسطة الدر
غدت أرض نجد تزد هي بفعاله وترفل في ثوب الجلالة والفخر
وكان كثيرًا ما يرسل الصدقات إلى كل بلد من بلدان المسلمين، تقسم على الفقراء والمساكين، وشديد البحث عن الأيتام والفقراء يتفقدهم بالبر والعطاء.