كان آل سعود قد أسندوا الأمور إليه فكانت الأخماس والزكوات، وما يجيء إلى الدرعية من جل الأشياء ودقها تدفع إليه فيضعها حيث شاء، ولا يأخذ الإمام عبد العزيز ولا غيره من ذلك شيئًا إلا عن أمره، وتدبيره فبيده الحل والعقد والأخذ والإعطاء والتقديم والتأخير، ولما فتح الله الرياض ورجف بدهام بن دواس أحصي الدين الذي في ذمة الشيخ مما يبذله لله، وفي إظهار دينه وإعلاء كلمته، فبلغ ألف محمدية فقضاها من غنائمها، وكان لا يمسك على دينار ولا درهم، وجميع ما يرد من الأخماس والزكاة وغيرها، يفرقه في أوانه ويعطي العطاء الجزيل بحيث أنه يهب خمس الغنيمة العظيمة لاثنين وثلاثة، وكان لا يرسل جيش ولا يصدر رأي ولا تدبير من الأمير محمد وابنه عبد العزيز إلا عن رأيه وأمره.
وبالجملة فبيت المال أمره إليه قد فوض إليه أمره وأسند إليه شأنه.
فلما فتح الله الرياض واتسعت ناحية الإسلام، وأمنت السبل وانقاد كل صعب من حاضر وبادي، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز بن محمد بن سعود، وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه، وانسلخ منها بعدما أسسها ولزم العبادة، وتعليم العلم، ولكن عبد العزيز ما كان ليمضي بأمر دونه، ولا ينفذ شيئًا دون إذنه
[ ١ / ٤٥ ]
ورأيه، وكان عطاؤه عضاء من وثق بالله بحيث لا يخشى الفقر، وكان كثير اللهج بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وعليه سيما الهيبة التي لم تحصل للملوك ولا للأمراء، ولم نسمع بها لغيره من العلماء والرؤوساء مع تواضعه ولين جانبه وخفض جناحه لطلاب العلم والسائل والمستفد وذي الحاجة والفاقة.
وبالجملة ففضائله أكثر من أن تحصر؛ وأشهر من أن تذكر، ولقد تضمخت ألسنة أعدائه بمسبته في أول ظهوره حسدًا وبغيًا كما قال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
ومع ما يسمع من الأذى وينقل إليه وينمي يتضرع إلى فاطره أن يشرح صدور أعدائه للحق، وأن يسهل لهم قبوله ويعاملهم بعد القدرة بالصفح والعفو والمغفرة، ويسارع إلى قبول معذرة من جاء إليه معتذرًا من العلماء والرؤوساء لما وفدوا إليه منقادين وأذلهم الله بين يديه، فما وبخ ولا أهان بل أبدى البشاشة والعطف كأن لم يصدر منهم شيء، وهذه صفات كما قال الله عنه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، ولو أرخينا عنان القلم لطال الكلام ولخرجنا عن المقصود.